kayhan.ir

رمز الخبر: 5164
تأريخ النشر : 2014August13 - 20:43

غزة: هل من بديل للحرب؟

د. ناجي صادق شراب

في حالة غير مسبوقة في أدبيات وتاريخ الحروب أن تشهد غزة ثلاث حروب في أقل من ست سنوات، والمفارقة في هذه الحروب والتي تعتبر مغايرة لأية حروب أخرى، أنها تتم بين "إسرائيل” كدولة ذات قوة كبيرة، وتملك من السلاح والتفوق التكنولوجي ما يكفي لتدمير غزة، وهو ما يحدث في كل حرب، وبين غزة وهي جزء صغير من فلسطين، لكن ما يميزه عدد سكانه وفقر موارده، وتحكم المقاومة وحركة حماس خاصة بقراره ومصيره، حتى مع وجود حكومة توافق أو مصالحة. والمفارقة الأخرى التي تحكم علاقة غزة ب”إسرائيل” تختلف بل وتتعارض مع أسس العلاقة التي تحكم السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير ب”إسرائيل” والتي تقوم على الاعتراف ونبذ العنف ومجموعة من الاتفاقات التي لم تلتزم بها "إسرائيل”، ولم تؤد لقيام الدولة الفلسطينية. إذن الأساس في هذه الحروب على غزة، أمران أساسيان هما: فشل المفاوضات، وعدم قيام الدولة الفلسطينية الكاملة والمستقلة، ولو أن هذه الدولة قامت وفقاً لاتفاقات أوسلو لتغير شكل العلاقة ب”إسرائيل”، ولما وصلنا لخيار الحرب المستمرة. والأمر الثاني وهو مرتبط بالأول، استمرار الاحتلال "الإسرائيلي”، واستمرار الاستيطان على الأراضي الفلسطينية، ما أوصل الفلسطينيين إلى حالة من الإحباط السياسي، وانسداد أفق الحياة، وهذا الإحباط أفسح المجال أمام تنامي القوى الرافضة لأي خيار سياسي، والتمسك بخيار المقاومة المسلحة. وقد تناسى الاحتلال أن الأرض الفلسطينية واحدة، والمقاومة واحدة لا تتجزأ، والشعب الفلسطيني واحد لا يمكن تجزئته. مهما تنامت قوى اليمين، وقوى الاستيطان، ومهما زاد دور المؤسسة العسكرية في "إسرائيل” بقرار الحرب، وتفضيله على خيار التسوية والسلام، ولذلك بقي خيار المواجهة العسكرية التي تعبر عن نفسها في نموذج الحرب الدورية كل ثلاث وأربع سنوات.

وقد أدت حالة الانقسام السياسي إلى فرض حالة من الحصار الشامل غير المبررة وغير الشرعية على غزة، وعدم انسياب أو انتظام فتح معبر رفح، وهو الوحيد الذي يربط غزة بالعالم الخارجي، وهنا تبرز بعض مظاهر العقدة السياسية والعسكرية التي تحكم صنع القرار السياسي في غزة، وهو القرار الذي باتت تحكمه اعتبارات ومؤثرات غير فلسطينية، فمن جهة تحكمه علاقة حركة حماس بمصر، وعلاقة حماس بالقوى الإقليمية والدولية، وارتباطها بحركة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، هذه العلاقة المتشابكة والمتنافرة هي التي قد تفسر لنا في أحد أهم جوانبها الحالة في غزة، واستمرار خيار الحرب. فعندما نشبت الحرب الثانية في عهد حكم الإخوان كانت العلاقة جيدة مع مصر، ما ساعد على وقف الحرب وقتها بعد أسبوع، وتوقيع اتفاق 2012 الذي لم تلتزم به "إسرائيل” التي تتعامل مع غزة من منظور أمني بحت، على اعتبار غزة منطقة أمن أولى ل”إسرائيل”، وأي تطور لقدرات المقاومة الصاروخية لا بد أن تواجهه "إسرائيل” بشن حرب جديدة كل فترة زمنية تفوق قدرات غزة الحياتية، ويدفع ثمنها المليونا نسمة الذين يبحثون عن حياة كريمة. هذه الحرب جاءت في سياق معادلة سياسية معقدة لا تعمل في مصلحة أي حرب على غزة، وفي إمكانية الوصول إلى أي اتفاق، فمن ناحية هناك توتر في العلاقات بين مصر وقطر وتركيا في أعقاب خسارة حكم الإخوان في مصر، واعتبارهم تنظيماً إرهابياً، ومن ناحية أخرى توتر العلاقة إلى درجة التأزم وعدم التفاهم بين حماس ومصر، يقابلها علاقات متميزة بين حماس وقطر وتركيا، وكانت نتيجة ذلك الحتمية رفض المبادرة المصرية لوقف العدوان "الإسرائيلي”، ولا أحد يجادل في شرعية المطالب التي تطالب بها المقاومة الفلسطينية بعد حرب دفع ثمنها الشعب الفلسطيني في غزة من حياة أطفاله ومسنيه وتدمير منازله، وتشريد أهله في عملية نزوح تذكّرنا بنزوح 1948، لكن هذه المرة إلى أين؟ إلى داخل غزة المعرّض كله لنيران "إسرائيل”، ولم توجد إلا المدارس لاستيعابهم في حالة تفتقر لكل معايير الآدمية الإنسانية، بعد أن فقدت غزة الحضن العربي والإسلامي والإنساني.

وهذا التعقيد السياسي يدفع ثمنه الشعب، ويجعل القرار السياسي الفلسطيني وقرار المقاومة يخضع لمؤثرات وحسابات إقليمية ينبغي أن نتحرر منها، ولا مجال هنا للمقارنة بين دور مصر ودور قطر وتركيا، ولا أحد ينكر الدور التكاملي لهذه القوى لكن كيف؟

لا أحد يتجاهل أن القدرية التي تحكم علاقة مصر بغزة تفرض علينا مراجعة لهذه العلاقة، بما يخدم المصلحة الفلسطينية، وفي مقدمتها قرار المقاومة أيضاً الذي يحتاج للمراجعة بعد الحرب بما يخدم المصلحة الفلسطينية، ويتوافق مع المعطيات الجديدة التي ستفرزها الحرب. المهم في كل هذا التوضيح الوصول إلى ما نهدف إليه وهو السؤال المشروع: هل من حرب قادمة؟ وهل من مخرج لوضع حد لخيار الحرب المتجددة على غزة؟ وما السيناريوهات الممكنة مع التسليم بثبات المتغيرات التي تحكم الواقع السياسي في غزة، ومن هذه المتغيرات الثابتة قوة المقاومة واستمرارها، وتحكمها في قرار غزة حتى مع وجود حكومة مصالحة؟ وقبل استعراض هذه السيناريوهات لا بد من التأكيد أن قرار الحرب لن يحل مشكلة العلاقة بين غزة و”إسرائيل”، ولن يحل مشكلة العلاقة مع السلطة الفلسطينية وعلاقات غزة الخارجية، وخصوصاً العلاقة مع مصر التي تحكمها القدرية والحتمية الجغرافية والأمنية، فضلاً عن أن "إسرائيل” لن تنجح مهما كانت قوتها في استئصال قوة المقاومة، ولا المقاومة ستكون قادرة على تحرير الأرض الفلسطينية من غزة، ولا خيار الحرب هو الخيار الوحيد. وهذا يتطلب البحث في الجذور وليس في الأعراض.

captcha