التعويل على تركيا مجازفة
يذهب الكثير من المراقبين الى ان ما صرح به رئيس الوزراء التركي علي بن يلدريم مؤخرا بانه "لا يمكن ان تكون تركيا في امان ما لم يتحقق الاستقرار في سوريا والعراق"، يعتبر تحولا جذريا في السياسة التركية اذا ما صدقت النوايا وتعاملت بجد مع هذه القضية لان من زعزع الاستقرار في هذين البلدين اساسا لتحقيق احلام الامبراطورية العثمانية الجديدة هي تركيا عبر دعمها لداعش والمجموعات التي اوجدتها مثل جبهة "النصرة" و"الزنكي" والتركستاني"، واستقم كما أمرت" وغيرها وبما ان اليوم انقلب السحر على الساحر وبدأت تركيا تستشعر بخطر الارهاب مما واجهته من عمليات ارهابية ضربتها في العمق لم يبق خيار امامها سوى التراجع لمواجهتها عبر انهاء التوتر مع دول الجوار. فعقب الاتصال الهاتفي الذي اجراه مؤخرا الرئيس اردوغان برئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، سيقوم اليوم الخميس علي بن يلدريم رئيس الوزراء التركي بزيارة الى بغداد بهدف انهاء التوتر مع العراق حسب قوله لكن دون ان يشير الى قضية تواجد القوات التركية في بعشيقة قرب الموصل والتي يطالب العراق باستمرار بسحبها دون جدوى.
ومنذ دخول القوات التركية الى بعشيقة في تشرين الثاني عام 2015 م شهدت العلاقات العراقية التركية توترا حادا بين الطرفين حيث اعتبرت بغداد ذلك عدوانا وتجاوزا على السيادة العراقية وطالبت انقرة بسحب هذه القوات فورا لكن تركيا منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم تماطل وتتذرع بامور واهية للتملص من ذلك، لكن اصرار بغداد حشرتها في الزاوية الحرجة وقبيل وصول علي بن يلدريم الى العاصمة العراقية بدأت الاصوات العراقية الرسمية والشعبية والبرلمانية تتعالى مطالبة رئيس الوزراء حيدر العبادي للضغط على تركيا لسحب قواتها من العراق فورا.
ومما لا شك فيه ان تركيا تمر اليوم بازمات خانقة وفي وضع لا يحسد عليه بسبب سياستها الخاطئة داخليا وخارجيا خاصة بعد الانقلاب العسكري الفاشل التي جرت عليها الويلات والكوارث ولازال الوضع الداخلي هشا مما اضطرت بالامس وعبر برلمانها تمديد حالة الطوارئ التي فرضت قبل ستة اشهر في تركيا تمديده الى ثلاثة اشهر اخرى خاصة وانها استفتحت العام 2017 بهجوم ارهابي شرس استهدف ملهى ليلي باسطنبول كان اكثر ضحاياه من السياح العرب والاجانب وهذه في الواقع ضربة موجعة لجزء من اقتصاد البلد الذي يعاني اساسا تدهورا حادا نتيجة للسياسات التأزيمية التي اتبعها الرئيس اردوغان واوصلت تركيا الى حالة من الانهيار.
على القيادة العراقية التي تقف على ارض صلبة خاصة بعد سلسلة انتصاراتها المتوالية على داعش ان تنهي ملف بعشيقة من موقع القوة ولا تسمح للجانب التركي الذي هو اليوم الجانب الاضعف في هذه الحلقة المناورة وشراء الوقت لان تجربة تركيا الحالية في سوريا غير مشجعة مع انها الطرف المهزوم وهي الاكثر تضررا فيها الا انها لازالت تناور ولم تضغط بما فيه الكفاية على المجموعات الارهابية التي هي من اوجدتها لدرجة ان تقوم هذه المجموعات وخاصة "النصرة" بقطع الماء الشريان الحياتي للناس عن دمشق وحلب دون ان تحرك ساكنا في وقت تعد هذه القضية جريمة انسانية مروعة وكبرى يجب التصدي لها فورا الا اننا نجدها تناور وتطلب من ايران الضغط على الحكومة السورية بعدم التعرض لهذه الاطراف الاجرامية التي تحارب الشعب السوري في معيشته.
لذلك على بغداد توخي الحذر والحيطة كثيرا لانه لم يمكن الاعتماد على وعود الجانب التركي الذي نراه اليوم يراوغ في الساحة السورية مع انه الجانب الذي تعهد على الزام للمجموعات المسلحة السورية باحترام قرار وقف اطلاق النار في كافة ربوعها.