طهران الاكثر حرصا ومسؤولية..
واخيرا وبعد ستة اشهر من دعوة طهران للانفتاح على الرياض رضخت الاخيرة وهي تلملم جراحها ولكن بعد مخاض عسير تحملت اوجاعه وتداعياته دون ان تفضي الى ولادة تستثمرها اضافة الى مسؤوليتها المباشرة لاستمرار الكثير من ازمات المنطقة وخاصة دعم المجموعات المسلحة في سوريا والعراق وايغالها في المزيد من الدماء والدمار طيلة هذه الفترة. ولو مدت الرياض يدها يوم تحركت طهران من الواقع الغريزي لـ"قضية الام" بالنسبة لدول المنطقة وشعوبها لحدت الكثير من الاضرار والخسائر وخاصة المعنوية.
وعلى أي حال وكما يقول المثل " الايراني اينما يتوقف الضرر فانه منفعة"، فطهران الحريصة والمسؤولة اسلاميا وإنسانيا كواجب شرعي عليها تجاه الشعوب لا تخفي ارتياحها لهذا الموقف الذي لا يفاجئها طبعا وان جاء متأخرا لكنه بالتاكيد كان مفاجئا في توقيته للدوائر الاقليمية والدولية حيث نرى الوزير جون كيري يعرب عن ارتياحه لهذه الدعوة وانتهاج السعودية للتحرك الدبلوماسي، وهذا يعني انها كانت قبل هذا في واد آخر.
وتأني الرياض في اتخاذ القرار لم يكن اعتباطيا بل كان مدروسا له معطياته ورهاناته على مجمل التغييرات الميدانية والسياسية في المنطقة بناء على الاموال الطائلة التي وظفتها وعشرات آلاف الارهابيين الذين استجلبتهم من مختلف أصقاع العالم ليغيروا موازين القوى لصالحها في الظاهر لكنه في الحقيقة هو في الحقيقة اسقاط هذه الدول ودفعها الى الحضن الاميركي ومشروعه المشبوه والاساس الذي هو تأمين الحماية للكيان الصهيوني.
فتغييرات الميدان السوري وخاصة اسقاط ما يسمى بعاصمة "الثورة السورية" حمص نزل كالصاعقة على رأس الرياض، اما الفوز المتألق والكاسح، الذي حققته قائمة الرئيس المالكي وشخصه بالذات الذي حصد لوحده اكثر من مليون وربع المليون من اصوات الناخبين في بغداد وفقا للإحصاءات غير الرسمية نزل هو الاخر كالكابوس على الرياض والباقي سيكون اكثر ايلاما عليها عندما تظهر نتائج الاستحقاق الانتخاب الرئاسي السوري الذي من المحتمل جدا فوز الرئيس الاسد بناء على استطلاعات الرأي التي اجرتها اكثر من مؤسسة وصحيفة اميركية.
هذه التطورات المفاجئة في الساحتين السورية والعراقية وما تعانيه الرياض في اليمن والبحرين من ازمات اثر تدخلاتها السافرة في هذين البلدين وكذلك قرارها التعطيلي في لبنان للحيلولة دون انتخاب رئيس للبلاد من خلال اجندتها في 14 اذار، لها بالتاكيد انعكاساتها السلبية لدى شعوب المنطقة والعالم اجمع وهذا ما بدأت تلمسه الرياض بشدة وكأنها تعيش اجواء الحادي عشر من سبتمبر 2009 من حيث العزلة والكراهية جراء ما تسببت به من دمار وذبح وارهاب وسفك للدماء في بعض دول المنطقة على ايدي المجموعات الارهابية المدعومة ماليا وتسليحيا من قبل النظام السعودي وهذا ما دافع عنه علنا الوزير سعود الفيصل وطالب الاخرين فيه اثناء انعقاد ما كان يسمى بمؤتمرات "دول اصدقاء سوريا".
وهذا التوجه لم يبق محصورا في دول المنطقة عندما اتهم الرئيس المالكي السعودية وقطر برعاية الارهاب في المنطقة حيث تجاوز ذلك الى خارجها فقبل مدة وصف رئيس وزراء بريطانيا الاسبق توني بلير السعودية بانها "ام الارهاب".
كل هذه الامور وفي مقدمتها المفاوضات النووية الايرانية الاميركية ضغطت على الرياض بان تتحرك بسرعة لرأب الصدع مع طهران اللاعب والحاضر الاكبر في المنطقة التي فشلت حتى اميركا في منافستها والتي تتبجح بكثرة السائرين في ركابها لكن في النهاية تذعن لايران ودورها في المنطقة فما بال الرياض ان تذهب في نهجها العنفي لتخسر جميع اوراقها وتصبح خارج المعادلة في المنطقة.
غير ان طهران المعروفة والمشهودة لها من قبل العدو قبل الصديق بانها لم ولن تحيد عن مواقفها والتزاماتها المبدئية الانسانية او تفرط بمصالح الشعوب خاصة الاسلامية والعربية في أي اتفاق توقعه مع الدول الاخرى بل العكس تماما كم ضحت بمصالحها من اجل القضية الفلسطينية والافغانية والعراقية واللبنانية وغيرها.
فطهران التي سارعت مسبقا على الانفتاح على الرياض لابعاد المنطقة من التدخلات الاجنبية المكلفة والمهنية والمذلة لـشعوبها من جهة واصرار على ادارتها من قبل ابنائها من جهة اخرى، حري بها ان تشد على يد الرياض لاكمال هذه الخطوة شريطة حسن النوايا وخلوصها وبناء الثقة المتبادلة التي تمهد الارضية اللازمة لارساء الامن والاستقرار والازدهار لدول المنطقة جميعا وهذا ما لم تبخل بها مطلقا.