kayhan.ir

رمز الخبر: 48510
تأريخ النشر : 2016November21 - 19:21

بوتين يعلن انتهاء الهدنة.. وبدء عمليات التحرير الكبرى

أحمد الشرقاوي

يبدو أن اتصال بوتين بترامب الذي جرى الإثنين أعطى أكله في مجال محاربة الإرهاب الذي يعتبره الوافد الجديد للبيت الأبيض على رأس أولويات سياسته الأمنية، ويمثل بالنسبة لروسيا الأرضية المشتركة التي على أساسها سيتم تعزيز التعاون بين البلدين في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية انسجاما مع رؤية ترامب لتحقيق الأمن والسلام في المنطقة والعالم.

وعلى ضوء هذه المشاورات، أغلق باب الهدنة الذي استمر مفتوحا لثلاثة أسابيع لم تستفد منه "جبهة الشام” والجماعات بسبب الأوامر الخارجية لهم بالصمود والدعم التركي المتواصل، وأعطى بوتين لوزير دفاعه توجيهات بالبدء بعمليات التحرير الكبرى في حلب وإدلب أولا..

وها هي المحرقة تنطلق برغم محاولة الجماعات التكفيرية المتكررة لتعطيلها من خلال اللجوء إلى سلاح المقاتل اليائس الذي فقد صبره وعقله واستخدم الكيماوي كخيار أخير لفك الحصار عن حلب الشرقية، وهو السلاح الذي تأكد أن تركيا هي من زودت به المقاتلين في حلب.

وواضح أن هدف تركيا هو إشغال الجيش العربي السوري وتأخيره عن التقدم نحو تحرير حلب الشرقية لتتمكن قوات "درع الفرات” المدعومة من تركيا من التقدم في الميدان لاحتلال مدينة الباب بتنسيق مع الأمريكي، ومن ثم منبج والتوجه بعد ذلك إلى الرقة التي أكدت المعلومات أن هناك اتفاقا بين قيادة التحالف الأمريكي وتركيا لتتولى الأخيرة تحرير المدينة من "داعش” بدل "قوات سورية الديمقراطية” التي راهنت على الوهم فأضاعت البوصلة وخسرت نفسها ومستقبلها السياسي.

وبالرغم من هذا التنسيق الظاهر على السطح، إلا أن هناك خلافات جوهرية في الباطن بين أمريكا وتركيا حول إدارة المعارك في الشمال السوري والعراقي، تجاوزت مسألة الأكراد لتنصب على من يدير الجماعات الإرهابية ويتحكم بها لكسب أوراق سياسية على الأرض، وفي هذا، لتركيا حساباتها التي تختلف عن الحسابات الأمريكية، خصوصا بعد أن فقدت أنقرة الثقة في واشنطن وأوروبا بعد الانقلاب الفاشل، وأصبحت تعمل لحسابها ومصالحها ودورها في المنطقة أكثر من أي وقت مضى، بعد أن أدركت أن لا مستقبل لها في أوروبا، وأن أمريكا لا عهد ولا أصدقاء لها سوى مصالحها، وأن الصراع على النفوذ في سورية والعراق هو صراع من أجل أن تكون تركيا أو لا تكون في المشهد الإقليمي القادم.

غير أن المعلومات تتحدث عن حشد كبير للجيش العربي السوري وحلفائه جنوب مدينة الباب استعدادا لاقتحامها بموازاة معركة حلب الكبرى، كي لا تسمح لتركيا بالسيطرة عليها واستغلالها كورقة ضغط في المفاوضات السياسية حين يحل أوانها.. وهناك توجس كبير من أن يؤدي أي احتكاك بين الجيش العربي السوري والأتراك إلى حرب إقليمية طاحنة قد تنهي الأطماع التركية في المنطقة العربية وتفجرها من الداخل لتعيدها إلى حجم أقل بكثير من حجمها الطبيعي الذي كانت عليه قبل الربيع العربي، خصوصا وأن السيد العبادي سبق وأعلن أن هناك تنسيق رسمي سروي عراقي بشأن الحدود ومواجهة التدخل الخارجي.

"جبهة فتح الشام” أو (النصرة) كانت في صورة ما يطبخ في الكواليس الأمريكية، وما من شك أنها تلقت معلومات مؤكدة من أمريكا بقرب انطلاق معركة حلب الكبرى، الأمر الذي دفعها من يأسها لإطلاق نداء استغاثة بثه الإرهابي السعودي "المحيسني” لجلب المناصرين المكبوتين جنسيا مبشرا إياهم بأن الحور العين قد تزيّنت وتنتظرهم في الجنة، وفي نفس الوقت قام بتعميم إعلان على الإرهابيين يطالبهم بأخذ الحيطة والحذر تخوفا من انطلاق أوسع هجوم للجيش العربي السوري وحلفائه في حلب، خصوصا بعد أن فشلت كل محاولات شن هجمات استباقية من أجل فك الطوق عن المنطقة الشرقية للمدينة.

وكانت وزارة الدفاع الروسية قد أعلنت نهاية الأسبوع المنصرم أن قواتها بدأت في تلقيم طائراتها الجوفضائية الاستراتيجية بالصواريخ المضاضة للطائرات والصواريخ المجنحة المخصصة لاستهداف تجمعات الإرهابيين ومخازن أسلحتهم، وأنهت تدريبا لطياريها المرابطين على حاملة طائراتها، وأعلنت حالة الاستنفار في أسطولها الحربي على الشواطئ السورية تحسبا لانطلاق معركة تطهير سورية من الإرهاب، وكان لافتا وصول مقاتلات (ميغ 31) المتطورة لأول مرة إلى مطار حميميم.

كما كان لافتا أيضا إعلان القيادة العسكرية الروسية حاجة طائراتها الاستراتيجية لقاعدة همدان العسكرية الإيرانية، وأن محادثات جديدة لاستخدام هذا الميناء الجوي في الحرب على الإرهاب ستنطلق قريبا مع طهران، لتعطي للعملية غطاءً شرعيا لا يثير الجدل داخل البرلمان كما حصل في المرة السابقة.

هذه المعطيات تؤكد أن حربا حقيقية على الإرهاب قد بدأت، وأن روسيا تسلحت بما يلزم من غطاء سياسي وحضرت كل ما هو متطلب من الناحية العسكرية والتكنولوجية لتنهي الإرهاب في سورية بعد أن وفرت للمسلحين العديد من الفرص للخروج الآمن من التجمعات السكانية بضمانات سورية، ولم يعد مقبولا السماح للتكفيرين العبث بحياة المدنيين الآمنين لتجنب انتقادات الغرب لروسيا بارتكاب جرائم حرب في سورية.

الوضع اليوم تغير بالكامل، وإدارة أوباما لم يعد بمقدورها فعل شيء يذكر لعرقلة أهداف روسيا في سورية بغرض استنزافها كما كانت تخطط لذلك بمعية أدواتها، خصوصا بعد نجاح ترامب الذي قلب معادلات السياسة الدولية رأسا على عقب، وتحول الصراع من مواجهة باردة بين الغرب وروسيا إلى مواجهة سياسية حادة بين ترامب وأوروبا، وخصوصا بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وهي الدول التي لا تزال تراهن على الوهم وترفض التخلي عن هدف إسقاط الرئيس الأسد.

وفي ما طالبت وزيرة الدفاع الألمانية ترامب بأن يختار بين روسيا والناتو، قرر الرجل أن يختار روسيا ويضحي بالناتو..

وفيما تسعى بريطانيا التي تتعاطى في السياسة مع شؤون المنطقة بعقلية استعمارية خبيثة لإرسال وزير خارجيتها بهدف إقناع الوافد الجديد للبيت الأبيض بضرورة التمسك بإسقاط الأسد من أجل أمن "إسرائيل”، قرر ترامب عدم محاربة الأسد لأنه رئيس قوي يحارب الإرهاب..

وفي انقلاب أدخل الرعب في قلوب الصهاينة، ها هو ترامب يغير الاتجاه ويعلن عن عزمه عقد سلام بين الفلسطينيين و”الإسرائيليين”، فتبخرت أوهام أقطاب اليمين الصهيوني المتطرف ورهانه على نهاية الدولة الفلسطينية وتكثيف وثيرة الاستيطان في القدس والضفة الغربية، الأمر الذي اعتبره محللون صهاينة كابوسا سيجلب المصائب لـ”الدولة اليهودية”، وبدأ الحديث عن ضرورة توجه تل أبيب نحو موسكو لتمتين العلاقات معها بدل أمريكا التي لا يمكن الوثوق بها، وبدأ بعض الباحثين اليهود ينبشون في جذور ترامب الألمانية علهم يجدون شعرة مخفية تربطه بالنازية ومعاداة السامية لمهاجمته.

أما الرئيس أوباما الذي استفاق من دوخته واستعاد وعيه، فقد خيب ظن حلفائه الأوروبيين حين صرح الإثنين أن القيام بعملية عسكرية في سورية أمر مستحيل من دون تفويض دولي، لأن من شأن هكذا مغامرة أن تقود إلى مواجهة مباشرة مع الدب الروسي العنيد، وهذا ما لا يستطيع تحمله العالم في الظروف الراهنة، وأن التركيز يجب أن يكون على الحل السياسي.. والحل السياسي الذي يتحدث عنه أوباما هو الذي تعمل تركيا على رسم خارطته في الشمال السوري ليتسنى لواشنطن ابتزاز روسيا.. لكن لسوء حظ أوباما وأردوغان معا، فقد فات الأوان وانتهت لعبة "البوكر” الأمريكية في سورية لتبدأ لعبة "الروليت الروسية”.

فجأة خرج وزير الحرب الأمريكي آشتون كارتر الاثنين ليعلن أن روسيا لم تعد عدو الولايات المتحدة الأولى، بل تراجعت إلى الدرجة الخامسة، وأن الإرهاب وإيران وكوريا الشمالية والصين هم على رأس قائمة أعداء الولايات المتحدة.. هذا الكلام كان يتوقعه الحلفاء في أوروبا، بدليل أن رئيس المفوضية الأوربية أعلن صراحة أن لا مفر اليوم من أن تؤسس القارة الأوروبية جيشا خاصا بها للدفاع عن نفسها من الخطر المحدق القادم من روسيا، متناسيا أن ألمانيا هي من طبخت الانقلاب النازي في أوكرانيا وحولت روسيا إلى فزاعة تهدد أمن أوروبا والعالم، وأقنعت أمريكيا بتصنيفها كعدو على رأس أويات حلف الناتو الذي أعلن ترامب أنه لم يعد مجديا وأن بلاده لن تستمر في تمويله.

وتحسبا لما قد يخبئه المشهد القادم من مفاجآت، وخصوصا بعد إعلان ترامب أن الصين تعتبر عدوا اعتصب بلاده اقتصاديا، ها هي بيجين تسارع إلى إحياء خط الحرير القديم ويزور وزير دفاعها على رأس وفد رفيع المستوى طهران ليعقد معها تحالفا استراتيجيا عسكريا واقتصاديا، وبذلك يكتمل مثلث القوة الجبارة (روسيا – الصين – إيران) لمواجهة أي احتمال من شأنه تغيير المعادلات السياسية والاقتصادية والعسكرية في منطقة شرق آسيا والشرق الأوسط، ويعتقد أن الهند ستنضم إلى هذا التحالف قريبا، عملا بمقولة "إذا أردت السلام فاستعد للحرب”..

وبذلك سينتهي العالم الغربي القديم ليبدأ عهد العالم الشرقي الجديد.. وها هي أمريكا وأوروبا الذين زرعوا الفوضى الخلاقة في المنطقة بدعوى تصدير الديمقراطية يحصدون العاصفة التي انتقلت إلى عقر ديارهم وتهدد بنهاية عصر العولمة وبداية عصر الدول القومية المنغلقة على نفسها، وقد تشهد هذه الدول انفجارات شعبية وتوترات عرقية كارثية لن يكون بمقدور الطبقة السياسية التقليدية تجنبها بعد أن وصلت رهاناتها إلى حائط مسدود.. وهذه سنة الله في التاريخ التي بدأت تجلياتها في الظهور بوضوح، مكذبة نظريات صراع الحضارات ونهاية التاريخ والإنسان الغربي الأخير.

الأحداث تتسارع، والسياسات تتغير، تحالفات تموت وأخرى تولد، والمشهد في المنطقة والعالم ينقلب رأسا على عقب، وعمر الإرهاب في سورية والعراق أصبح قاب قوسين أو أدنى من النهاية، ليعود لنهجه القديم فينشر الرعب بالتفجيرات بين المدنيين انتقاما هذه المرة من داعميه الذين خذلوه وضحوا به على مذبح المصالح..

لقد بدأت تبرز على السطح ملامح المنتصرين والمهزومين، وفي هذا لا يحتاج المواطن العربي العادي لمعرفة من هو المنتصر ومن هو المهزوم، لكن الوقت قد حان ليغير من أخطأ الاتجاه فيعدل من بوصلته قبل فوات الأوان، لأنه إذا لم يفعل فسيعيش غبيا وجبانا أبد الدهر.