kayhan.ir

رمز الخبر: 4572
تأريخ النشر : 2014August03 - 21:31
العدوان على غزة يظهر حقيقة عرب ’الربيع’

السعودية وقطر تتنازعان على غزة ومصر تقفل المعابر وتتفرّج

حمزة الخنسا

لمّا كانت الجماهير العربية الغفيرة تشارك في مظاهرات إسقاط الأنظمة في غير بلد عربي تعرّض لارتدادات "الربيع”، إستبشر أهل فلسطين خيراً بأنهم لن يُترَكوا وحيدين بمواجهة آلة القتل الإسرائيلية بعد اليوم، وبأن "عالقدس جايين العرب بالملايين”. استبشروا الخير الكثير لمّا شاهدوا مؤتمرات القادة العرب وأموالهم الطائلة تُصرف على تشكيل جيوش حُرّة وكتائب وألوية هدفها إسقاط الأنظمة الشقيقة، وسمعوا بقرارت الجامعة العربية إرسال الجيوش العربية الى دول شقيقة وطرد سفرائها من بلاد العرب.. "فكيف إسرائيل”، قالوا منتشين.

شكّل العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، الإمتحان الأقوى والأوضح للعالم العربي، شعوباً وأنظمة. أظهر الحقيقة جديدة قديمة، صورة كربونية عن أيام ما قبل "الربيع” لا زال وقع الصدمة يجعل بعض الفلسطينيين مستصعباً تصديقها الى حد نكرانها.

فرز العدوان الصهيوني على غزة العرب بشكل واضح لا لبس فيه، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضاً على المستوى النخبوي والشعبي على حد سواء. بان الخيط الأبيض من الأسود. أعلن مؤيدو فلسطين وقضيتها عن أنفسهم بشكل صريح، وكذلك فعل معادو فلسطين المقاومة. نخبوياً، للمرة الأولى بتنا نشاهد على الفضائيات العربية محللين ومثقفين عرب، يشمتون بالشهداء، ويحمّلون الفلسطينيين مسؤولية دمائهم، ويجهدون في تبرئة إسرائيل والتماس الأعذار لها على جرائمها. شعبياً، ترى المظاهرات والفعاليات المتضامنة مع إسرائيل في البلاد العربية مقتصرة على الفريق الداعم للمقاومة سياسياً وعقائداً. لا هبّات شعبية، ولا جُمُعات بأسماء شهداء غزة، ولا شهداء بـ”الملايين عالقدس رايحين”، ولا من يحزنون.

سياسياً، كان النزاع السعودي ـ القطري على غزة لافتاً ومساهماً في إطالة أمد العدوان. تقول المعلومات إن الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، أفهم زائره الأمير القطري الشيخ تميم، بضرورة كفّ يد إمارته عن الملف الفلسطيني. والكفّ أيضاً عن التدخّل في مساعي وقف إطلاق النار في غزة. وشدّد الملك الهرِم أمام الأمير الشاب على وجوب عدم تجاوز قطر الدور المصري في هذا الإطار. عند هذا الحدّ إنتهى اللقاء الذي جمع زعيمي البلدين الخليجيَّين النفطيَّين، أخيراً.

في هذا السياق، أتى منسجماً ما أوردته صحيفة "هافنغتون” الأميركية عن تورط سعودي ـ إماراتي في تمويل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، مشيرة الى أنه جاء بمرسوم ملكي سعودي للقضاء على المقاومة. لم تبقَ إتهامات الصحيفة للسعودية يتيمة، أكّدها المغرّد السعودي المعروف باسم "مجتهد”. قال "مجتهد” المعروف بتغريداتها حول العائلة السعودية الحاكمة وأسرارها، إن الجانبين السعودي والإماراتي تعهّدا لدى تل أبيب بفتح سفارات للكيان الإسرائيلي في بلديهما إذا تحقق الهدف.

أيضاً، كشف الصحفي البريطاني ديفيد هيرست، الكاتب في صحيفة "الغارديان”، ورئيس تحرير موقع "ميدل إيست آي” البريطاني، في مقال له تحت عنوان: "دموع التماسيح التي تذرفها السعودية على غزة”، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفض مبادرة وزير الخارجية الأميركية جون كيري، لوقف العدوان على غزة، بطلب من السعودية، وتحديداً من الملك عبد الله بن عبد العزيز. وقال إنه "لولا الدعم السعودي لاسرائيل لما استمرت الحرب الوحشية على غزة”.

لم يعد سراً أن الرياض تعمل على إفشال أي تحرّك قطري تجاه غزة، مسكونة بهاجس الأخوان المسلمين. والدوحة لا تريد النجاح في وقف حمّام الدم الفلسطيني سوى لمبادرتها، سحباً للبساط من تحت أي تحرّك مصري مدعوم سعودياً، إنتقاماً من طرد مرسي وجماعته من الحكم. أما مصر السيسي، فيبدو أن امتحان غزة أتى صعباً عليها الى حد جعلها تغلق معبرها بوجه الفلسطينيين، في انتظار الدخان الأبيض السعودي من المعركة مع قطر. تحكّمت حسابات المواجهة مع الاخوان بآداء السيسي، الذي قرأ في العدوان على غزة فرصة لإضعاف أعدائه وحماية حكمه منهم، خصوصاً بعد اتهامهم بأكثر من عمل مسلّح ضد الدولة المصرية وأجهزتها.

في المحصّلة، يتجاذب أطراف المحور الأميركي، المسمّون عرب اعتدال، كعكة غزة، كلٌّ لجانبه. فالقطريون والأتراك يعملون على فرض تسوية تحظى بموجبها فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة، على رأسها "حماس”، بمكاسب سياسية واقتصادية؛ منها إعادة حكومة اللون الواحد الخالية من "فتح” الى غزة، لإدارة مشاريع إعادة الإعمار وتخفيف الحصار تمهيداً لرفعه. يعمل القطريون على تسويق مشروعهم هذا مقابل وضع حد لسلاح المقاومة الفلسطينية أو تكبيل عمله باتفاقية يرعاها محور تركيا ـ قطر ومَن معه.

في الضفّة الأخرى، يعمل السعوديون والمصريون بقوة على كسر المقاومة الفلسطينية وخصوصاً "حماس” بخلفيتها الاخوانية، سعياً لإرغامها على توقيع إتفاقية إستسلام تخضع بموجبها لشروط سياسية قاسية، أهمها البقاء كجزء من حكومة يقودها محمود عباس أو مَن ينوب عنه من المحظيين سعودياً ومحل رضى مصري.

وبين هذا وذاك، يستمر العدوان الإسرائيلي بحصد أرواح المزيد من النساء والأطفال والشيوخ في غزة. في المقابل تستمر المقاومة في صنع معادلة الردع في ظل احتضان شعبي غزّي كامل. فالمقاومون على الأرض يدركون أن العدوان دخل في مرحلة مفتوحة من عضّ الأصابع ينهيها الأقوى فارضاً شروطه على مَن يصرخ أولاً. ويعرفون أيضاً أن هذا الواقع يفرض مزيداً من التصعيد الذي يصبح في هذه الحالة جزءاً من المفاوضات. وبالتالي لا يراهن الفلسطينيون إلا على سواعد مقاوميهم في غزة، مهما طال أمد العدوان والمفاوضات والطواطؤ العربي فوقهما.