kayhan.ir

رمز الخبر: 43187
تأريخ النشر : 2016August10 - 21:14

إلى ‘آل سعود’..رحم الله من عرف قدره فوقف عنده


(قسم الاول) أحمد الشرقاوي

هذه الحكمة البليغة التي لا يمكن إلا أن يُسلّم بها عقل المسلم ويرتاح لها قلب المؤمن، تُنسب إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز، استشهد بها القرطبي في تفسير إحدى آيات سورة النحل..

هذا في ما أكدت آيات أخرى عديدة أن لا أحد يرفعه الله إلى أعظم درجة عنده كما المجاهد في سبيله بماله ونفسه، ولا أحد يذله ويهينه كالمُتكبّر المُتجبّر المُتعجرف المُخالف لأوامره والمُحارب لأوليائه..

والآيات التي تؤكد أن "الكبــر” هو من الصفات الشيطانية المذمومة التي يبغضها الله أكثر من أن يسعها هذا المقال، لكن أبرزها قوله تعالى في سورية الأعراف آية: 146 (سأصرف عن آياتي الذين يتكبّرون في الأرض)، لدرجة يصبحون معها أضل من الدواب، صُمّ بُكم عُمي يرون آيات الله فلا يؤمنون بها، ويرون سبيل الرّشاد فلا يتخذوه سبيلا، ويرون سبيل الغيّ فيتخذوه سبيلا..

وهذا هو أصدق وأدق وصف لحال ‘آل سعود’ المُتكبّرين والمُتجبّرين والمتعجرفين اليوم، بعد أن طبع الله على قلوبهم فلم يعودوا يعقلون شيئا، تراهم قلقين خائفين ضائعين تائهين حائرين، كالدواب في كل واد يهيمون، ينتقلون بين واشنطن وموسكو وتل أبيب فيفشلون ثم لا يرجعون..

يُقدّمون لأمريكا المال والبترول لترضى عنهم، ويجندّون لها التكفيريين من كل أصقاع الأرض حرصا على دماء الأمريكيين عساها تخلّصهم من إيران ومحورها لتُنصّبهم أسيادا على الشرق فلا يحصدون سوى الفشل والخيبة والعار..

يرشون روسيا بالصفقات المُغرية وبحصة وازنة في الشرق الأوسط لتعود أقوى من الاتحاد السوفياتي السابق مقابل رأس الأسد فترفض موسكو العرض، وكأن آل سعود أصبحوا أوصياء شرعيين على دول وشعوب المنطقة، وكأن "السعودية” امبراطورية تتيح لنفسها حق توزيع حصص لا تملكها وتقاسم نفوذ لا تستحقه مع من تعتقد أنها تستطيع شراء ذمّتهم لتحقيق أوهامها..هذا في الوقت الذي لم يعد بمقدور الولايات المتحدة برغم جبروت قوّتها أن تفرض هيمنتها على المنطقة، بفضل صمود وجهاد وإنجازات محور المقاومة، وقد رأينا بالمناسبة، كي خرج الوزير لافروف عن ديبلوماسيته المعهودة ووصف ‘آل سعود’ بـ”المنافقين الأنذال” من دون أن يسمّيهم.

وها قد وصل بـ’آل سعود’ الضلال مبلغه، بعد أن فقدوا العقل والرشد والبوصلة، فوجّهوا وجوههم شطر معقل اليهود الصهاينة في فلسطين المحتلة، ليعرضوا على أعداء الله والأمة التطبيع المجاني دون قيد أو شرط، متجاوزين بذلك حتى مبادرتهم الاستسلامية التي وضع مشروعها عاهلهم المقبور عبد الله بن عبد العزيز وتبنتها قمة النعاج العربية في بيروت عام 2002..

لقد وصل قلق ‘آل سعود’ وهاجسهم من إيران وحزب الله والمقاومات الشعبية في المنطقة درجة غير مسبوقة في ما يشبه العقدة الوجودية لدى "إسرائيل”، فوافق شنّ طبقة وسقطت كل الأقنعة، ورأينا كيف أنهم أماطوا عن وجوههم الكالحة اللثام وهرعوا يستنجدون بصهاينة الجسد في فلسطين، بالقفز عن حق الشعب الفلسطيني ومقدسات المسلمين، طلبا للعون والمساعدة على مواجهة إيران "الشيعية” التي أرهقت عقولهم البدائية وسرقت النوم من جفونهم المُترهّلة، ناهيك عن حزب الله العنيد الذي أرهبهم بانتصاراته الإلهية وقضّ مضاجعهم المخملية بخطاباته النارية، فاشتروا له قرارا أعرابيا وإسلامويا يُصنفه تنظيما "إرهابيا”.

غير أن ربّك كان لهم بالمرصاد هذه المرة، حيث أفشل سعيهم وفضح نيّتهم الخبيثة وعرّى عورتهم أمام العالمين، وأذلهم وأنزل الخزي والعار بهم، لدرجة أصبحت بقية الأنظمة "العربية” العميلة ترفض إخراج العلاقة مع "إسرائيل” من السّر إلى العلن خوفا من غضب الشعوب، ورأينا كيف أن العاهل المغربي رفض انعقاد قمة الأعراب في بلاده حتى لا تمرّر "السعودية” قرار التطبيع المجّاني مع "إسرائيل” الذي يعني حرفيا: التحالف مع الصهاينة المجرمين لمواجهة إيران ورجال الله المجاهدين في المنطقة، ضدا في شرائع السماء وقوانين الأرض والأعراف الإنسانية، وضدا في حقوق الشعوب وعدالة قضيتهم المركزية.

ثم رأينا كيف أن "السعودية” وعلى امتداد السنوات الخمسة الماضية، أنفقت مليارات الدولارات لتشويه صورة المقاومة واتهام إيران بدعم الإرهاب وزعزعة الأمن والاستقرار في دول الجوار، فجاءت النتيجة عكس كل التوقعات، مُخيّبة للآمال بما يثير السخرية والشفقة معا، وأصبحنا نفاجأ بالكم الهائل من المقالات والتقارير والدراسات التي تطالعنا بشكل شبه يومي من الغرب والشرق، تتهم النظام الوهابي الرجعي بالمسؤولية عمّا أصاب البشرية من شر الإرهاب.

هذا غيض من فيض أردنا به تذكير ‘آل سعود’ من خلال عنوان ومضمون المقال، أن الوقت قد حان كي يستفيقوا من غفلتهم، ويتوقفوا عن غيّهم وعُهرهم، ويعودوا لرشدهم، لأن اللعبة قاربت على الانتهاء، ولأن مصيرهم كما تؤكد كل المؤشرات أصبح قاب قوسين أو أدنى من السقوط السريع والمريع في الهاوية، وهذا من باب النصيحة الأخيرة كما قال سماحة السيد في آخر اطلالة له، كي لا يكون لهم على المؤمنين حجة يوم القيامة، لأن الدين النصيحة كما يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

لذلك فضّلنا عنونة هذا المقال بمقولة الرجل العادل والحكيم المتواضع عمر بن عبد العزيز رحمه الله، لما تزخر به من معاني عظيمة نُقدّمها كنصيحة لوجه الله، لـ’آل سعود’ المغرورين الذين أخذتهم العزة بالإثم فأوغلوا في الإجرام يزرون وازرة وزر أخرى، وكأن مُلكهم سيدوم مع ظلمهم وفسادهم الذي تزول من هوله الجبال، وكأن المال مبلغ علمهم ونعيم الدنيا آخر همّهم، متناسين أن الله يمهل ولا يهمل وأنه شديد العقاب، يُملي لهم حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فلا يجدون من يشفع لهم يوم الدين لا من شهود الدنيا ولا من شهود الآخرة، يوم لا ينفع الدولار ولا الريال ولا النسوان ولا العيال، يوم لن تحميهم من شمس الحقيقة لا المظلة الأمريكية ولا الطاقية اليهودية.. يوم لا ينجو من العذاب المهين إلا من أتى الله بقلب سليم.

ومع ذلك، ورغم كل ذلك، نرى أنه من واجبنا تقديم النصيحة لهم، اقتداءا بأخلاق قائد المقاومة سماحة السيد حسن نصر الله الذي أبى إلا أن يكون حليما من موقع المنتصر القوي، لينصحهم في إطلالته الأخيرة بأخذ الدروس والعبر ممّا حصل في المنطقة والكف عن التمادي في مغامراتهم التخريبية ضد الدول العربية والإسلامية.

وهذه فرصة أخيرة تعطى لـ”آل سعود’ من قبل سماحته قبل فوات الأوان، خصوصا بعد الإنجازات العظيمة التي حققها محور المقاومة في أم المعارك بحلب مؤخرا، وما أدراك ما تمثله حلب من رمزية بالنسبة لـ’آل سعود’ الذين يراهنون على إخضاع المنطقة لهيمنة "إسرائيل”، هذا في ما كان السلطان أردوغان يحلم بضمّها بمعية الموصل إلى إمبراطوريته العثمانية، فخيّب رجال الله ظنه، ورأينا كيف باعته أمريكا للعسكر كي لا يبقى في الشرق من قوّة توازي قوّة "إسرائيل الكبرى” كما تمنى هنري كيسنجر في إطلالته الأخيرة، ولم يبقى إلا إيران وروسيا ليكتمل المشهد وتتحقق الرؤية التوراتية الزائفة، و’آل سعود’ قبلوا صاغرين بأن يكونوا خداما مخلصين لسدنة الهيكل، يذبحون العرب والمسلمين والمسيحيين قربانا ليهوه، ليكون المجد لعرق اليهود "النقيّ” على بقية أعراق المنطقة "الأممية” الهجينة.

وتقديم النصيحة في هذا الظرف الدقيق الذي قارب فيه مشروع "الشرق الأوسط الجديد” من السقوط، لا يعني أن ‘آل سعود’ سيعملون بها، لأنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، إنما تدخل في باب إلقاء الحجة ليس إلا، عملا بأمر الله واقتداءا بسنة نبيه الكريم وبأخلاق سماحة السيد حسن نصر الله بما يتمتع به من مكانة عند الله الذي اختاره من ذرية الإمام الحسين عليه السلام سبط النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، لينقذ سفينة الأمة من الغرق والفناء، بمعية الولي الصالح الإمام خامنئي دام ظله، والرئيس المجاهد بشار الأسد، وأجناد الله الشرفاء في لبنان وفلسطين وسورية والعراق واليمن، الذين قدّموا الدماء الزكية وضحّوا بشبابهم وحقهم في طيب العيش ودفعوا أرواحهم الطاهرة ثمنا لتعيش الأمة عزيزة كريمة، وهذا هو معنى قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، أن الخير في أمتي إلى أن تقوم الساعة.

لأنه بتقديم النصيحة، إنما نسجّل موقفا مُشرّفا إلى جانب سماحته، ومفاده، أن الشرفاء من أمة محمد الذين لم ينالوا شرف حمل البندقية، هم أيضا كل من موقعه، يرفضون أن يكونوا شهود زور على خيانة وتآمر وإجرام آل سعود، راجين من الله أن يتقبلنا شهودا عنده يوم الدينونة الكبرى ويحشرنا مع الشهداء، وذلك عملا بأمره الذي حثنا فيه على أن نجاهد الكفرة والطغاة الظلمة بمنطق القرآن، لقوله تعالى: (وجاهدهم به جهادا كبيرا) الفرقان: 52.

والذين يعيبون علينا اللجوء إلى منطق القرآن الحق ويطالبوننا التزام منطق السياسة المنافق من تجار الحرف، هؤلاء من حيث يدرون أو لا يدرون، يرفضون أن يكون لله دخل في شؤون الخلق، متجاهلين عن جهل أو عن عمد، أنه هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وأنه هو الحكيم العليم المُدبّر، وأن كل ما يحدث في السماوات والأرض يحدث بأمره، وأن لا شيئ يجري في التاريخ من خارج إرادته ومشيئته، لأنه وكما وصف نفسه.. هو على كل شيئ قدير.

وهذا بالتحديد هو ما حثنا عليه سماحة السيد بين ثنايا الخطاب، لنكون في مستوى مسؤولية حمل الأمانة والوفاء بعهد الله.. ونعني بذلك الأمانة التي قبلنا بها في عالم الأنوار العلوية ونحن بين يدي ربنا في القيامة الأولى قبل النزول إلى فضاء الأرض، لقوله تعالى في سورة الأحزاب، آية: 72 (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)، وهي ذات المناسبة التي شهدنا في حضرة الجلالة في عالم الأنوار العلوية بعد الخروج من العدم، بأن الله هو ربنا دون سواه، والتزمنا بحفظ هذا العهد وصيانته، لقوله تعالى في سورة الأعراف، آية: 172 (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين).. فكيف لنا أن ننسى وربّنا يذكّرنا بشهادتنا في حضرته في كل وقت وحين من خلال تلاوة وتدبّر القرآن؟..

وبالتالي، كيف نقبل لأحد من أمتنا أن يستبدل الربوبية لله بالربوبية لأمريكا كما فعل ‘آل سعود’؟..