نتانياهو القادر على قضم اراضي الضفة الغربية والغاء الدولة الفلسطينية، ليس قادرا على اغتيال الفكر الفلسطيني
ميشيل حنا الحاج
العديد من الكتاب والمفكرين، طالما حذروا بأن استخدام المدافع والقوة النارية والاغارات الجوية على الدولة الاسلامية وعلى مصادر الارهاب الأخرى، ربما يساعد على تحجيمها، مع احتمال استئصالها لبعض الوقت، لكنه لن يؤدي الى وفاتها، لكونها نشاط يمثل فكرا، والفكر لا يقاتل بالقوة النارية فحسب، بل بالفكر المقابل. والفكر المقابل في هذه الحالة، قد يكون فكرا دينيا منفتحا بالصورة التي تعودنا فيها عليه على مدى أجيال سبقت ظهور الارهاب والارهابيين، عندما عرفنا الدين الاسلامي الحقيقي، كدين سمح منفتح عادل يحترم الآخر ومقدساته. كما قد يكون فكرا قوميا عربيا عروبيا، وقد يكون أيضا فكرا علميا علمانيا يساريا يطيح بالفكر الوهابي أو يواجهه، محاولا تهذيب بعض تشدده وتطرفه.
واذا كان الأمر كذلك بالنسبة للفكر الارهابي، فان الأمر لم يختلف كثيرا عن الفكر الصهيوني الذي يزداد تشدددا يوما بعد آخر، ولن يواجهه الا فكر مقابل هو الفكر الفلسطيني الذي لن يذوى ولن يذوب مهما طال الزمن، ومها سعى وفعل نتياهو وزبانيته من قضم لأراضي الضفة الغربية عبر بناء المستوطنات، أو من خلال الغاء مشروع الدولتين المتبنى دوليا منذ العديد من السنوات. كما لن يلغيه كل الرصاص الذي يطلق على صدور شباب وصبايا فلسطين بذريعة الاشتباه بحملهم خنجرا يسعى لقتل جندي اسرائيلي.
وينتعش الفكر الفلسطيني يوما بعد آخر، دون أن يستطيع نتانياهو اغتياله واجتثاثه مهما طال الزمن أو أمعنت القضية الفلسطينية في شيخوختها. ويزداد تألقا وحيويا يوما تلو الآخر، وخصوصا في مناسبات الانتصارات الفلسطينية التي هلل لها الفلسطينيون والعرب معا، وان كانت من نوعية الانتصار الرمزي كالذي تحقق ليلة 24 فبراير، عندما فاز الفلسطيني ابن بيت لحم يعقوب شاهين على لقب Arab Idol. اذ بادر الكثير من العرب من المحيط الى الخليج (وليس الفلسطينيون وحدهم)، للتصويت لمصلحة يعقوب شاهين رغم اختلاف وتفاوت مواقف دول بعضهم من حيث مدى التأييد او التحفظ بل والضجر من القضية الفلسطينية. وكانت قد تكررت صورة مشابهة قبل عامين أو ثلاثة، عندما فاز باللقب الفلسطيني (من غزة) محمد عساف.
والمناسبات التي تشعل الحماس بالفكر الفلسطيني وتبعث فيه الحياة والحيوية، تزداد يوما بعد آخر رغم كل المناورات الاسرائيلية لتحجيم مفاعيلها. ومنها اعتراف الجمعية العمومية للأمم المتحدة بفلسطين كدولة عضو بصفة مراقب. وما تبعها من اعتراف عدة دول أوروبية بالدولة الفلسطينية، ثم انضمام فلسطين الى اليونسكو، وبعدها لمحكمة الجنايات الدولية وغيرها من الانجازات الهامة المشابهة. وهناك مناداة الآن لدى دول أخرى للاعتراف بفلسطين كدولة، نكاية بالمساعي الاسرائيلية المعززة أميركيا للتخلي عن مشروع الدولتين المبارك دوليا. فهناك مناداة من عدة أعضاء في مجلس العموم ومجلس اللوردات البريطاني للاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومثلها في دول أوروبية أخرى كفرنسا التي بات عدة سياسيين فيها يحثون الرئيس أولاند على اعلان اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية قبل انتها ولايته بعد بضعة شهور.
وهكذا يخطىء نتانياهو اذا اعتقد بأن قضم اراضي الضفة الغربية أو الغاء مشروع الدولتين…وما سبقهما من استدراج الى اتفاق سلام زائف هو اتفاق اوسلو الذي لم يأت بالسلام للفلسطينيين، بل وضع السلطة الفلسطينية في مرحلة الأسر والقيود الكثيفة على تحركهم وقدراتهم في حرية القرار والتصرف كي لا نقول التسلح أيضا… يخطىء نتانياهو اذا ظن أن هذا كله سيحل المعضلة الفلسطينية ويذيبها في غياهب المجهول، لأنها ستظل حية في منهاج تفكير وعقيدة أكثر من عشرين مليون فلسطيني منتشرين في بقاع الكرة الأرضية من أميركا لكندا واستراليا واوروبا، اضافىة الى عدة دول عربية. وكلهم يدرسون أبناءهم عن فلسطين وحق الفلسطينيين في أرضهم، والعودة لبلادهم.
واذا كان اليهود قد ظلوا على مدى الفي عام يرفعون الأنخاب في كل "يوم كيبور” ليقرعوا الكؤوس قائلين "العام القادم في أورشليم” الى أن وصلوا الى أوروشليم، فان عرب فلسطين لن يقرعوا الانخاب، لكنهم سيظلوا يذكرون ويتذاكرون عن فلسطين، مهما طال الزمان. فالكرمل فينا، ولا تسقطوا غصن الزيتون من يدي، وقهوة أمي، و”عروسة” غسان كنفاني وأدبه الفلسطيني الخالص، وقصائد محمود درويش وسميح القاسم وعبد الرحيم محمود، وفدوى طوقان وناجي علوش ومعين بسيسو وآخرين كثر من جيل جديد متجدد..كلهم يغذون الفكر الفلسطيني ويحرصون على ابقائه حيا ناشطا مزدهرا. فهو فكر لن يموت أبدا، ولن تستطيع كل الرصاصات والمؤامرات الاسرائيلية اغتياله مهما بلغ ذكاء اليهودي الصهيوني، الذي بات يقابله ذكاء فلسطيني متوهج، خدع مرة من قبل الاسرائيليين في عام 1948 عندما دفعوهم الى الهجرة نتيجة مذبحة دير ياسين وانتهاك أعراض النساء وبقر بطون الحبالى، لكن الفلسطينيين لن يلدغوا من ذات الجحر مرتين.
الفوضى والفراغ في السياسة يمنحان الإرهاب المبادرة-ناصر قنديل
– تبدو واشنطن متجهة نحو حال من «الكوما» في صناعة التسويات للملفات الساخنة التي بدا واضحاً الاستعصاء في حسمها عسكرياً، وتداخلها مع ملف الحرب على الإرهاب، وتعقدت تسوياتها عند معادلة التورّط الإقليمي لحلفاء واشنطن وحلفائهم في الساحات المحلية في ضفة واحدة مع التنظيمات الإرهابية، وبلغت الأمور الحدّ الذي يتوقف الإقلاع فيه مجدداً نحو التسويات على السير بما سبق وتم التفاهم عليه بين موسكو واشنطن وعجزت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما عن تنفيذه بفصل الجماعات المسلحة الموالية لواشنطن وحلفائها عن التشكيلات الإرهابية، وإدماجها في تسويات مع القوى المحلية المناوئة للإرهاب، لتشكيل جبهة محلية ترفدها جبهة إقليمية وترعاهما جبهة عالمية للحرب على الإرهاب، ولأن المعادلتين الإقليمية والدولية معطلتان بفعل العجز الأميركي المتمادي مع ضعف الرئيس الجديد دونالد ترامب عن تخطّي الحواجز التي وضعتها في طريقه المؤسسة الأمنية والعسكرية والدبلوماسية الأميركية لتحقيق وعوده الانتخابية بالتعاون مع روسيا، القطب الدولي المقابل القادر على صناعة التسويات من جهة، وبفعل ابتعاد السياسات الإقليمية التي تمثلها من موقع التحالف مع واشنطن كل من تركيا والسعودية عن صناعة تسوية تشكل إيران قطبها المقابل والقادر من جهة مقابلة، يصير وصف الحال القائم بالفوضى والفراغ هو النتيجة الطبيعية.
– التشكيلات الإرهابية التي كانت مع إعلان التفاهم الروسي الأميركي في الصيف الماضي قد بدأت تضع استراتيجيات التعامل مع درجة الخطر، دخلت مرحلة أشد صعوبة مع التموضع التركي وانطلاق مسار أستانة، وكانت النتيجة شنّ جبهة النصرة حرب إلغاء بحق الفصائل المسلحة المشاركة في مسار أستانة، وكان فوز دونالد ترامب الرئاسي ورفعه شعار أولوية الحرب على الإرهاب والتخلّي عن سياسات أسلافه بتغيير الأنظمة بالقوة، قد أوصل التشكيلات الإرهابية لليقين بأن زمن التلاعب بالمعادلات المحلية في الساحات التي تستخدمها، وتوظيف قوى محلية للاحتماء بمواقعها وحروبها الداخلية، قد ذهب إلى غير رجعة، أما وقد تكشّف الوضع سريعاً عن هشاشة المسارات التي تنتظر التسويات فقد تنفّس الإرهاب الصعداء، وبدأ يتصرف مستظلاً بالجمود الأميركي وفقدان فرص لتفاهمات كبرى وبتراجع التموضع التركي وتقدّم السعودية نحو ملاقاة هذا التراجع لرفع منسوب التوتر مع إيران، ليبدو المشهد الحالي مع عجز تركيا والسعودية وحلفائهما عن رسم متغيرات في الميدان دون العودة للرهان على الاستثمار على الإرهاب وتضييع الفواصل معه، أن الإرهاب يسترد زمام المبادرة ليصير وحده القادر على رسم خطط واضحة قادرة على توظيف كل هذه الفوضى وهذا الفراغ.
– قوى محور المقاومة وروسيا من خلفها، وقد منحت جميعاً لفرص التسويات كل ما يلزم لا تستطيع رهن مصيرها ومصير أمن دولها، بانتظار صدفة أو ضربة حظ تنضج الموقف الأميركي أو تُلهم حلفاء واشنطن بالسير بنيّة إيجابية نحو صناعة التسويات، وترك الإرهاب يرسم المعادلات في الميدان. وما جرى في حمص ويجري في الاشتباكات التي تقودها جبهة النصرة في أماكن كثيرة من سورية، ومثلها العودة للتصعيد في اليمن، ورهانات داعش على السير جنوباً نحو دير الزور وصولاً للبادية على الحدود السورية العراقية السعودية الأردنية، يقول إن المواجهة للتحديات تستدعي تقديراً للموقف يصل لقناعة باستحالة الرهان على تسويات في الظروف الراهنة، والعودة إلى مربع ما قبل معركة حلب لصناعة إنجازات في الميدان ترسم وحدها ما بعدها مزيداً من المعارك أم فتح باب التسويات مجدداً.