من حزب الله إلى داعش..أمريكا والجيش اللبناني
حسن شقير
في مقالة نشرتها بتاريخ 06-09-2012، والتي كانت تحت عنؤان " أدوارٌ رُسمت …لأيامٍ أُجٍّلت "، سردت فيها – بشكل موثق – لمجموعة من المكونات الأساسية، وُضعت تحت المجهر الأمريكي، وذلك نظراً لمركزية موقعها في خدمة أو عرقلة الاستراتيجية الأمريكية، والتي ظهرت تفاصيلها في أيار من العام ٢٠١٠، حيث أحاطت تلك الإستراتيجية الكيان الصهيوني بمجموعة من الإحاطات المختلفة، علّها تكون ضمانةً أمنية لهذا الأخير في زمن التراجع الأمريكي …
تلك الإحاطات الأمريكية، وضعت لها أمريكا ما يمكن تشبيهه بالأهداف المرحلية، والتي يمكن لها أن تُشكل رافعة ً لها – والتي تعثرت في الكثير من جوانبها –، حيث تجلت تلك الأهداف الأولية، بوضع لائحة من المكونات تحت المجهر الأمريكي، كونها تُشكل مرحلياً واستراتيجياً، خطراً حقيقياً على تلك الاستراتيجية التراجعية التي أشرنا إليها سابقاً..
من بين تلك المكونات التي رُسمت لها المكائد الأمريكية، وكخدمة لتلك الإستراتيجية، كانت من فلسطين (حماس وفصائل المقاومة)، ومن مصر (حركة الإخوان المسلمين )، ومن العراق ( الرئيس المالكي والحكومة العراقية )، وأخيراً من لبنان ( الجيش اللبناني ).
لعل المراجع لتلك المقالة، يجد أن جميع ما رسمته أمريكا لتلك المكونات المذكورة، قد أصبح – مع الأسف – واقعاً ملموساً ! وذلك بإستثناء الجيش اللبناني، والذي بقي عصياً حتى اليوم بوجه ما دبرت له أمريكا من مكائد.
لقد أبرزت في تلك المقالة، إفادةً للجنرال جيمس ماتيس (لمناسبة تسلمه القيادة المركزية الوسطى للجيوش الأمريكية، في تموز من العام ٢٠١١ ) أمام لجنة الشؤون العسكرية في الكونغرس الأمريكي، وذلك في معرض إجابته على تساؤلات أعضاء هذه اللجنة، حول " الجدوى من تسليح الجيش اللبناني "، مجيباً، أن ذلك ضرورياً لمواجهة كيانين أساسيين " حزب الله وسوريا "، مؤكداً أن بناء القدرات العسكرية للجيش اللبناني، هو ضروري " لمكافحة الإرهاب " في لبنان !
تعتبر المقاومة، وعلى رأسها حزب الله، على رأس قوائم الإرهاب الأمريكية تلك، والتي جاهر ذاك الجنرال الأمريكي، بأن تسليح هذا المكوّن، هو مقدمة حتمية لإصطدامه بالإرهاب، وبحسب التصنيف الأمريكي على الدوام.
منذ ذلك الحين، لم تكن المعطيات اللبنانية، فيما خص العلاقة ما بين الجيش اللبناني والمقاومة، لا توحي – ومع تقدم الأيام – إلا ّ إلى مزيدٍ من اللحمة فيما بينهما، وبعكس ما كانت تشتهيه على الدوام أمريكا، وذلك طبقاً لإفادة الجنرال ماتيس أعلاها …
إذاً، هذا المكوّن، تخطى بعقيدته القتالية الصامدة والصلبة في تلاحمه مع المقاومة، ذاك الفخ الأمريكي، وعلى امتداد الوطن من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله، وذلك بفضل صوابية ما عولت عليه في تلك المقالة – المحذِّرة
، من حكمة ودراية فائقة لدى قيادته الحكيمة في وعيها للمشروع الصهيوأمريكي الخطير، والذي رُسم للمنطقة برمتها، في ذاك النيو بازل الذي أشرنا إليه منذ أيار العام ٢٠١٢، والمتمثل في الدولة والجيش والشعب، والذي لم يستثن لبنان، بكل تأكيد.
لم تنفع كل تلك المئات من ملايين الدولارات التي رصدتها أمريكا، بعيد العام ٢٠٠٥، وذلك عقيب استشهاد الرئيس الحريري، في تشويه صورة المقاومة، وذلك بجعلها تغرق فيما ترسمه لها أمريكا من شرك الإفتراق مع شرائح المجتمع اللبناني، العسكرية منها والمدنية … ولم تنجح محاولات شيطنتها، وذلك بعزلها عن باقي الشرائح الإجتماعية اللبنانية، بمختلف تلاوينها المذهبية، وذلك على الرغم من تقديم الكثير من المغريات لهذه الأخيرة..
من المفيد ذكره هنا أيضاً، أن الجيش اللبناني، بتلاحمه مع المقاومة، كان شريكاً حقيقياً في خنق المجال الحيوي الذي عولت عليه مختلف الجماعات الإرهابية على مقلبي الحدود اللبنانية – السورية، حيث أن ذاك التلاحم سبب – وبلا أدنى شك – في إصابة المخطط الصهيوني في الفرز الديموغرافي والجغرافي في المنطقة العربية في مقتله، والذي كنا كتبنا حوله، في أكثر من مقالة … حيث كان من نتائج ذاك الوأد لهذا المشروع، فقدان المجموعات المسلحة للرعاية الإقليمية، والتي تخلت عنها، ورفعت الغطاء عنها، مع تشكيل الحكومة السلامية الحالية، كونها فقدت الغاية التي وُجدت لأجلها … هذه الشراكة للجيش اللبناني في التعجيل بقهقرة ذاك المشروع الصهيوأمريكي، لم يكن بالتأكيد يروق لأمريكا ومن خلفها الكيان الصهيوني.
لم تقف الشراكة للجيش اللبناني في قهقرة مشروع الفرز الديموغرافي والجغرافي، عند هذا الحد، إنما انسحبت تلك الشراكة، على قهقرة مشروع الكيان الصهيوني في جعل يبرود " جرحاً نازفاً للسيارات المفخخة على الضاحية الجنوبية لبيروت "، ناهيك عن أن تلك الشراكة، ستجعل من الحدود اللبنانية – السورية، على طول امتدادها، مصدراً للرعب الصهيوني، الذي يعتقد من خلاله الصهاينة، أن تلك الحدود ستصبح بحكم الملغاة بين أطراف الممانعة في سوريا ولبنان، فالجميع يذكر مقولة القادة العسكريين الصهاينة، أثناء احتدام المعارك في القلمون، بأنهم – أي الصهاينة – " لن يسمحوا لحزب الله بالسيطرة على سلسلة لبنان الشرقية " … وهذا أيضاً،شكّل سبباً إضافياً في الحنق الصهيوأمريكي على الجيش اللبناني …
لا يجب أن ننسى أبداً، أن اجتثاث الجيش اللبناني للظاهرة الأسيرية، والتي كانت أجهزة الإستخبارات الصهيونية والأمريكية، وبعض العربية، تتقاطع فيما بينها، في قطف ثمار بقائها واستمرارها، واشتداد عضدها، ولكل مبتغاه!
بالعودة إلى تلك المقالة، ففي زيارته للعراق في أب من العام ٢٠١٢، صرّح الجنرال ديمبسي، من هناك، أنه " لا ينوي سؤال المالكي، ومن خلفه الحكومة العراقية، عن دورهم في سوريا " !!!!!! ليأتي العام ٢٠١٤، حاملا ً معه تنفيذ ذاك التهديد الأمريكي المبطن للعراق، بأن تغاضت أمريكا عن تمدد الدواعش فيه، وإقامة خلافتهم المزعومة على أرضه …! لتبدأ معها رحلة الإبتزازات الأمريكية للعراق، ولمحور الممانعة برمته من خلفه …
اليوم – وبعيداً عن اللغة الدبلوماسية المعسولة للسفير الأمريكي في لبنان، حول موقف إدارته من الأحداث الجارية في عرسال اللبنانية –، وبعيداً عن الزيف الأمريكي في توريد السلاح الأمريكي للجيش اللبناني على امتداد السنوات المنصرمة – والتي لا قيمة عسكرية حقيقية لها –، وبعيداً عن هذا وذاك وغيره … فإن الذي جرى في عرسال من تمدد للدواعش فيها … يجعلنا نطرح التساؤل التالي : هل دقت ساعة الحساب الأمريكية والصهيونية مع الجيش اللبناني ؟ فنحن نعتقد جازمين، أن لعبة الإرهاب في المنطقة برمتها، هي لعبة صهيونية وأمريكية بامتياز، وبحق حصري لهما، وذلك في خدمة استراتيجياتهم الحيوية … وبلا أدنى شك، فلقد أثبتنا ذلك مراراً وتكراراً.
خلاصة القول، أذكّر بما أوصيت به في مقالة " المقاربة الممنوعة في أبعاد ثلاث "، حول ضرورة المسارعة الزمنية إلى اجتثاث المشروع الداعشي في العراق … كي لا نستفيق يوماً، لنجد أنفسنا أمام خليفاتٍ مبعثرة هنا وهناك، وعلى امتداد لبنان والمنطقة، فندخل ساعتئذٍ في فخ الإنهاك والإشغال، والذي يحاول أربابه، صبغه بصبغةٍ مذهبية خبيثة، قد لا ينتهي زمانها – لا سمح الله – إلا ّ بانتهاء زماننا معها أيضاً.