فلاديمير بوتين ومواجهة الصلف الأمريكي
د. كاظم ناصر
* بعد حوالي خمسة وسبعين عاما على قيام ” إتحاد الجمهوريات السوفيتية الإشتراكية ” ومعاداته ومحاصرته ومقاطعته إقتصاديا ، تمكّن الغرب الرأسمالي بقيادة أمريكا من الخلاص من هذه الدولة العظمى التي قادت النظام الإشتراكي ، ووقفت إلى جانب الدول النامية في ثوراتها ضدّ الاستعمار والتبعيّة الغربيّة ، وتقاسمت النفوذ على العالم مع أمريكا . لقد تفكّك الإتحاد السوفيتي في 26 – 12 – 1991 بعد إصدار مجلس السوفييت الأعلى الإعلان رقم ه- 142 الذي أعلن فيه عن الإعتراف باستقلال الجمهوريات السوفيتية السابقة التي تكوّن منها الإتحاد .
* لقد حدث هذا رسميّا في 25- 12- 1991 عندما أعلن ميخائيل غورباتشوف إستقالته من رئاسة الإتحاد السوفيتي في كلمة متلفزة وغادر بعد ذلك مبنى الكرملين ، وتمّ إنزال علم الإتحاد السوفيتي الأحمر عن المبنى للمرة الأخيرة في التاريخ ، ورفع محلّه علم روسيا الإتحادية .
* الغرب الرأسمالي أغدق شعوب الإتحاد السوفيتي بوعوده أنه سيساعدهم إقتصاديا خلال مرحلة إنتقالهم من النظام الإشتراكي الموجه إلى النظام الإقتصادي الحر . لكن النتيجة كانت مخيّبة لآمال الروس . لقد خدعهم الغرب كما خدع غيرهم في مناطق كثيرة من العالم ، فقوّض إتّحادهم القوي ، وتخلّى عنهم وتركهم يواجهون ظروفا إقتصاديّة صعبة ، وقزّمهم وأنهى دورهم القيادي على الساحة الدولية ، وأصبحت أمريكا الدولة العظمى الوحيدة في العالم .
* لقد عانت روسيا الإتحادية من مشاكل سياسية وإقتصادية خلال المرحلة الإنتقاليّة التي مرت بها بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي ، خاصة خلال فترة حكم بوريس يالتسين أول رئيس منتخب لروسيا الإتحادية . كان يالتسين متهوّرا فتم خلال فترة رئاسته تراجع في دور روسيا القيادي على الصعيد الدولي ، وتمّت خصخصة صناعاتها التي كانت تملكها وتديرها الدولة ، وانخفض إنتاجها الصناعي والزراعي بشكل كبير ، وواجهت تضخما إقتصاديا مهلكا أطاح بالقيمة الشرائية للروبل الروسي الذي إنخفض سعره من من حوالي أربع روبلات إلى ألفين روبل مقابل الدولار الأمريكي ، فعم الفقر ، وزادت معدّلات البطالة ، واستشرى الفساد ، وارتفعت نسبة الجريمة بشكل مخيف .
* لقد تغيّر العالم منذ تفكّك الإتحاد السوفيتي فظهرت الصين ، والإتحاد الأوروبي ، وروسيا الإتحادية كدول عظمى منافسة للهيمنة الأمريكية ولها شأنها على الساحة الدولية . لكن التطوّر الأهم هو إستعادة روسيا لدورها كقوّة سياسية وعسكرية واقتصادية كبرى بقيادة فلاديمير بوتين ، الرجل القوي الذي نجح في في إعادة روسيا بقوة إلى المسرح السياسي الدولي كمنافس قويّ لأمريكا ومتحدّ عنيد لممارساتها الرامية إلى فرض سيطرتها على العالم .
* إن نجاح روسيا في فصل جزر القرم عن أوكرانيا وضمّها إليها بعد الإستفتاء الذي جرى عام 2014 ، واعتبارها مقاطعة روسية كان تحدّيا واضحا لأمريكا وحلفائها ، ونصرا كبيرا لروسيا لأن العالم الغربي وعلى الرغم من معارضته لما حدث وفرضه عقوبات إقتصادية ضدّها فإنه لم يتمكّن من استعادة الجزر ، وبقيت وستظل جزأ من دولة روسيا الإتحادية .
* والتدخل الآخر الذي قوّى الموقف الروسي عالميّا هوتحدّي روسيا للعالم الغربي وتدخلها المباشر في أزمات الشرق الأوسط وبالذات في سورية . لا شك بأن أحد أهم أهداف أمريكا والغرب كان إسقاط النظام السوري وإستبداله بنظام يقيم سلاما مع إسرائيل ، ويحدّ من النفوذ الإيراني في المنطقة ، ثم يتجه لتطويق حزب الله ويحاول إنهائه ، وفي النهاية يساهم في تصفية القضية الفلسطينية وفرض الحل الذي تريده إسرائيل وأمريكا على الفلسطينيين والعرب .
* التدخل الروسي على ما يبدو أفشل هذا المخطط بقوة السلاح خاصة بعد السيطرة على حلب الذي فرض واقعا جديدا في سورية مفاده أن سورية لن تتفكك ولن تنهار ، وستظل موحّدة ، وإن الشعب السوري هو الذي سيقرّر من يحكمه وليس الولايات المتحدة وإسرائيل ومن تحالف معهما من عرب ومسلمين .
* أما التحدي الروسي الثالث للغطرسة الأمريكية فيتمثّل في تعزيز وتقوية الشراكة الروسية الصينيّة على جميع الأصعدة ، وتطوير العلاقات التجارية والعسكرية والصناعية مع إيران ومصر والهند ، وبيع أسلحة لدول الخليج ، وإزدياد النفوذ السياسي والإقتصادي الروسي في إفريقيا وبعض دول أمريكا اللاتينية .
* يبدوا أن الرئيس الروسي بوتين الذي كان رئيسا لوكالة الإستخبارات السوفيتية ” كي جي بي ” والذي يفهم الغرب وأطماعه ومناوراته جيدا ، يريد أن يأخذ بثأره من هذا الغرب الذي كان السبب في إنهيار الإمبراطورية السوفيتية ، والذي حاول إذلال روسيا والهيمنة عليها بعد أن تخلّصت من نظامها الإشتراكي .
* فهل ينجح بوتين في لوي الذراع الأمريكية بإقامة نظام عالمي جديد متعدّد الأقطاب يجردّ أمريكا من إمتيازاتها التي تمتّعت بها في عالم القطب الواحد ، ويعيد لروسيا دورها كدولة عظمى ثانية ، ويخلق وضعا عالميا جديدا أفضل ؟ نحن العرب نتمنى ذلك لأن هكذا تطور سيخدم قضايانا وقد يساعدنا في محاولاتنا المستقبلية للتخلّص من النفوذ الغربي في المنطقة وفي تصدّينا لإسرائيل !