kayhan.ir

رمز الخبر: 43839
تأريخ النشر : 2016August22 - 21:12

لهذا أطلقت روسيا عملية عسكرية كبرى ضد الإرهاب في سورية..


أحمد الشرقاوي

ذهب المحللون مذاهب عديدة وبعيدة في تفسير قرار استعمال روسيا لقاعدة همدان الإيرانية لضرب الإرهاب في الشمال السوري، كل من منطلق الهاجس الأمني المؤرّق للمعسكر الذي ينتمي إليه، هذا في حين أن الموضوع لا يحتمل كل ما قيل عنه حتى الآن على الأقل..

لأنه من السابق لأوانه الحديث عن حلف ثنائي روسي – إيراني قائم، أو حلف ثلاثي روسي – إيراني – تركي في طور التشكل بالمعنى الإستراتيجي الذي يعنيه مصطلح التحالف العسكري، نظرا لاختلاف المصالح والأهداف إن على المستوى الإقليمي أو الدولي.

كل ما في الأمر أن هناك تنسيق إستراتيجي بين روسيا وإيران أملته ظروف الحرب الكونية على سورية، تشكل بموجبه ما يمكن وصفه بـ”التكتل الاستراتيجي” لمحاربة الإرهاب الذي أصبح يهدد المنطقة والعالم، ولا يعني ذلك أن لروسيا نفس أهداف إيران مثلا في مواجهة "إسرائيل” أو "السعودية”، أو نفس أهداف أردوغان وطموحاته السياسية، لأن ما يهم روسيا هو سحق الإرهاب لتجنب حرب استنزاف لا تنتهي من جهة، وكسر الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط كرد على تدخلها بمعية الحلف الأطلسي في أوكرانيا ومحاولة خنقها في محيطها الجيوسياسي التقليدي.

وروسيا بإقدامها على استهداف الإرهابيين من قاعدة همدان الإيرانية، تكون قد أسقطت التفاهم العسكري التقني مع الولايات المتحدة في سورية، وقررت إطلاق عملية كبرى لاجتثاث الإرهاب من منطقة حلب حيث يتوقع أن تدور أم المعارك التي يتوقف عليها انتصار محور المقاومة وهزيمة محور المؤامرة، خصوصا بعد أن أدركت موسكو أن واشنطن لا ترغب في عزل من تسميهم بـ”المعارضة المعتدلة” عن "جبهة النصرة” سابقا أو "جيش فتح الشام” حاليا والفصائل الإرهابية الأخرى المرتبطة بها، وتسعى لاستنزاف روسيا بإطالة أمد الحرب في سورية إلى ما لا نهاية.

بدليل، أن المتحدث باسم الخارجية الأمريكية أعلن الأربعاء، عدم التوصل إلى اتفاق للتعاون العسكري مع موسكو ضد الإرهاب في سورية خلافا لما أعلنه وزير الدفاع الروسي ‘سيرغي شويغو’ الذي سبق وأن أعرب عن تفاؤله بقرب إبرامه.

هذا في ما ذهب ‘روبرت مالي’ منسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط ومساعد الرئيس أوباما حد تهديد روسيا من خلال القول الإثنين المنصرم لمجلة "فورين بوليسي”، أنه إذا فشل التعاون بين البلدين في سورية فإن الولايات المتحدة ستواصل تزويد ‘المعارضة’ السورية بالأسلحة، مذكرا روسيا بأنها تدرك جيدا أن هذا الأمر يؤدي إلى إطالة أمد النزاع المسلح إلى أجل غير معروف، وأن واشنطن مستعدة لعمل كل ما بوسعها "لكي لا ينجح النظام السوري في السيطرة على البلاد”.

وهذا يعني بالواضح الفاضح أن الاتفاق الذي يرغب به الأمريكي في سورية يجب أن يمر بالضرورة من خلال قبول موسكو برحيل الأسد بعد الفترة الانتقالية. وحذر المسؤول الأمريكي صراحة أنه إذا كانت موسكو عاجزة عن إجبار النظام السوري على القيام بما يجب، فأمريكا لن تفقد شيئا، والقتال سيستمر، والنظام لن ينتصر، وهذا الوضع لن يكون الأفضل لروسيا إذا لم تكن هناك أي آفاق لإنهاء الصراع قريبا، ما يعني أن أمريكا تعول على تركيا للتصعيد ضد روسيا في سورية، ما يضع أردوغان في موقف لا يحسد عليه.

بل أخطر من ذلك، طالب ‘روبرت مالي’ موسكو بدراسة هذا الخيار باهتمام ومقارنته مع الخيارات الأخرى المطروحة على طاولة واشنطن بما فيها خيار "التدخل العسكري المباشر من أجل تخفيف معاناة الشعب السوري” وفق قوله.

التصريح المذكور أعلاه، هو الذي أغضب القيصر الذي أدرك أن لا إمكانية لاتفاق مع الأمريكي في سورية، ما دامت واشنطن ماضية في رهانها على تحقيق أهدافها الجيوسياسية بالإرهاب، ومصرة على إسقاط النظام في دمشق بالقوة حتى لو أدى الأمر لتدخل عسكري مباشر كما هدد ‘روبرت مالي’ بوقاحة، متناسيا أن القيصر لا يقبل التهديد، وأن مفاجآته قد تقلب المعادلات رأسا على عقب مهما كانت التداعيات بما يملكه من خيارات بمعية حلفائه الأقوياء في المنطقة.

وأمام هذا الحائط المسدود، قرر بوتين أخيرا رفع التحدي من خلال التصعيد الكبير لسحق جيش أوباما السري، وتعرية كذبة "المعارضة المعتدلة” التي تلعبها أمريكا بخبث في سورية، في حين أن المعطيات التي لدى موسكو تؤكد أن لا وجود لمعارضة كقوة فاعلة في الميدان، بدليل ما أعلنه الرئيس بوتين قبل أيام من لا وجود لمعارضة معتدلة ومعارضة متطرفة في سورية وأنهم كلهم في الإرهاب سواء.

لكن الأخطر، هو ما سربته صحيفة "فزغلايد” المقربة من الأوساط الحاكمة في موسكو وفق من ما نقله عنها موقع "روسيا اليوم” الأربعاء الماضي، ومفاده، أن التفسير الوحيد والأكثر بساطة لهذا التطور الجديد في الحرب على الإرهاب في سورية من خلال استعمال قاعدة همدان الإيرانية، هو أهمية وخطورة وحساسية حلب التي تعتبر مفتاح الحرب والسلام في سورية، وأن قرار الحسم مع الإرهاب جاء بسبب اكتشاف موسكو أن الإرهابيين في المنطقة يخترعون باستمرار طرقا جديدة لتجنب استهدافهم بالغارات الجوية.

والتكتيك الجديد الذي تحدثت عنه الصحيفة نقلا عن مصادر روسية مسؤولة، يكمن في أن جهة دولية فاعلة (لم تسميها ويعتقد أنها الولايات المتحدة) تمد الإرهابيين بالمعلومات عن الغارات الروسية حال استلامها من غرفة التنسيق في الأردن بـ 24 ساعة قبل شنها في إطار التنسيق القائم بينهما لتجنب الحوادث الجوية، ما يساعد التكفيريين على تغيير مواقعهم والانتقال ليلا باستخدام أساليب التمويه المختلفة، وبذلك كانت الفصائل الإرهابية تنجح في كل مرة بنقل القوافل التابعة لها بما فيها قوافل الإمداد، وناقلات النفط وأرتال الدبابات، وأرتال السيارات المفخخة والوصول إلى الأماكن المقصودة للاختباء قبل وصول الطائرات الحربية الروسية إلى المنطقة.

وأمام تزايد مثل هذه الحوادث المشبوهة، وانكشاف قاعدة حميميم للأقمار الصناعية وتوفر الفصائل الإرهابية على صواريخ أرض جو من جهة، ونجاح الاستخبارات الغربية في تسريب المعلومات الحساسة عن إقلاع الطائرات وخط سيرها والمناطق التي تعتزم استهدافها، قررت موسكو بالتعاون مع طهران تغيير الإستراتيجية القديمة والإقلاع من قاعدة همدان الإيرانية لسببين رئيسين:

* الأول: أن مسافة انطلاق القاذفات الإستراتيجية ووصولها إلى منطقة حلب يتطلب قطع 2000 كلم، في حين أن المسافة من قاعدة همدان إلى منطقة حلب هي 900 كلم فقط. وهذا الوقت لا يسمح للدولة التي تمتلك أقمارا صناعية في المنطقة أن تزود الإرهابيين بالمعلومات الحساسة في الوقت المناسب للمناورة تجنبا للاستهداف، كما أنه يزيد من فعالية الضربات الروسية بنسبة 60 %.

* الثاني: أن حمولة القاذفة الإستراتيجية من قاعدة روسيا إلى حلب لا تتجاوز 7 طن من القنابل الشديدة الانفجار بسبب طول المسافة وحمولة الوقود، لكم من قاعدة همدان أصبحت القاذفة بإمكانها التزود بوقود أقل ومضاعفة حمولتها من القذائف أكثر بثلاث أضعاف أي 22 طنا، ما يمكنها من استهداف أكثر من موقع في الطلعة الواحدة.

ولتكثيف الهجمات ضد الإرهابيين ومخازن السلاح والذخيرة وإفقادهم المبادرة بمنعهم من تجميع قواهم لشن هجمات مباغتة، قررت موسكو زيادة عديد الطلعات من خلال استعمال القاذفات الإستراتيجية العملاقة انطلاقا من قاعدة بروسيا بموازاة الطلعات من قاعدة همدان، هذا وقد بدأت الجمعة استهداف مواقع "النصرة” بصواريخ "كليبر” الاستراتيجية انطلاقا من البحر الأبيض المتوسط، ويتوقع أن يتم الاستهداف أيضا من إيران ومن البوارج المرابطة ببحر قزوين، الأمر الذي سيمكن الجيش العربي السوري وحلفائه من الانتقال من إستراتيجية الدفاع إلى إستراتيجية الهجوم للحسم مع الإرهاب من خلال القضم السريع للأرض.

وفي تطور مفاجئ ينذر بما قد لا تحمد عقباه، أقدم الجيش العربي السوري ولأول مرة على قصف مواقع للأكراد في الحسكة مرتين ردا على استهدافهم موقعا للجيش في المنطقة، الأمر الذي أغضب واشنطن بسبب تواجد قواتها على الأرض هناك، فقرر البيت الأبيض الجمعة إرسال قاذفات لحماية قواته والأكراد، الأمر الذي يؤشر إلى تصعيد قد يتطور إلى ما لا تحمد عقباه، برغم إشارة روسيا إلى أن تواجد الولايات المتحدة على الأراضي السورية غير شرعي ويخرق شرعة الأمم والقانون الدولي، وأن الدولة السورية سيدة على أراضيها.

هذه الإستراتيجية التصعيدية الكبرى التي تبنتها روسيا، تضمن مستوى أرفع بكثير من السرية لأنها تسحب من واشنطن ورقة تبادل المعلومات في إطار التنسيق العسكري الجوي التي استعملتها ضد روسيا لاستنزافها من خلال إطالة الحرب إلى ما لا نهاية اعتقادا من واشنطن أن الأوضاع الاقتصادية لروسيا لا تسمح لها بالصمود طويلا من جهة، وتمكن من إضعاف الفصائل التكفيرية والحسم مع الإرهاب وسد الطريق على المراهنين على إسقاط الرئيس الأسد بالتسوية السياسية أو الحسم العسكري من جهة أخرى، وهو الأمر الذي أقلق أمريكا وفرنسا وأغضب "إسرائيل” و”السعودية” الذين رؤوا في هذا الخيار تهديدا جديا لرهاناتهم الوهمية الخاسرة، وذهبوا بعيدا في توقع الأسوأ في المدى المنظور والمتوسط.

لذلك رأينا تركيزا في التصريحات من قبل إيران وحزب الله تبشر بتغيّرات جذرية قادمة في المنطقة ستتبدل بموجبها المعادلات القائمة فتفقد أمريكا هيمنتها وهيبتها وترسخ روسيا أقدامها وإيران نفوذها، دون الإشارة إلى تركيا التي لم تحسم بعد أمرها بشأن الموقف النهائي من الرئيس الأسد الذي تصر موسكو وطهران على أنه شأن سوري لا علاقة للقوى الخارجية به، ولا زالت المفاوضات بهذا الشأن قائمة بشكل مكثف بين طهران وأنقرة دون أن تسفر عن نتيجة تذكر حتى الآن.

لذلك، قال بوتين عقب لقائه أردوغان في سانتبترسبورغ، إن "موسكو تعتزم رفع القيود عن تركيا تدريجيا”، وهذا يعني أنه بقدر ما يكون العزم تأتي العزائم، وأن موسكو ليست غبية لانتشال أردوغان من أزماته الداخلية والخارجية من دون أن يدفع الثمن السياسي المناسب الذي يتوافق وأهداف روسيا وإيران في سورية.

وفي انتظار تطور الموقف التركي وخروجه من المنطقة الرمادية.. وفي انتظار معرفة حدود تدخل واشنطن لمواجهة الاستراتيجية التصعيدية الروسية الجديدة، فعنوان المرحلة هو الحسم مع الإرهاب بديلا عن وهم التسوية بالشروط الأمريكية حتى لو أدى الأمر لتدخل أمريكي مباشر بديلا عن الحرب بالوكالة.