kayhan.ir

رمز الخبر: 60266
تأريخ النشر : 2017July18 - 22:11

الحسابات الإقليمية المفتوحة لما بعد هزيمة ’داعش’


سركيس ابو زيد

مع السيطرة على "المدينة القديمة" وعلى موقع "جامع النوري" الذي أعلن منه زعيم "داعش" أبو بكر البغدادي دولة "الخلافة الإسلامية"، تكون معركة "تحرير الموصل" انتهت عمليا وعسكريا بعد معارك ومواجهات عنيفة استمرت نحو ثمانية أشهر.

كان واضحا منذ بداية المعركة أن نتيجتها محسومة

كان واضحا منذ بداية المعركة أن نتيجتها محسومة وأن المسألة مسألة وقت. النتائج المترتبة على هذه المعركة والمرتبطة بمرحلة ما بعد الموصل وما بعد انتهاء "داعش" في العراق هي الأهم: من يحكم الموصل ويسيطر عليها؟! كيف ستتوزع خارطة الحصص والمصالح والنفوذ؟ كيف ستؤثر معركة الموصل على الحرب السورية وتحديدا على معركة الحدود والشرق والبادية؟

الأكراد لم تكن لهم مشاركة أساسية في تحرير الموصل وهم كانوا ربطوا مشاركتهم بحوار واتفاق مسبق حول مرحلة ما بعد تحرير الموصل وعلى صيغة لإدارة الموصل في شكل يراعي توازناتها ومكوّناتها ويطمئن سكانها الى مصيرهم بعد طرد "داعش".

ولكن الأكيد أن أعين الأكراد تتجه أولا الى كركوك التي ستكون نقطة الصراع الساخنة في مرحلة ما بعد "داعش"، في ظل ضغوط مزدوجة من جهة بغداد التي ترفض أن تكون المنطقة الجديدة تابعة لإقليم كردستان وتفضل بقاء الوضع الإداري لمحافظة نينوى على ما كان عليه قبل حزيران 2014، تاريخ سقوطها في أيدي"داعش".

من جهة أخرى، تركيا تثير الموصل شهيتها، وأيضا كركوك، حيث مطالب التركمان تتركز أساسا حول الحفاظ على وضع لكركوك، بإدارة مشتركة، عربية وكردية وتركمانية، فيما يصر الأكراد على ضمها الى إقليمهم.

أما الأميركيون فإنهم مدركون لحجم التعقيدات العراقية الداخلية، والتناقض الحاد في مصالح وأهداف القوى الخارجية، وإمكانية احتدام المواجهات الأمنية والسياسية بعد تحرير الموصل. قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ستيفن تاونسند قال: "إن الحرب بعيدة كل البعد عن نهايتها، لذلك لا أتوقع أي تغيير في مستوى قواتنا فما زال أمامنا عمل شاق يتعيّن علينا وعلى العراقيين القيام به".

وعلى رغم الارتياح والتفاؤل الذي عم البلاد بعد نجاح القوات العراقية في تحرير الموصل، إلا أن المخاوف ما زالت قائمة من عودة "الخلايا النائمة" إلى تنفيذ هجمات وعمليات انتحارية، فضلاً عن القلق من نشوب عمليات انتقام طائفية، وصراعات على النفوذ.

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بعد إعلانه رسميا الانتصار والقضاء على "داعش" في العراق، دعا إلى "الأخذ بزمام الأمور بعد التحرير الكامل، وأن مسك الأرض مهمة القوات العراقية فقط، فهناك نية مبيتة لتأجيج الحرب الطائفية، لكن وقوف شيعة العراق مع سنته سيوحد البلاد".

الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق يان كوبيش، قال "إن سحق "داعش" في الموصل لا يعني نهاية الحرب على الإرهاب وأمام العراق المزيد من العمل للتعافي الكامل وإرساء السلام الدائم، وذلك من خلال إعادة المهجرين والإعمار، بالتوازي مع عملية سياسية قوية لإجراء الانتخابات وتحقيق المصالحة الوطنية والمجتمعية، وإعطاء الجميع الحق في العودة، من دون أي تلاعب ديموغرافي أو اللجوء إلى الهجمات الانتقامية أو العقاب أو الإخلاء القسري".

المخاوف ما زالت قائمة من عودة "الخلايا النائمة" إلى تنفيذ هجمات وعمليات انتحارية

نصر "الموصل" طرح تساؤلات عدة عما بعدها وانتهاء "داعش" في العراق:

هل انتهى هذا التنظيم فعلا وانتهى الى غير رجعة، أم ما زال قابلا لأن "يفرّخ" بنسخة جديدة واسم جديد؟! هل الوقائع والأسباب التي أنتجت "داعش" ما تزال قائمة أم زالت؟! هل توجد استراتيجية أميركية لمرحلة ما بعد "داعش" في العراق؟ وما هي العناصر الضرورية في هذه الاستراتيجية فيما لو وُجدت؟ وإذا كان تنظيم "داعش" يستمر عقائديا كفكر ديني متطرف وإرهابي، ماذا يحل به كواقع على الأرض؟ و"أين المفر" بعد الموصل، هل الى سوريا أم الى أبعد، الى "مصر سيناء" أو الى "أفغانستان"؟

محللون خبراء في "الجغرافيا المصرية" يرون أن سيناء تمثل رمزاً مهماً لتنظيم "داعش"، فخبرة المقاتلين المصريين وتاريخ عملهم مع التنظيمات التكفيرية المسلحة خارج الحدود المصرية بدءاً من عام 1979 أثناء الحرب الأفغانية وحتى الآن، تمثل مرتكزاً أساسياً للعلاقة بين قيادة التنظيم السابقة في الموصل وبين ذيله في القاهرة منذ إعلان مبايعة "أنصار بيت المقدس" في تشرين الثاني 2014، ومجاورة هذه البقعة الجغرافية لغزة، ما أعطى أهمية استراتيجية من الناحية العسكرية، اذ تمتد الأنفاق الأرضية للضفة الأخرى داخل الأراضي الفلسطينية حيث الدعم المتواصل سواء عبر تصدير المقاتلين أو الأسلحة التي يتم شحنها لقتال الجيش المصري وقد أرسلت من قبل لقتال "إسرائيل"، فهذه الأنفاق شريان التنظيم الموصول دائماً، ولعلها تمثل السر وراء بقاء التنظيمات المتطرفة في سيناء حتى اللحظة.

نُشر مؤخراً تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" الأميركية ذكرت فيه أن "داعش" يسعى إلى بناء تنظيم جديد من أجل البقاء بعد خسائره الجسيمة في العراق وسوريا، وأن هزيمة "داعش" في الموصل، ومحاصرتهم في الرقة دمر دولة الخلافة المزعومة الخاصة بهم، لذلك جهز التنظيم خطة جديدة أكثر مرونة لمواجهة الضربات العسكرية ضده. وبالتالي فإن تنظيماً جديداً سيخرج للنور مستفيداً من المرونة التي يتمتع بها التنظيم بسبب تكوينه من عناصر محلية في العراق وسوريا وعناصر دولية تنسق عبر "الإنترنت"، يترافق ذلك مع ازدياد مخاوف من أن هناك عناصر من "داعش" تعمل على العودة إلى أوروبا وشمال إفريقيا.

في النهاية، تبقى الانعكاسات المرتقبة على معركة الحدود السورية – العراقية. فسقوط الموصل لا تنحصر تداعياته في العراق ولا يجري التعامل معها على كونها حدثا عراقيا منفصلا عن المحيط، ذلك أن تلازم المسارين العراقي والسوري بدأ يفرض نفسه على الأجندة الدولية، والوضع في سوريا بعد القضاء على "داعش" في العراق لن يكون مشابها لما كان قبل ذلك، وستشتد حالة الغليان وعملية خلط الأوراق فيها وترتفع وتيرة وخطورة الاشتباك الدولي على أرضها وحدودها..