kayhan.ir

رمز الخبر: 43348
تأريخ النشر : 2016August13 - 21:22
في ذكرى مولده المبارك..

الامام الرضا (ع).. وسبل التصدي للطغيان والاستبداد



* جميل ظاهري

للسياسة دور كبير في حياة الانسان الفكرية والاجتماعية والعقائدية ومن هذا المنطلق نرى أن أئمة أهل بيت الرسالة والنبوة عليهم السلام كانوا يولون الأمر أهمية بالغة وفائقة بغية الحفاظ على الرسالة المحمدية الأصيلة التي جاء بها خاتم النبيين محمد بن عبد الله صل الله عليه واله سلم لهداية البشرية وإخراجهم من الظلمات الى النور ومن الجاهلية نحو العلم والتقدم والتطور ومن القبلية نحو الاستقلال وحرية الراي والموقف.

السياسة محور الحكموالسلطة التي لهادورٌمهمفيحياةالناس،فكلماكانتالسلطةصالحةًوسياستها رشيدةكانتحياةالناسأسعدوأسلمفيشتىالجوانب،أماإذاكانهناكإنحراففيمجالالسلطةوالحكم وهو ما تعانيه الأمة منذ يوم السقيفة حتى يومنا هذا حيث إبتعاد الحكام عما أمر به الله سبحانه وتعالى وجاء به رسول المودة والمحبة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وحرفوا الدين وزيفوا العقيدة وأفتوا بما لم ينزل الله من سلطان حباً وحرصاً وطمعاً بالسلطة التي توارثوها كما قالها سلفهم وكبيرهم السائرين على نهجه أبوسفيان "يابنيأميةتلاقفوهاتلاقفالكرة, فوالذييحلفبهأبوسفيانلاجنةولانار" - الجوهري: السقيفة 39 ـ 40،ابنأبيالحديد: شرحنهجالبلاغة 2/ 44،المقريزي: النزاعوالتخاصم 31.

لعبالأمويون من أبناء وأحفاد أبو سفيان والتابعين له والسائرين على نهجه حتى يومنا هذا، لعبوادوراًخطيراًللقضاءعلىالاسلام المحمديمنالداخل،حيثأرادأبوسفيانإشعاللهيبفتنةلاتنطفىء على عهد الخليفة الثالث حيث ذهبلقبرحمزةبنعبدالمطلبفركلهبرجلهقائلاً: "ياحمزةإنالأمرالّذيكنتتقاتلناعليهبالأمسقدملكناهاليوم".. لكنأميرالمؤمنين على بن أبي طالب (عليهالسلام) أدركنواياهالشريرةوأبانعنها- رواه الجوهري: السقيفة 40،ابنأبيالحديد: شرحنهجالبلاغة 2/ 44،المقريزي: النزاعوالتخاصم 30و75،النصرالله: مروياتالجوهريعنيومالسقيفة 10، 22 ـ 23.

وتوارث أئمة الهدى والرسالة السماوية عليهم السلام مهمة التصدي للإنحراف والتزييف وتزوير السلاطين ووعاظهم حقيقة الدين وأسس الإتيان به، واحداً بعد آخر وقدموا أرواحهم وأطفالهم وأخوانهم وأهل بيتهم قرابين لتكريس ما أمر به الله سبحانه وتعالى " إِنَّالدِّينَعِندَاللَّهِالإِسْلامُ.." – آل عمران:19، وهم عليهم السلام يقفوون كل الوقوف لتاثيره الكبير على مختلف جوانب حياة العباد، وتمسكاً بما قاله أمير المؤمنين على (ع): "يأتيعلىالناسزمانلايقرّبفيهإلاّالماحل. ولايظرّففيهإلاّالفاجر..فعندذلكيكونالسلطانبمشورةالنساءوإمارةالصبيان.. وإذاتغيّرالسلطانتغيّرالزمان.. ولاخيرفيالصمتعنالحكم".

حياتهم (ع) لم تعرف بما هو المطلوب حتى يومنا هذا رغم آلاف الكتب والروايات والأحاديث وقد ظلمهم البعض من شيعتهم قبل أعدائهم وشككوا في نزاهة ما قاموا به أو اساؤوا تفسيره، متجاهلين تضحياتهم الجسام وتوصياتهم الواضحة في التصدي لإنحراف وتزوير الدين خلال حوالي 250 عاماً من حياتهم الشريفة، تلك الحقبة التي تسلط عليها بنو أمية وبنو العباس، فقطعوا رؤوس المحدثين وأحرقوا ماكتبوه ونقلوه عن الرسول الأمين (ص) لتبقى الأمة في ظلال الجهل والعصبية القبلية التي يبغونها؛ كميثاق صلح الامام الحسن عليه السلام وأبن هند آكلة الأكباد صاحبة الراية الحمراء معاوية بن أبي سفيان، وكذلك قبول الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام ولاية العهد في زمن الطاغية العباسي المأمون.

الحياة السياسية للنور الثامن من أنوار الهداية السماوية للبشرية الامام علي الرضا (ع) ونحن نعيش ذكرى مولده المبارك والميمون (الحاديعشرمنشهرذيالقعدةسنة148 للهجرةفيالمدينةالمنورة. وقيلفيالحاديعشرمنشهرذيالحجةسنة 153 للهجرة)؛ وأسباب قبوله (ع) منصب ولاية العهد، جديرة بالتحقيق والدراسة المعمقة باعتبارها من جملة المحطات الحساسة والبارزة لتلك الحقبة (250 عاماً) التي لم يسمح السلاطين للأمة من دراستها وتدقيق النظر والتمعن فيها كي يبقوا على غفلتهم وتياههم لسبب عنصر المواجهة السياسية القاسية والعنيفة.. والتي كان هدفها الأساسي تشكيل النظام الاسلامي وبناء الحكومة على أساس مبدأ تبيين وشرح الدين من منظار أهل بيت الوحي، ورفع الشبهات ومواجهة الانحرافات، ونشر المعارف والأحكام الاسلامية، من جملة الأهداف المهمة لجهاد أهل البيت عليهم السلام.

فمنذ بداية النصف الثاني من القرن الأول الهجري وحيث تحولت الخلافة الإسلامية بشكل واضح وفاضح الى سلطنة بكل معنى الكلمة في جميع الجوانب وتبدلت الحكومة (أمانة الله) الى حكومة متسلطة ملكية كانت المواجهة السياسية، لأهل البيت عليهم السلام تشتد وتتطور بأسلوب يتناسب مع الأوضاع والظروف المستجدة.. بين الصمت والصلح والثورة ودخول السجون والإضطرار للمماشاة والغيبة.. فيما سياسة المتسلطين والمتفرعنين هي هي على شاكلتها في القمع والقتل والتعدي والنهب والتحريف والتزييف، وأنهار الدماء جارية من أقصى بلاد المسلمين الى أقصاها خاصة في بلاد الرافدين والشام والحجاز حيث حكم الأراعن والطغاة ممتد وداعم للارهاب التكفيري الطائفي المتجذر منذ أكثر من 14 قرناً في صفوف الأمة.

لم يقبل الامام الرضا (ع) ولاية عهد المأمون العباسي إلا على مضض وجبر خاصة والتي تلت مرحلةحكمالمهديوالهاديوالرشيد،تلك المرحلةالقاسيةوالصعبةجداً في مطاردةاتباع اهل البيت،وهدمدورهم،ومصادرةأموالهم،وإدخالهمالسجونوإستباحة دمائهم وشيعتهم دون إستثناء، وهو القائم اليوم ايضاً؛ بالاضافة الى التهديد الذي هدده به المأمون إن لم يقبل الامام الرضا (ع) بولاية العهد، حيث خاطبه: " إنيرأيتأنأوليكالعهدأيالخلافة. فقالله: اعفنيعن ذلك،إنهلاطاقةليبذلك،ولاقوةليعليه. قالله: فإنيموليكالعهدمنبعدي. فقالله: اعفنيمنذلك. فقاللهالمأمونكلاماًفيهكالتهديدلهعلىالامتناععليه،وقالفيكلامه: إنعمربنالخطابجعلالشورىفيستةأحدهمجدكأميرالمؤمنين عليبنأبيطالب،وشرطفيمنخالفعنهمأنيضربعنقه،ولابدمنقبولكماأريدهمنكفإنيلاأجدمحيصاًعنه".

لم يكن عرض المأمون هذا حباً بالامام أو أهل البيت (ع) وإنما كان بهدف جعل الامام الرضا (ع) ورقةمساومةبينهوبينالعباسيـينفيبغداد، وورقةمساومةبينهوبينالعلويـين وورقةمساومةبينهوبينالشيعةفيخراسان؛ خاصة وإن الثورات قد تزايدت عليه من كل صوب وحدب من مصر حتى خراسان مروراً بالكوفة والبصرة والحجاز والشام؛ فقبل الامام الرضا (ع) ولاية العهد ليقوم بمهام الامامة المنوطة اليه حيث فتح الباب أمامه لتبليغ الدين القويم والاسلام المحمدي الأصيل، ومن ثم تقديم النصح لإدارة أفضل لشؤون المجتمع في مختلف مجالات الحياة.. خاصة وإن حاجة الأمة الى التبليغ والتوجيه لم تنته، فهناك قضايا غير واضحة، وهناك أمور مستجدة، فلابد من مرجعٍ يرجع إليه الناس في أمور دينهم، ولابد أن تكون هناك ثقة بأن هذا المرجع ينقل أوامر الله (سبحانه وتعالى) القطعية والواقعية، وليس بشكلٍ ظني وحسب اجتهاده وإدراكه، وتم اختياره من قبل الباري تعالى لهذه المرجعية، والقرآن الكريم يتحدث عن الإمامة بمنطق الجعل:"وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ" السجدة: 24.

البعض من ذوي النفوس الضعيفة وأصحاب النوايا الخبيثة (حاجة في نفس يعقوب) يبرر قبول الامام الرضا (ع) لولاية العهد في خوفه على حياته معلنين ذلك تمسك الامام بقوله تعالى "وَلَاتُلْقُوابِأَيْدِيكُمْإِلَىالتَّهْلُكَةِ" - البقرة:195، وقوله عليه السلام "اللّهمّإنّكقدنهيتنيعنالإلقاءبيديإلىالتهلكة،وقدأُكرهتواضطررتكماأشرفتمنقبلعبداللهالمأمونعلىالقتلمتىلمأقبلولايةعهده... اللّهمّلاعهدإلّاعهدك،ولاولايةإلّامنقبلك،فوفّقنيلإقامةدينك،وإحياءسُنّةنبيّكمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم،فإنّكأنتالمولىوأنتالنصير،ونعمالمولىأنت،ونعمالنصير"- عيونأخبارالرضا،م. س: 1/19.

قبول الامام الرضا (ع) هنا ليس خوفاً منقتله،وإنّماسيكونقتلهسبباًفيخسارةالحركةالرساليّة ولحاجتهاالىقيادتهفي تلك البرهة العصيبة من الزمن على الأمة خاصة أتباع أهل البيت؛وسيكونقتلهمقدّمةلقتلأهلبيته أنصاره أتباعه أجمعين،أويؤدّيالىردودأفعالمسلّحةغيرمدروسةبدافعالانتقام،وبالتاليتنهارالقوّةالعسكريّةدونأنتغيّرمنالأحداثشيئاً.

كما كان للامام علي الرضا (ع) أهداف عديدة اخرى من وراء قبوله منصب ولاية العهد، منها: 1- استثمار الظروف لإقامة الدِّين وإحياء السنّة، 2- تصحيح الأفكار السياسيّة الخاطئة، 3- إفشال مخطّطات المأمون، 4- تعبئة الطاقات لمواصلة مسيرة الاسلام المحمدي الأصيل القائم حتى يومنا هذا وهو ما يخشاه الطغاة والجبابرة والمتفرعنين والمنحرفين عن الخط القويم ويحاربونه بشتى الوسائل ولا يتهاونون من إراقة أنهار الدماء البريئة لذلك وما يجري في العراق وسوريا واليمن والبحرين وغيرها من بلاد المسلمين إلا نموذجاً لهذا الخوف والفزع الأموي وتصديهم لنهج أهل بيت النبوة والرسالة السماوية السمحاء.