الحوثيون ينتقلون من مرحلة التمدد بصمت إلى مرحلة التغيير بالضجيج
ضياء أبو طعام
فعلتها حركة "أنصار الله” وأعلنتها ثورة يمنية سلمية ثانية. وإذا كانت هناك فوارق كبيرة من حيث الشكل بين ثورة "التغيير السلمية” في شباط/فبراير 2011 وبين ثورة "إسقاط النظام” في آب/أغسطس 2014، إلا أن المضمون واحد والهدف واحد، بحسب ما يؤكده خطاب الحركة الحوثية.
"رئاسةٌ وحكومةٌ أمعنتا في الظلم، وتجويع اليمنيين، والتمييز بينهم في الحقوق والواجبات، بل وتتآمران على جزء كبير منهم لمصلحة قلّة نافذة”... هكذا أفرد السيد عبد الملك الحوثي، زعيم أنصار الله، حيثيات دعوته الشارع اليمني في كل المحافظات للنزول إلى الشارع تحت راية واحدة، و”صرخة” واحدة، وشعار واحد: "فلتسقط الحكومة”...ونزل الناس إلى الشارع.
سارعت وسائل الإعلام اليمنية المقرّبة من خصوم الحوثيين، ومعها تحليلات صحف وفضائيات عربية إلى تكرار اللازمة نفسها حول رغبة الحوثيين تنفيذ أجندة إقليمية غير عربية، في إشارة إلى الجمهورية الاسلامية الإيرانية، بل واتهامهم بالإمعان في تخريب اليمن وعرقلة مبادرات المصالحة التي بدأها الرئيس عبد ربه منصور هادي منذ شهر تموز/يوليو الفائت، وتحديداً في اليوم الأول من أيام الفطر السعيد. وترافقت هذه الهجمة على تحرك الحوثيين، ببيانات تتضمن المعاني نفسها من قبل حزب الإصلاح ومجموعة الدول العشرة التي شاركت في صياغة بيان المبادرة العربية وإخراج الرئيس علي عبد الله صالح من الحكم قبل ثلاث سنوات.
مسؤول في "أنصار الله”: نحن آخر من رفع الصوت، ومهما اتهمونا لن نكون شهود زور
يكتفي مصدر مسؤول في حركة أنصار الله في الرد على هذه الاتهامات بالإحالة إلى الصحف اليمنية الوسطية، أو المقرّبة من الأحزاب اليسارية والعلمانية في اليمن، التي بدأت منذ أكثر من أسبوعين على إيعاز السيد الحوثي لأنصاره بالتحرك سلمياً، بشن هجوم غير مسبوق على الرئيس هادي وحكومته. فعلى سبيل المثال، افتتحت صحيفة "أخبار اليوم” المقرّبة من "الحراك الجنوبي” غير المتحالف - حتى الآن - مع الحوثيين عددها في الأول من شهر آب/أغسطس بوصف الرئيس هادي بالفاشل الذي أخفق في إدارة السلطة ولجأ إلى تجويع الشعب بعد أن فشل في حربه على الارهاب والقاعدة ومواجهة "الجماعات المسلحة”، واتجه - بحسب الصحيفة - إلى اتخاذ قرار تجويع الشعب وتوسيع رقعة الفقر والجوع الذي ارتفعت معدلاته إلى نسب مخيفة...وبالتالي فعلى الرئيس الاستيعاب أن مستقبله السياسي انتهى، وشعبيته أيضاً انتهت سواء في المحافظات الشمالية أو الجنوبية.
بدروه، نقل موقع "يمن نيشن” اليساري عن "سياسيين يمنيين” وصفهم إن قيام الرئيس بصرف تعويضات زهيدة لأكثر من خمسة آلاف من العسكريين المبعدين قسراً، لا يعدو أن يكون كصدقة رمضانية تهين حقوقهم، فيما أنفقت الرئاسة، من مال الخزينة، عشرات الملايين من الدولارات لشراء ولاءات وذمم قيادات في الحراك الجنوبي في الداخل والخارج.
إذاً، بحسب المصدر المسؤول لـ”أنصار الله”، لماذا يكون ذلك الهجوم الإعلامي، المعروف من يقف خلفه داخلياً، تعبيرا عن الرأي، في حين أن أي مطالبة مشروعة مماثلة من قبل "أنصار الله” توصف مباشرة بالعمالة للخارج والرغبة في تخريب اليمن؟!!
رزق: ما بعد تحرك "أنصار الله” في الشارع سيرسم ملامح اليمن الحقيقية للمستقبل
يقول الكاتب والمحلل السياسي اليمني "حميد رزق” إن حيثيات تحرك الحوثيين أكبر بكثير من أي اتهام ورد للاتهام. فكل المناخات التي تحصل في اليمن تؤشر إلى شيء واحد: هناك من يسنّ سكيناً ليذبح بها اليمنيين الحريصين على وحدة اليمن، ومن بعدها سيستخدم السكين ذاتها لتقسيم اليمن وشرذمته في أقاليم ستة، وبذلك ينتهي إلى الأبد ثقل وحضور اليمن الإقليمي خدمةً لمصالح سعودية أميركية "داعشية”، وفي النهاية إسرائيلية.
ويضيف رزق: "إن مبادئ الحوار اليمني شددت على وحدة اليمن والمساواة والعدالة بين جميع أبنائه، لكنه اتضح أن الحوار لم يكن سوى مخدّر أعطي لليمنيين الذين سُفكت دماؤهم طوال العقدين الماضيين وجُوّعوا وعُزلوا واستُضعفوا، في حين أن من قَتَل جوّع وعَزَل واستضعَف يريد الآن أن يلعب دور المنقذ لليمن”.
"لقد أمعنت الحكومة الحالية، بقرار خارجي، في عزل الحوثيين بعد ثورة التغيير السلمية عن أي مشاركة، حتى على صعيد المصالحات الداخلية، بل واستُحدث لها خصوم وأعداء تحت عناوين مذهبية مقيتة”.
"ثم جاءت نداءات أنصار الله على لسان السيد عبد الملك الحوثي مراراً وتكراراً لتدعو إلى تصحيح السلوك والسياسات وبالدرجة الأولى على الصعد الاجتماعية والأمنية ومكافحة الفساد، لكن دون جدوى”.
"وأخيراً، جاء قرار حكومة المحاصصة برفع الدعم عن المشتقات النفطية، في نيل فاضح من كرامة اليمنيين وامتهان آدمية الإنسان اليمني بشكل غير مسبوق. وحين رفع السيد عبد الملك الصوت مجدداً باستنكار هذه المظلومية الجديدة للشعب، ما الذي حصل؟ ردت الحكومة بتكثيف إجراءاتها الأمنية في المحافظات لا سيما في شوارع العاصمة صنعاء، وصمّت آذانها عن حشرجة اليمنيين الذين يزداد عدد من لا يجد فيهم حتى لقمة خبز يسكت بها ألم أمعاء أطفاله. بل، وفي محاولة لتبرير قراره، أعلن الرئيس هادي أن رفع الدعم سيترافق مع زيادة رواتب الموظفين. أوليس هؤلاء الموظفون، يتساءل رزق، هم من الأزلام والمحاسيب ولا يشكلون سوى ثلث الشعب اليمني بالحد الأقصى، فماذا عن الثلثين المتبقيين؟”.
ويختم رزق: "لقد نزلت "أنصار الله” إلى الشارع سلمياً، ولمن يتابع مجريات الأحداث في اليمن يعلم جيداً أن "أنصار الله” لا تستسيغ المناورات والألعاب الصبيانية، وما بعد النزول، الذي سيشهد مراحل تصعيدية تدريجياً لحين تحقيق المطلب الرئيسي: إسقاط الحكومة، سيرسم الملامح الحقيقية لمستقبل اليمن”.
يذكرني هذا بما سمعته يوماً في صنعاء قبل نحو عشر سنوات، حين سألت يمنياً عن اسم الخنجر الذي يضعه اليمنيون على وسطهم ضمن لباسهم التقليدي، فقال: "هذي جنبية، لما تطلع ما ترجع إلا بعد تحقيق الغرض، وإن شمّت ريحة الدم تذبح”.
وهكذا، نزل الحوثيون إلى الشارع، وبالقياس، "لن يطلعوا” إلا بعد تحقيق الغرض.. ويعلم الجميع بعد عمران سابقاً والجوف حالياً أن أي لعبة دم مع "الجنبية” الحوثية لا تنتهي بأي فرصة...لتعلم الدروس.