kayhan.ir

رمز الخبر: 60914
تأريخ النشر : 2017July31 - 21:45

’إسرائيل’ القلقة على أمنها من الجنوب السوري


سركيس ابو زيد

الأحداث والتطورات التي يشهدها جنوب سوريا تقلق "إسرائيل"، لا سيما لجهة التموضع المستجد للجيش السوري، وإمكانية أن يتيح ذلك تعاظم التأثير الإيراني في كل من العراق وسوريا، وأن تستفيد قوى المقاومة من فرصة وجود الجيش السوري هناك لنشر قواتها على مقربة من الحدود التي تتصل مع "إسرائيل" والأردن.

هذا ما دفع الكيان إلى الإعتراض بشدة على اتفاق وقف النار في الجنوب السوري الذي توصلت إليه الولايات المتحدة وروسيا خلال قمة العشرين في مدينة هامبورغ الألمانية مؤخراً، رغم محاولات روسيا طمأنتها من أن موسكو وواشنطن تأخذان في الاعتبار مصالح "اسرائيل"، وسوف تفعلان كل ما يلزم لمراعاة مصالحها، عند إنشاء مناطق خفض التوتر في الجنوب السوري.

"إسرائيل" اعتبرت أن الاتفاق بصيغته الحالية سيء للغاية، فهو لم يتضمن كلمة واحدة واضحة عن إيران وحزب لله.. والاتفاق يُبعد إيران مسافة 20 كيلومتراً فقط عن الحدود مع"إسرائيل"، ما يعزز الوجود الإيراني على الحدود الشمالية لـ"إسرائيل" ويهدد مصالحها الأمنية، وأوضحت للأميركيين أنها تتحفظ على أن تناط مهمة فرض وقف النار في مناطق التهدئة بالقوات العسكرية الروسية وحدها.

وإذا كانت روسيا وتركيا ستراقبان مناطق شمال سوريا، وإيران وروسيا ستراقبان المناطق التي سيتم إنشاؤها في وسط الدولة، فإن روسيا وحدها ستراقب المنطقة الأمنية في الجنوب، قرب هضبة الجولان، وقرب درعا في الأردن، وتقسيم الرقابة هذا يحمل في طياته بالنسبة لـ"إسرائيل" قدراً كبيراً من الهدوء، إذ إن روسيا التي كانت قد تعهدت في شهر آذار لـ"إسرائيل" بأنها تمنع وجود القوات الإيرانية وحزب لله قرب الحدود، تمنح الآن ضمانة فعلية لهذا التعهد، خصوصاً بعد أن اهتمت قبل ذلك بتراجع معظم عناصر حزب لله من منطقة هضبة الجولان، ولكن ذلك غير مضمون إلى الأبد، لذلك تريدها منطقة معزولة تماماً.

مصادر دبلوماسية مراقبة ترى أن التوافق الأميركي - الروسي على الترتيبات في جنوب غرب سوريا قد يتضمن إبعاد إيران وحزب لله عن المنطقة المحاذية للجولان.. والأردن، وهو جزء مهم من التفاهمات الأميركية – الروسية، مستفيد أيضاً كشريك، لأن الترتيبات أبعدت إيران وحزب الله عن الحدود مع الأردن، بينما إيران تعتبر أن الوجود العسكري غير السوري في الجنوب غير مقبول.

هذه المواقف تكشف خلافات حقيقية بين "إسرائيل" وكل من أميركا وروسيا، واحتجاجاً "إسرائيلياً" على أن الدولتين لم تأخذا في اعتباراتهما القلق "الإسرائيلي" من الوجود الإيراني في سوريا ولم توافقا على مطلبها باشتراط الاتفاق بإخراج قوات المقاومة من الأراضي السورية.

فلكيان الاحتلال في سوريا حساباته التقديرية الاستراتيجية للمخاطر والتطورات، وهو ما دفع نتنياهو لطرح الاستراتيجية الإسرائيلية في كل محفل دولي وفي كل لقاء ثنائي مع زعماء العالم، فهو يعتبر أن الظروف قد تغيّرت جوهريا، مما يوجب تغيير المصالح والمطالب، ويعتقد بأن سوريا لم تعد دولة مستقلة، بل لم تعد دولة طبيعية وأصبحت مرتعا لأعداء "إسرائيل" اللدودين (إيران وحزب لله)، وهذا ما دفعه الى التوجّه لكل من روسيا والولايات المتحدة بطلب الاعتراف بقرار ضم الجولان لـ"إسرائيل" وكذلك إقامة "مناطق عازلة" على طول حدود "إسرائيل" مع سوريا، وعلى طول حدود سوريا مع الأردن، إذ إنه يعتبر أن التسويات المطروحة للمسألة السورية حاليا تدل على أن النفوذ الإيراني سيبقى، بل وربما سيتعزز، و"إسرائيل" لن تقبل بأن يقترب الإيرانيون أو حزب لله أو أي طرف مقرّب منهما من الحدود ويهدد أمن المنطقة. لذلك نتنياهو يطالب بضم الجولان، وكذلك بحصة "إسرائيلية" دسمة من الكعكة السورية تتجاوز هضبة الجولان، شرقا وجنوبا، على شكل حزام أمني منزوع السلاح.

وكشفت معلومات في السياق ذاته أن السلطات الإسرائيلية الأمنية تسعى لتشكيل جيش سوري تابع لها، في المنطقة الجنوبية من سوريا على الحدود مع الجولان المحتل وعلى الحدود مع الأردن، لكي يتصدى للامتداد الإيراني.. والفكرة الإسرائيلية مأخوذة من نموذج قريب زمنيا وجغرافيا، من لبنان، إذ تريد تشكيل "جيش سوريا الجنوبي" على غرار "جيش لبنان الجنوبي"، الذي أسسته في منتصف السبعينات من القرن الماضي بقيادة سعد حداد ثم تولى قيادته أنطوان لحد.

مصادر إسرائيلية أكدت أن هدف هذه القوات سيكون منع سيطرة حزب لله والوحدات المناصرة لإيران في منطقة هضبة الجولان، بعد انتهاء الحرب ضد "داعش"، وانصراف القوات الأميركية من المنطقة.

فيما رأت أوساط دبلوماسية في بيروت تتابع عن كثب التطورات الجارية في المنطقة، أن: "الاتفاق الروسي - الأميركي ينقل الأزمة السورية إلى أعلى مستوى ممكن، بالتالي يجعل كل اتفاق أو قرار بشأنها قابلاً للنفاذ، بعد أن علقت المبادرات والحلول لسنوات طويلة في الاستعصاء الذي فرضته توازنات القوة بين المتنازعين المحليين والإقليميين وتناقضاتهم".

فإذا صمدت هدنة الجنوب السوري المتوافق عليها دولياً وإقليمياً، واستقر مسارها، وإذا انتهت معركة الرقة خلال الأسابيع المنظورة، فإن المناطق التي يسيطر عليها حزب "الاتحاد الديمقراطي" شمال شرق سوريا مرشحة بقوة لأن تكون محل نقاش عام، سوري وإقليمي ودولي، لأن يحدد مصيرها المؤقت بانتظار التسوية الشاملة.

المواجهة الأخرى المؤكّدة ستخوضها تركيا لإحباط أي مشروع لدويلة كردية محاذية لحدودها شمال سوريا، أو في أسوأ الأحوال لتكبيل أي كيان كردي بكثير من القيود لمنعه من التحوّل الى دولة.. هذه معركة تجمع بين إيران وتركيا وتتجاوز خلافاتهما، بل تجمعهما مع الحكومة السورية التي لا تزال مؤثرة في المعادلات الدولية والإقليمية.

جاء التوافق بين ترامب وبوتين ليشكل أول اختبار ميداني حاسم أميركي - روسي بما يمكن تسميته طريقة الاتفاق على تقاسم النفوذ في المنطقة الجنوبية بداية، ونجاح خطوة الجنوب ستؤدي لاحقاً الى إنجاز اتفاقٍ شبيه لوقف إطلاق النار شمالاً، ولكن مع إدخال العنصر التركي بدلا من الأردني، وهذا ما يفسر بدء وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون مهمة إصلاح العلاقات بين بلاده والأتراك المتوجّسين من دور الأكراد والمكاسب التي يطمحون اليها بعد القضاء على "داعش".

في الختام، ما زالت خارطة النفوذ في سوريا خاضعة لتطورات الصراع الميداني الذي يشهد تصاعد سيطرة الجيش السوري وحلفائه على الارض من جهة، ومن جهة اخرى قلق واضراب "اسرائيل" وتركيا وقوى الارهاب، وفي كل الحالات التسوية السلمية في سوريا تقررها موازين القوى في الميدان، لاسيما انتصارات المقاومة الأخيرة في جرود عرسال.