kayhan.ir

رمز الخبر: 5305
تأريخ النشر : 2014August16 - 21:14

الخديعة الكبرى ، ومصير داعش

سمير الفزاع

يقول الباحث في مؤسّسة "بروكينز” الاميركية "غريغوري غوس” المتخصّص بقضايا الشرق الاوسط وصاحب العلاقة الوثيقة بدوائر القرار الاميركية : (أنّ الإدارة الاميركية لن تُقدم على وساطة جديّة أو تدخّل فاعل في حروب الشرق الاوسط كونها تعتبر أنّ مصالحها الاستراتيجية في هذه المنطقة من العالم لا تزال غير مهدّدة ، وهي لا تمانع فكرةَ ترك الامور تأخذ مداها أكثر في اطار لعبة عض الاصابع الجارية طالما أنّ لا خطر مباشراً على هذه المصالح ، لاستنفاذ الطرفين كلّ قوتهما والاقتناع في نهاية المطاف بأنّ لا حلولَ سحرية او عسكرية ، وأنّ الحل الوحيد هو من خلال التفاوض السياسي وإنجاز التسوية وفق "نظرة واقعية”) . كان "الخطأ” الإستراتيجي القاتل الذي إستدرجوا إليه ، الحرب على غزة . ظن كيري والصهاينة وعدد من العواصم العربية أن الظرف مناسب لفرض تسوية سياسية بالنار ، فكل الإقليم مشغول بمروحة واسعة من المشكلات الكبرى ، وتحديداً حلف المقاومة . كما أنّ هناك تأييد كبير من بعض "القادة العرب” لإنجاز إتفاق ما للقضية الفلسطينية يُنهي مقولة الصراع العربي – الصهيوني ، ويتيح إنفتاحاً عربياً علنيّاً بدعم سعودي على كيان العدو ، وإستغلال فرصة إلتحاق بعض من قادة حماس بركب "الربيع العربي” ، والحصول على تعهدات قطرية – تركية – سعودية – أمريكيّة "تعوم” هذا الإتفاق وتدعمه ، وتنهي "الحرب” على الإخوان المسلمين ، وتقيم حلف إقليمي – دولي للقضاء على سورية وحزب الله… فماذا حدث ؟ .

* لا تحتاج الصورة إلى كثير من التدقيق والتحليل للاستنتاج بأن العدو خسر حربه في غزة ، ورئيس وزراء العدو بنامين نتنياهو ؛ بل كلّ كيان العدو غارق في مأزق غزة . فلا هو قادر على التوقّف لأنّ ذلك يَعني سقوطه السياسي ، وإنهيار قوة ردعه وتفوقة ، ولا هو قادر على المخاطرة أكثر بإطلاق عملية برّية واسعة ومفتوحة لأنّ ذلك تعميق للخسارة وسقوط في المجهول . وأن حلف المقاومة كان حاضراً على نحو غير مسبوق في غزة ، وأكبر بكثير مما إعتقد الآخرون ، وأن حالة "العداء” مع بعض قادة هذه المقاومة لم تمنع هذا الحلف من دعم كلّ فصائل المقاومة على الأرض بكل أسباب الصمود ومقومات النصر ؛ بل إن هناك من يقول أن بعض "قادة المقاومة” كانوا بعيدين عن قدراتها وإمكاناتها الحقيقية ما أوقعهم في تقديرات كارثية ورهانات خاسرة تماماً ، ومن هنا يمكن فهم قول وأحد من كبار الأمنيين الصهاينة السابقين لوصف الحرب على غزة "هناك خطأ إستخبارتي كبير ، لقد خدعونا” ، والدعوة التي وجهها أحد كبار أعضاء لجنة "فينوغراد” لدراسة أخطاء حرب غزة وعلى رأسها الإخفاق الإستخباري .

* لننظر إلى "القوس” الذي تتمدد فيه داعش من حدود إلعراق مع ايران إلى سوريا . ماذا يُخفي خلفه ؟ بقعة جغرافية غنية بالنفط والغاز ، ويسكنها النسبة الأكبر من كرد هذين القطرين ! . ومن هنا يظهر السؤال المشروع ، أهي دولة داعش أم دولة الكرد ؟ . وهذا يُفسر تسرّع حليف أمريكا ، مسعود برزاني . لقد أعدّ نفسه لإستفتاء إستقلال إقليم كردستان ، وحاول إبتلاع كركوك ، وفرض حلّ دائم لمشكلة الأكراد على حساب العراق ؛ بالتنسق مع أمريكا وكيان العدو وتركيا وبعض العرب ، وإرضاء تركيا "بالإستقلال” عن النفط والغاز الروسي والإيراني ، و”إقتناص” عدة مليارات من الدولارات تجنيها من تصدير نفط إقليم كردستان وكركوك ؛ والذي توجهت أولى شحناته عبر الناقلة "اس.سي.اف” إلى ميناء عسقلان الصهيوني قبل شهر تقريباً . فإذا به يكون مضطراً للدفاع عن عاصمته "أربيل” ، بعد تمدد داعش نحوه ، وذلك لعدة أسباب منها : تكبيد داعش خسائر كبيرة في محافظات ديالى وصلاح الدين والأنبار ، وتدخل سلاح الجو السوري ، وعدد من القيادات الميدانية من حزب الله ، ودعم قوى سنية فاعلة ، دينية وعشائرية للجيش العراقي ، والمشاركة الحاسمة لقوى مقاومة الإحتلال الأمريكي المهزوم ، مثل عصائب أهل الحق وحزب الله العراق ، ورفض جلال الطلباني لهذه المغامرة … وصمود وأنتصار المقاومة الفلسطينية في غزة . مالت الكفة بقوة نحو هزيمة مشروع داعش في المحافظات التي إجتاحتها ، وتعالت مواقف ترفض إحتلال مسعود برزاني لكركوك ؛ بل وهددت علنا بعض فصائل مقاومة الإحتلال الأمريكي للعراق بإستهداف قوات البشمركة في كركوك ، ومعاملتها معاملة قوات الإحتلال الأمريكي . ما بدد أحلامه وأحلام أردوغان .

* في سياق "إدارة” حركة داعش وإستهدافاتها ، وجدت أمريكا نفسها أمام خيار من إثنين : إما ترك داعش تهاجم أربيل وعموم كردستان ، وإما ضرب داعش . أربيل ، العاصمة الإقليمية لأكراد العراق ، وهم أصدقاء مهمون لواشنطن ، وسيكونون محوريين في رسم شكل مستقبل العراق ، وسقوط كردستان سيفتح الطريق أمام داعش لتهديد دول مجاورة ، في شرق العراق وشماله ، إثر التفكك السريع للبشمركه أمام داعش ، وهروبها من خط الدفاع الأول عن قلب كردستان ، من زاخو غربا ، فدهوك شمالا ، فأربيل شرقا . تاركة خلفها أكثر من 300 ألف كردي أيزيدي نهباً لسكاكين داعش . بالإضافة الى الهلع الذي أصاب شركات نفطية غربية كبرى وسحبها موظفيها (وعلى رأسها شركتي شيفرون واكسون الأمريكيتين وتوتال الفرنسية ) من شمال العراق بسبب تقدم داعش ؛ ما يعني تأثيرا مباشراً على إمدادات النفط العالمية ( التي تعاني أصلاً من تدهور إنتاج النفط الليبي الى السدس ، وتهديدات روسيا بوقف إمداد أوروبا بالغاز والنفط …) ؛ ما يحولها الى خطر إقليمي مباشر للمصالح الحيوية الأمريكية . ولهذا السبب سارع أوباما لشن هجوم الحدّ الأدنى على حليفته داعش ، ليبعث من خلاله بالرسائل للأعداء والحلفاء ، ومن ضمنهم داعش ، أكثر مما يقتل منها . ويظهر الخوف واضحاً أن التدخل الغربي بالتسليح ، والأميركي بالغارات الجوية … عاجل جداً ، إذا ما قورن بالطلبات الحكومة العراقية المتكررة لواشنطن بتسليم صفقات السلاح المدفوعة الثمن سلفاً .

* إبان التحضير لتوسيع التدخل بتسليح الكرد والقصف الجوي لداعش على مشارف الإقليم ، ظهر تحدي منع استفادة سورية من أي نتائج إيجابية لإضعاف داعش في العراق . أي ، محاولة صياغة استراتيجية عسكرية وسياسية وقانونية تضرب داعش في العراق فقط ، دون أن تستفيد سورية من هذه الإستراتيجية في صراعها مع ذات التنظيم ، ومنعها من أن تكون جزءاً أساسياً منها . هنا بالذات ، يكون لبّ الصراع القادم ، وسوف يتوضّع على عدة مستويات منها :
1-
شنّ الجيش العربي السوري لهجوم واسع يمنع داعش من التمدد في سوريا ، ومحاصرتها حيث هي ، ومن ثم الشروع بهجوم قوي وسريع وحاسم إلى معاقلها في شرق – وشمال شرق سوريا . والتمدد الذي رأيناه خلال أيام في ريف حلب الشمالي لداعش ، وتبادل الأدوار بينها وبين النصرة والجبهة الاسلامية وتفرعاتهما ما هو إلا محاولة إنتحارية لمنع الجيش العربي السوري من تنفيذ هذا الهجوم ، وتشتيت قواه .

2- مؤازرة حلف المقاومة لسوريا في حربها المصيرية هذه ، وعلى كافة الصعد ؛ من التمسك الحرفي للمقاومة الفلسطينية بمطالبها المُحقة ، والثقيلة على كيان العدو في آن ، إلى المشاركة الفاعلة لحزب الله في سورية والعراق ، إلى موقف روسي – صيني في مجلس الأمن يمنع إزدواجية المعايير في المشروع البريطاني المقدم له لمحاربة داعش والحصول تفويض أممي للشروع بها ، إلى موقف روسيإيراني ضاغط على تركيا لضبط حدودها وتقدير المخاطر المقبلة عليها بسببهويبدو أن تركيا وصلتها هذه الطلبات ، وهو ما يفسر تصريح الأمين العام للناتو ، أندرس راسموسن ، عندما قال : إن الحلف سيتخذ كل الخطوات اللازمة للدفاع عن تركيا إذا تعرضت لتهديد من تنظيم داعش .
3
- إذا ما تمّ رفض الدخول في إستراتيجية موحدة لمحاربة الإرهاب ، وتحت غطاء أممي يضمن قانونيتها وشمولها ، من حق حلفاء سورية ؛ بل من واجبهم ، وعلى رأسهم الفدرالية الروسية ، مساعدة سورية بشكل علني وميداني ، في محاربة الإرهاب على أراضيها ، في الحدود التي تراها سورية مناسبة وضرورية .

* يقلل البعض من أهمية الخطر الداهم لهذه الجماعات الإرهابية على الغرب ، ويتناسى أن هؤلاء ما كانوا ليأتوا ليموتوا في المشرق العربي لولا وجود حملة تحريض واسعة في بيئاتهم ، والتي ستستمر بإنتاجهم ، وستنقلب عليهم في لحظة ما حتماً . مؤخراً ، حاولت السلطات الفرنسية الإتصال بسورية بعد أن صُدمت باكتشاف مخطط لعمليات تفجير إرهابية تطال أبرز معالمها السياحية . لذلك مثلاً ، توقّف الهجوم الديبلوماسي الفرنسي المتكرر على لسان وزير خارجيتها فابيوس تجاه القيادة السورية منذ مدة غير قصيرة . ويقال بأن أحد المسؤولين الامنيين الذي كان يعمل في السفارة الفرنسية في دمشق الى حين إقفالها ، حاول فتح قناة تواصل مع السلطات السورية من خلال المسؤولين الامنيين السوريين الذين كانوا على علاقة عمل معه ، للإستفادة من كنز المعلومات الذي تمتلكه سورية حول الشبكات الإرهابية وطرق عملها وتمويلها وتنقلهاالرسالة التي نقلها المسؤول الفرنسي تقول : لنُعد فتح قنوات التعاون الامني بين بلدينا كما كانت سابقاً . وجاء الجواب السوري صادماً : قد نقبل بعودة التنسيق الامني ولكن بعد اعادة فتح السفارة الفرنسية رسمياً وبكامل اعضائها ، وإلزام فرنسا دفع تعويضات بسبب مساندتها الحرب التي دمَّرت سوريا ، وإعتذار علني فرنسي من سورية وشعبها … وما زالت المحاولات الفرنسية ، والغربية عموماً ، مستمرة .

* ختاماً ، عندما سؤال ونستون تشرشل في أحد جلسات مجلس الوزراء ، عن سبب التراجع الهائل لحدود الأمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ، وكيف صارت اليوم تبيع مستوطناتها ومستعمراتها لأمريكا مقابل المال … ردّ عليهم : إسألوا وزير الخزانة ، لم يعد هناك من مال ننفقه على هذه الإمبراطورية . في الحقيقة ، إلى جانب نقص الأموال ، حاول تشرشل أن يُغفل عن قصد ، أن شعوب هذه المستعمرات قاومت إمبراطوريته ، وحاربت إستعماره … حتى أصبحت عبئاً عليها وعلى ميزانيتها . وما زال هناك بيننا من يعتقد بأن مشيئة أمريكا وأدواتها قدر منزل لا راد له ، وأن ما تريده سيكون … وكأن التاريخ يرسمه أمريكا وعملائها . بعد هزيمة كيان العدو في حرب 2006 ، وسقوط المشروع الأمريكي "لشرق أوسط جديد” ، قال الأسد كلمته المشهورة " أشباه الرجال " ، فأي عبارة سيقولها عندما يُسقط عند أبواب سورية ، أمريكا والغرب وأشباه الرجال ؟ ننتظرها بشوق .