kayhan.ir

رمز الخبر: 43581
تأريخ النشر : 2016August17 - 23:37

أوروبا الخائفة : الإرهاب أولا او حروب اهلية صغيرة


سركيس ابو زيد

لم يعد للإرهاب المتنقل وخاصةً في أوروبا مكان وزمان يتقيد بهما . فقد أصبحت الساحة الأوروبية مكشوفة امنياً ، وباتت تحت رحمة الضربات الإرهابية المتنقلة في أوروبا عامة وألمانيا وفرنسا خاصةً. بدأ الإرهاب يغيّر كل شيء في أوروبا، حياة الناس ومزاجهم وإيقاع الحركة العامة، المزاج الشعبي والمناخ النفسي، الأولويات والاستراتيجيات الأمنية، السياسة الخارجية...إلخ.

فخلال أقل من شهروقعت عدة عمليات واعتداءات إرهابية، في ألمانيا وفي فرنسا حيث كان أكثرها إيلاما ووقعا تلك التي حدثت داخل كنيسة "سانت إتيان دو روفريه" في منطقة النورماندي،"، وتأتي أهمية هذه الحادثة في أنها ضربت مسقط رأس الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، وحصلت خلال القداس الصباحي ، حيث اقتحم إرهابيان اثنان الكنيسة من الباب الخلفي معلنين عن تبعيتهما لتنظيم "داعش "، وعمدا سريعا إلى ذبح الكاهن جاك هامل وإصابة راهبة بجروح بالغة قبل أن يقررا مغادرة الكنيسة، ليجدوا قوة التدخل التابعة للشرطة بانتظارهما فأطلقت عليهما النار وأردتهما قتيلين.

هذه الحادثة وغيرها التي ضربت أوروبا عامة وفرنسا خاصة لها أسباب عميقة تتجاوز إعلان باريس عن تعزيز مشاركتها في العمليات الحربية في سوريا والعراق ضد "داعش". وقد ذكر مراقبون أبرز نتائجها ومتغيراتها على الساحة الأمنية الأوروبية، بالتالي:

1-نجح الإرهاب في زعزعة الأمن الأوروبي. فلم تعد أوروبا آمنة والخطر صار قائما في كل مكان، ونجح أيضا في بث حالة قلق وخوف ورعب في المجتمعات والشوارع الأوروبية، لا سيما في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا، حيث من الممكن في أي مكان وفي أي وقت أن يظهر مجرم قاتل يرتكب مذبحة منفردا بين جموع المتسوقين كما في ميونيخ، أو جموع المحتفلين كما في نيس، أو جموع مصلين كما في كنيسة "سانت إتيان دو روفريه "، ولم تعد الهجمات محصورة بالسلاح والمتفجرات، وإنما صارت ممكنة بكل الوسائل المتاحة والتي في متناول اليد مثل السكاكين والشاحنات، وصار من الصعب جدا والمستحيل منع حصولها...

2-هذه الهجمات الارهابية فضحت العجز الأمني الواضح لدى الحكومات والسلطات الأوروبية. فأوروبا لم تعتد هذا النوع من الإرهاب، المنظم في مساره، العشوائي في ضرباته، ولا تملك الاستراتيجيات الأمنية اللازمة لمحاربته.

3-كما أظهرت هذه الضربات أو الحوادث المتنقلة خطرها على التماسك الاجتماعي وأيضا السلم الأهلي الذي بات مهددا في أوروبا مع دخولها في دوامة الأفعال وردود الأفعال، وحيث التطرف يستولد التطرف والإرهاب سيقابل بالعنف الذي بدأ يطال تجمعات اللاجئين والتعصب سيعزز مشاعر العنصرية والكراهية لكل من هو من أصول عربية وأفريقية ومن له سحنة سمراء ومن يرخي لحيته أو ترتدي حجابا...

والنتيجة الحتمية والطبيعية لهذا الوضع أن تزداد شعبية اليمين المتطرف الذي استغل هذه الهجمات المتطرفة لـ تنظيم "داعش" وأخواته، واعتبارها هدايا ثمينة لرفد حملاته الانتخابية وتعزيز حظوظه في الوصول الى الحكم لتغيير القوانين والتشريعات والسياسات، بعدما صار الخوف هو الناخب الأقوى وصارت الدعوات الى الانعزال وإقفال أبواب أوروبا وحدودها هو المحرك الأول لاتجاهات الرأي العام.

اوروبا امام الاحتمالات الصعبة

وهذا الوضع الشعبي سيترجم قريبا في انتخابات ألمانيا بأيلول، حيث تواجه ميركل اختبارا حاسما مع تعاظم الانتقادات لسياستها في فتح أبواب ألمانيا أمام اللاجئين، وفي الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2017، حيث يواجه هولاند وحكومته انتقادات قاسية على التساهل والتراخي والعجز والثرثرة...

فالأولوية المطلقة عند الأوروبيين صارت "الأمن ومحاربة الإرهاب ". لا أولوية تتقدم عندهم على "هزيمة "داعش" والقضاء عليه"، وهذا يعني أن الانخراط الأوروبي في الحرب ضد "داعش" في سوريا والعراق سيقوى، وأن مقاربة أزمات المنطقة وأولها الأزمة السورية ستتم من زاوية مختلفة. فالخطر يتهدد فعلا الاتحاد الأوروبي، أمنيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وبات يكتسب صفة الخطر الوجودي.

..فقبل هجمات نيس وميونخ أجرى البرلمان الأوروبي "المسح الاستفتاء" في كل دول أوروبا، ونشره مؤخراً. هذا المسحٍ للرأي العام شمل نحو ثلاثين ألف شخص من دول الاتحاد الـ 28 ، ورداً على سؤال ما هي الأولوية الآن؟ جاءت النتيجة أن 82 في المئة رأى أن "محاربة الإرهاب" لها الصدارة والأولوية.

وفي نفس السياق، كشف تقرير عن الإرهاب في أوروبا انخراط نحو 4 آلاف مقاتل أجنبي من الاتحاد الأوروبي في جبهات القتال في سوريا والعراق. وذكر التقرير، وهو عن "الحقوق الأساسية في العام 2016 "، أعدته وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية (FRA) ، ومقرها فيينا، أن التقديرات تشير الى أن بين 5 و 10 في المئة من إجمالي هؤلاء قد لقوا حتفهم، وأن أكثر من 10 - 30 في المئة من المقاتلين قد ترك مناطق الحرب وعاد الى وطنه أو بقي في أحد بلدان العبور.

وحذر التقرير من أن هناك القليل من المعلومات الموثوقة عن ظاهرة المقاتلين الأجانب، وتضمن جدولا بأعداد تقديرية للمقاتلين من 12 دولة من الاتحاد الأوروبي، مبيّنا أن فرنسا تتصدر البلدان الأوروبية في عدد المقاتلين الأجانب مع 1550، تليها ألمانيا ( 700 )، ثم المملكة المتحدة ( 700 )، بلجيكا ( 440 )، وأخيرا إيطاليا 80 مقاتلا فقط.

وذكر التقرير أن التقديرات لم تتم وفقا لعدد سكان البلدان منفردة، كما لم يذكر إن كانت تشمل الأوروبيين الذين سافروا الى سوريا للقتال مع قوات البشمركة الكردية ضد تنظيم "داعش"، وهي ظاهرة أقل مقارنة بالجهاديين الذين انضموا الى "داعش" أو"جبهة النصرة"، بل إن المعطيات جاءت وفقا لأحدث تقرير حول ظاهرة المقاتلين الأجانب للمركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي.

باختصار،كل المؤشرات تدل الى أن ما تشهده أوروبا هو مسار حرب طويلة وأساليب جديدة لا تعرف الأجهزة الأمنية والاستخباراتية كيفية مواجهتها بأساليبها التقليدية، وتحد من حركتها تشريعات وأصول قانونية. ولذلك ليس أمام الأوروبيين إلا التعايش مع واقع انعدام الأمن واعتياد هذا الواقع الحياتي الخطر، إلا أن أكثر ما يؤزم الموقف هو الخوف من خروج الأمور عن السيطرة، وتحولها إلى حروب أهلية صغيرة تتدرج الى فتنة دينية (اسلامية – مسيحية) تحول أوروبا إلى جحيم يشبه ما يجري في الشرق الأوسط.