الحريري “تخلّي” عن إسقاط النظام السوري وطلب من تياره عدم استفزاز حزب الله
أخيرًا وصل رئيس "تيار المستقبل” اللبناني النائب سعد الحريري الى قناعة بعدم القدرة على إسقاط النظام السوري، وعدم جدوي الحملات المتكررة على سلاح المقاومة.
الحريري وبحسب تقرير لصحيفة "الأخبار” اللبنانية نشرته اليوم الاثنين أبلغ خلال زيارته القصيرة لبيروت من يعنيهم الأمر "تخليه” عن مهمة إسقاط النظام السوري، واستعداده لتسوية تتيح انتخاب رئيس جديد للبنان يضمن سحب سلاح المقاومة من التداول ويترك لتيار المستقبل إدارة الشأنين السياسي والاقتصادي. وسمّي الحريري، للمرة الأولي، شخصين لتولي هذه "المهمة”: (النائب والوزير السابق) جان عبيد و(قائد الجيش الحالى العماد) جان قهوجي.
وأشارت الصحيفة الى أن الزيارة القصيرة التي قام بها الحريري مؤخرًا الى بيروت فرضتها "موجبات استثنائية”، وأن بعضاً من الاسباب التي دفعته الى المغادرة لم يعالج، لكن عليه بت بعض الأمور والعودة الى عادات اهل الصحراء! بحسب تعبير الصحيفة.
وإذ أشارت الصحيفة الى أن الحريري وحده كان يعرف أن زيارته لبيروت قصيرة جداً، وصفت رحلته هذه بأنها "مثل علبة أسرار من لحظة الوصول الى لحظة المغادرة”. مشيرة الى أن برودة شعبية رافقت عودة الحريري. موضحة أن لافتات الاستقبال التي رفعت على عجل كان وراءها تيار المستقبل” تم توزيعها من داخل منزل الحريري.
ووفقًا للصحيفة فإن أحد المحيطين بالحريري، برّر البرودة الشعبية بأن الحريري نفسه لم يكن يريد ازعاج الناس، وأن لديه إجراءات أمنية منعت الجماهير من المشاركة الكثيفة في استقباله. واقتصر جدول اعماله الداخلي على فريقه الوزاري والنيابي والسياسي والحزبي والتنظيمي، ولم يكن هناك من وقت لاستقبال رئيس بلدية او مختار او شخصية عامة او رابطة عائلية او جمعية او خلافه، لكن السؤال الحقيقي: ماذا كان سيقول الحريري لهؤلاء لو زاروه؟.
وأشارت الصحيفة الى أن الحريري أراد من زيارته لبيروت تحقيق عدة أهداف منها: ربط حدث انتخاب مفتي الجمهورية الجديد بوجوده في بيروت. وإثبات قدرته على الامساك بالقرار متي تطلب الامر ذلك، وتوجيه رسالة الى من حوله، والى الخصوم، بأنه لا يزال يمثل المرجعية السياسية للمؤسسات الممثلة للطائفة السنية في لبنان. وهو أصر بدعم سعودي ومصري، على إبعاد "هيئة علماء المسلمين” المدعومة من قطر عن موضوع انتخاب المفتي. مؤكدة أن الحريري كان مسروراً بالصورة الاعلامية التي أظهرته أنه ليس على وئام مع هذه الهيئة.
ولفتت الصحيفة الى أن الجانب الآخر المتصل بزيارة الحريري المستعجلة، ما كان يدور سياسياً واجتماعياً وشعبياً في ضوء هجوم الجماعات التكفيرية على بلدة عرسال واحتلالها.
وقالت: "يدرك الحريري عدم قدرته على توفير تغطية للجيش للدخول في عملية عسكرية دامية في البلدة ومحيطها. ويعرف اكثر ان أي مواجهة حاسمة يدخلها الجيش تتطلب تنسيقاً وتعاوناً بينه وبين حزب الله من جهة، ومع الجيش السوري من جهة أخري، وهو امر غير مرغوب فيه لأكثر من سبب، ليس من جانب الحريري وحده، بل من جهات اقليمية ودولية لا تريد هذا التكريس العملاني لدور حزب الله في حماية حدود لبنان الشرقية، لا الجنوبية فقط، كما لا يريد هؤلاء عودة التنسيق الميداني بين الجيشين اللبناني والسوري، ولو بحدود ما حصل في مواجهة مخيم نهر البارد. فكانت الخطوة العاجلة باطلاق مبادرة سعودية تقضي بصرف عاجل لمليار دولار يخصص لدعم الجيش والقوي الامنية الاخري في سياق ضبط الوضع الامني في البلاد”.
ومن بين أهداف زيارة الحريري لبيروت الاشراف على صرف هبة المليار دولار التي قدمتها السعودية لدعم الجيش والقوي الأمنية اللبنانية، حيث أوضحت الصحيفة أن دولاً غربية كانت على علاقة بالمبادرة السعودية، وهي أرادت هذه الخطوة في سياق اعداد آلية لمواجهة التنظيمات الاسلامية المتشددة في سوريا ولبنان والعراق من دون منح الخصوم اية مكاسب، وقالت: إن "المشاورات الغربية افضت الى ضرورة ان تتولي السعودية، بوصفها "دولة السنة الأولي”، قيادة مبادرة المواجهة مع "داعش” و”النصرة”. وان يتولّي سعد الحريري بوصفه "زعيم سنة لبنان” ادارة الجانب التنفيذي لهذه العملية. لذلك وُضع شرط عدم صرف هذه الهبة إلا بإشراف الحريري، بصفته الوكيل المباشر للمانح. وان يصار من خلال هذه الرعاية الى ضبط عملية الانفاق بما يؤدي الى عدم استفادة الخصوم المحليين والاقليميين منها.
وكشفت الصحيفة عن قرار اتخذه الحريري بعدم التعاون مع "هيئة علماء المسلمين” ومنعها من القيام بأي دور، وسيط او قيادي، في مواجهة اية مشكلة، من ملف قادة المحاور في طرابلس المعتقلين الى ملف عرسال (أسري الجيش وقوي الأمن لدي التكفيريين). مشيرة نقلاً عن أحد المسؤولين القريبين من الحريري الى ان قطر هي الطرف الذي يتولي رعاية هيئة العلماء، وان لتركيا دورها في الامر ايضاً.
ومن أهداف زيارة الحريري، اعادة تنظيم الموقف السياسي لفريق المستقبل من المسألة السورية برمّتها. حيث كان الحريري واضحاً مع فريقه في التأكيد أن موقفه لا يزال على حاله، لجهة معاداة النظام السوري، وانه سيكون مسروراً اذا سقط، لكنه استدرك سريعاً ليقول: "مع ذلك، فان مهمة إسقاط النظام ليست من واجبنا وليست مهمتنا، وبالتالي، ممنوع على أي ممن ينطقون باسمنا الاشارة في اي كلمة او خطاب الى مطلب اسقاط النظام، لأننا، في لبنان، لا قدرة لنا على تحمل فاتورة معركة اسقاط النظام في سوريا. كما لن يكون بمقدورنا تحمل فاتورة انتصارات قوي داعش والنصرة وغيرهما”.
أضافت الصحيفة: ولكي لا يسود الاحباط، قال الحريري لانصاره إن في امكانهم مواصلة شتم حزب الله واتهامه بالتدخل في شؤون بلد آخر، لكن دون استفزازه بما يؤدي الى اي صدام، مشيراً الى أن معالجة الملفات الداخلية تتطلّب تعاوناً مع حزب الله، سيكون في المرحلة الحالية عبر الرئيس نبيه بري فقط، او في الحكومة.
وفي خطوة يراها الحريري، ومن خلفه قوي اقليمية ودولية، ضرورية، سارع وفقًا للصحيفة الى اثارة ملف التسويات السياسية مع الحلفاء والخصوم. وهو اعد برنامج عمل يستهدف، اولاً، حماية الحكومة، وثانيا، ابلاغ الرئيس نبيه بري وبقية الحلفاء أن تيار المستقبل يريد التمديد فوراً للمجلس النيابي ولا يحبّذ إجراء انتخابات نيابية الآن. وابلغ الحريري رئيس المجلس ان فريقه لا يمانع في تفاهم سريع على ملف الرئاسة، لكنه لا يريد ربط التمديد للمجلس بهذا التفاهم.
وقال صراحة، وللمرة الاولي، ان تياره، ومن يمثل، مع تسوية منطقية تقوم على مبدأ سحب اسمي العماد ميشال عون وسمير جعجع من التداول، والبحث عن تفاهم على شخصية تكون قادرة على حماية التفاهم السياسي.
أضافت الصحيفة: وللمرة الأولي، اشار الحريري الى من يعتقد بأنهما الاقرب الى هذه الفكرة، وهما جان عبيد وجان قهوجي. والحريري، هنا، كان واضحاً، منذ البداية، بأن اي رئيس جديد سيضمن لحزب الله بأن ملف سلاحه لن يكون مدار بحث الآن. "لكن على هذا الرئيس ان يعقد معنا تفاهمات واضحة ومفصلة حول ادارة الشأنين السياسي والاقتصادي”.