إنهم يطأطئون رؤوسهم!
مازن حماد
بغضب وخيبة أمل، يتساءل الإسرائيليون عن الأسباب التي منعت يهود العالم من الخروج في مسيرات وتظاهرات تضامنية، تأييداً لعملية "الجرف الصامد” ضد قطاع غزة.
ربما يجدر بنا الاستنتاج أن حجب اليهود في العواصم والمدن الغربية، دعمهم للعدوان الإسرائيلي الصارخ، يعود إلى خجل عميق أحس به الكثيرون منهم بسبب الطبيعة غير الإنسانية للمسلك العسكري لدولة "إسرائيل” طوال الأسابيع الخمسة الماضية.
وإذا كانت الجاليات اليهودية في تلك المدن قد أظهرت في حروب ومحطات سابقة، إسناداً شارعياً للسياسات الإسرائيلية، فإن تعمد "إسرائيل” في الحرب الحالية الإفراط في قتل المدنيين وتدمير المساكن والمستشفيات والمصانع ودور العبادة والمدارس وشبكات الكهرباء والماء، كان عملاً ممنهجاً يصعب الدفاع عنه أو تبريره أو قبوله أو الافتخار به.
ويمكن القول إن اختفاء اليهود عن الساحات الغربية خلال الحرب قد يشكل بداية لفجوة، من شأنها أن تباعد بين الإسرائيليين وبين نظرائهم اليهود في الخارج، الذين كانوا يفضلون لو أن جيش "الدفاع” اتبع أسلوباً أقل استهدافاً للشعب الفلسطيني في غزة، الذي تشرد نصفه إلى الحدائق والشوارع والمدارس والأزقة دون طعام أو شراب أو دواء.
وعلاوة على ذلك فقد بثت الفضائيات من مشاهد الدم والدمار في غزة، ما تقشعر له الأبدان وما يتجلل بسببه جبين الإنسانية بالخزي والعار، وهو ما جعل يهود الشتات يطأطئون رؤوسهم ويسعون إلى النأي بأنفسهم عن الكارثة المهولة التي ألقتها "إسرائيل” على قطاع مكتظ بالناس، بدا على شاشات التلفزة وكأنه خرج لتوه من زلزال أسطوري.
وكما لاحظ كاتب إسرائيلي فإن ستة آلاف يهودي فقط من بين ستمائة ألف يعيشون في فرنسا، شاركوا في مهرجان يتيم داعم ل”إسرائيل” في باريس. أما في نيويورك التي يقطنها مليونا يهودي، فقد خرج ثمانية آلاف فقط في مسيرة تأييد للدولة العبرية.
خلاصة القول إن جرائم الإبادة التي ارتكبتها "إسرائيل” في قطاع غزة نفرت العالم ودفعت حتى الأنصار والأصدقاء إلى الابتعاد عن دائرة نتانياهو ويعالون وغانتس التي شكلت النواة الصلبة لعدوان همجي صدم الأمم والشعوب لفداحته وقسوته، ودفع المنظمات الدولية والحقوقية إلى المناداة بمحاسبة "إسرائيل” على جرائمها ضد الإنسانية وتحويل قادتها إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي.