kayhan.ir

رمز الخبر: 49446
تأريخ النشر : 2016December11 - 20:08

ممالك الخليج الفارسي.. ميراث الاستعمار، وأطماع الحاكمين


السيد شبل

يتجادل كثيرون حول أزمة ممالك الخليج الفارسي ، في ضوء السياسات التي يمارسها حكامها (أمراء ومشايخ وملوك..)، لكن يبدو وكأن ثمة اتفاقاً –غير مرئي- بين المتجادلين، ينص على إغفال منشأ الأزمة، الذي يمكن مجاراة "شهوة" الاختصار، وتلخيصه في أمرين، 1) محتل بريطاني قديم فتت وقسّم، 2) أمراء صغار الوزن محكومون بأطماعهم في الثروة والسلطة، أعجبهم التقسيم لأنه يمنح كل واحد قطعة من "التورتة" يتداولها هو ونسله.

تلك هي القصة، ولا يمكن لعاقل أن يتوقع، على سبيل المثال، موقفا تتقاطع حروفه مع حروف كلمات مثل (الكرامة والاستقلال والمبدئية..) من سلطة عائلة تحاول تحصين حكمها على جزيرة مثل البحرين، مساحتها أقل من 800 كم2، يعني قريبة من مساحة مدينة العريش المصرية، التي هي واحدة من 6 مدن تشكل محافظة شمال سيناء التي هي تقريبًا نصف مساحة شبه الجزيرة الكلية، التي هي بالنهاية 6 بالمئة من مساحة مصر. هل تتصور حجم الضآلة الجغرافية؟!.

هذا هو منبت الحكاية، من هناك حين بدأ بيرسي كوكس وجون فليبي، الإنجليزيان، في رسم الخرائط وهندسة المنطقة، وطحنت آلة الامبراطورية القبائل المتمردة، وأفسحت الطريق أمام الأخرى المطيعة، أو ليّنت بعض المناكفين، باختصار باركت أولئك الراغبين في الحكم، ومن عندها تجمدت البلاد، وارتضت "اللاحداثة"، وتم إجهاض أي محاولة لزحزحتها من رتابتها وتثويرها، بكل عنف، مثلما وقع في حق رجال وسيدات ثورة ظفار، التي تعرضت لضربات متتالية من ثلاث جهات (حكام عُمان، والاستعمار البريطاني، وإيران الشاه) تلك الثورة المنسية (من 65 حتى 75) حتى عند مؤرخي الثورات العربية "الثورات الحقيقية"!.

استعمار ومتسلطون

مخطىء جدا من يجاري الإعلام المموّل خليجيًا، وهو لم يعد محليًا فقط، فيقفز بخفة نحو سردية شديدة السذاجة ترى الخليج الفارسي واحداً. الحقيقة أن العكس هو الصحيح، ولا نعني فقط موقف حكام السلطنة (عُمان) الذين يبدون مفارقين للجماعة في تحالفاتهم الإقليمية، ومواقفهم السياسية، بل نعني حتى على مستوى بنية الحكم ذاتها.

الحقيقة أن جزءا معتبرا من عمالة ودوران هؤلاء "القادة" في فلك الأوروأمريكي، مبني بالأساس على هلعهم من بعضهم البعض (آل ثاني يخشون جيرانهم، وآل نهيان يخافون من أن تبتلعهم السعودية يومًا، لذا ينافقون تارة، ويناورن، إن سمحت الظروف، أحيانًا.. حتى حماتهم هم من "شركات الأمن الأجنبية -البلاك ووترز، مثلا-" لأنهم يخشون تأسيس جيش من السكان يتأثر يومًا بفتاوى الوهابية حليفة آل سعود).

من المفيد هنا ذكر، حقل الشيبة وخور العديد (وهي بعض من مناطق حدودية خلافية بين الإمارات والسعودية) وكذلك "الفيتو" السعودي الذي يعطل جسر الإمارات مع قطر بذريعة أنه يمر فوق المياه الإقليمية للسعودية، بينما الحقيقة أن ملوك الرياض يخشون وحدة أو تلاقي بين الفرقاء لا يمر من حدوهم التي تطل في هذه القطة كـ"نتوء"!، وكذلك الخلافات الحدودية بين آل ثاني وآل خليفة حول جزر (حور وفشت ديبل) وصل إلى محكمة العدل الدولية في "لاهاي"!.

عندما نسمع، حاليًا، بالتزامن مع الاختراقات الغربية التي لوّنت الحراك الجماهيري في الشارع العربي وحرفت طريقها ووظفتها وساقتها إلى المؤامرة، ماذا نعني بالمؤامرة؟ أليس تقسيم الأقطار الوطنية العربية -المقسّمة أصلًا- إلى كانتونات صغيرة متحاربة ومتطاحنة، ويضمن الخارج الغربي الطامع في الهمينة من خلال هذه الصيغة ولاء الكل له؟ إليك الضفة الغربية من الخليج الفارسي ، هذا نتاج مخطط خارجي قديم، باختصار.

اللطيف جدًا أن حضور رئيسة وزراء بريطانيا "تيريزا ماي" قمة التعاون الخليجي يوم 7 ديسمبر 2016، قد أثار عالم "السوشال ميديا"، خاصة تصريحاتها التي بان منها تصعيد في التحالف بين بريطانيا والخليج الفارسي ، وأن ثمة محاولات لتوسيع العلاقة هناك، وحديث عن توظيف للمال الخليجي في لندن، وعزف على موجة العداء لإيران؛ لكن اللطيف، أو على الأصح، العجيب، أن افتتاح القاعدة البريطانية بحضور الأمير تشارلز في أكتوبر الماضي، مر مرور الكرام (كأن أفعال حكام هذه المنطقة، لم تعد تستوقف أحد، لاعتياد السيئ منهم!!)، حتى أن تخفيف السلطات البحرينية للمسألة بوصف القاعدة بأنها مجرد "مرافق تسهيلات إسناد للبحرية البريطانية" بدا وكأنه بلا داعٍ، لانتفاء الناقدين أصلا.. لكن ماذا عن القاعدة الأمريكية الكبيرة: موطن القيادة المركزية للقوات البحرية والأسطول الخامس الأمريكي، الموجودة منذ السبعنيات، والتي شهدت تطورات متتالية منذ منتصف التسعينات، والتي انطلقت منها عملية احتلال العراق وقبلها افغانستان؟!.. هل من سائل عنها؟!.. عندما نبدأ في طرح مثل هذا السؤال، نكون قد فهمنا ما هو مفتاح علاج أزمة الخليج الفارسي ، لأن العلاج الصحيح يبدأ بالتشخيص السليم.

هو أقرب الى تهديد العاجز، لكن تهديد العاجز يُمكن أن يتحوّل إلى مُغامرة اليائس؛ من هنا التحسّب لما يُمكن أن يُقدِم عليه من مُغامرات في الربع ساعة الأخير مع استبعاد ذلك لأنه سيعني تفجير الصراع العسكري مع روسيا ومع إيران ومخاطر ذلك على وحدة تركيا نفسها. ومع أن هذا المحور قد سقط أكثر من مرة في حبائل وخدائع اردوغان، ومن أبرزها السماح له بدخول جرابلس والأراضي السورية، فإن الحكمة تقتضي تعميق مأزق السلطان لا تقديم هدايا درءا لمغامرات مجنونة قد يلجأ إليها. فإذا كان اردوغان يُريد تغيير مواثيق دولية عمرها مئة عام مثل لوزان، ويرتكز على ما كان قبلها من وضع لكي يقتطع أجزاء من سوريا والعراق، فإن أي تنازل، مهما كان صغيراً في سوريا والعراق في هذه المرحلة أو لاحقاً، سيُؤسّس عليه النظام التركي من أجل تثبيت واقع يرتكز عليه في المستقبل لاعتبار هذا الواقع "حقاً تاريخياً” له. المطلوب شيء واحد خارج أي تنازل: انسحاب الجيش التركي، سلماً أو حرباً، من الأراضي التي احتلّها في سوريا وفي العراق ومن دون قيد أو شرط خارج أي اتفاق غير واضح أو قابل للتأويل والتفسير كما يفعل اردوغان الآن مع اتفاقية لوزان في العام 1923 ومع اتفاق أنقرة حول الموصل في العام 1926 أو ما يُحكى عن ملاحق سريّة لاتفاق أضنة عام 1998. فالذي لم يُعْطَ إياه في ذروة إشهار سيفه على رأس هذا المحور، لا يجوز أن يُعطى له في وقت فُقِئَت فيه عين الغازي عند أسوار حلب وعلى مقربة من مرج دابق.