«اسرائيل»: اذا دخلنا لبنان….بعد ساعتين سنعود في توابيت
محمود زيات
أي مستوى من الهزيمة تحققت في تموز العام 2006؟… لتدفع بكبار جنرالات الحرب الاسرائيليين، مرورا بضباط وجنود فرق النخبة التي يفخر قادة الاحتلال بكفاءاتها ومهاراتها القتالية للقول «…شعرنا اننا كالفئران… لقد كانت اشجار الزيتون تطلق النار علينا… لقد شاهدنا شيئا يشبه الجحيم… لقد كنا نقاتل اشباحا».
تحفل الذاكرة الاسرائيلية بالكثير من الغباء، وهي تكاد تكون متخمة بالتزوير… حتى على المجتمع الاسرائيلي، سيما في نتائج الحروب التي شنها الاسرائيليون على لبنان، بدءا من المرحلة التي غزت فيها قواتهم لبنان في حزيران العام 1982، والتي انتهت بتحرير معظم المناطق اللبنانية في العاصمة بيروت والجبل والبقاع الغربي ومناطق واسعة من الجنوب، بفعل ضربات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، مرورا بالعدوان الجوي في العام تموز العام 1993 وما تلاه من عدوان آخر في نيسان العام 1996، مرورا بالاعتداءات واسعة في العام 1999، وسُجل في تاريخهم اكبر الهزائم العسكرية والمعنوية في ايار العام 2000، يوم انهارت قوات الاحتلال وميليشياتها بفعل ضربات المقاومة الاسلامية.
وما يميز تلك الذاكرة، انهم في الحروب مع لبنان من خلال خوض المواجهات ضد «حزب الله»، لم يجنوا الا الهزائم الموصوفة التي اوصلتهم الى «قواعد اشتباك» لم تكن مرغوبة لديهم، بل انها تحولت الى عنوان ادانة للقيادتين السياسية والعسكرية من قبل الجمهور الاسرائيلي، حتى غدت ذاكرة مثقوبة لا ينفع معها اخذ الدروس والعبر واستخلاص النتائج التي يمكن ان يُبنى عليها استراتيجيات تمكنهم من استعادة بعض الهيبة التي كُسرت في حرب تموز… ثلاثة وثلاثون، هي يوميات العدوان الاسرائيلي على لبنان، الحافلة بالكثير من صُوَر الهزيمة الاسرائيلية التي عبرت عنها شهادات قدمها ضباط وجنود اسرائيليون شاركوا في الحرب، شهادات اسرائيلية تتوالى فصولا عاما بعد عام، كافية لتعطي الدلالات الواضحة على حجم الهزيمة التي خرجت بها «فرق النخبة» في الجيش الاسرائيلي، التي فاخر بكفاءاتها جنرالات الحرب… شهادات تكشف حجم الضغط النفسي المرعب الذي عاشوه طيلة ايام الحرب… وهم يقاتلون اشباحا!… «لقد كنا نقاتل ضد الاشباح»، هي العبارة الاكثر شهرة التي تم تداولها في اوساط جنود الاحتلال الذين توغلوا ضمن فرق النخبة في الجيش الاسرائيلي، باتجاه مارون الراس وبنت جبيل، ويقول جندي: في شهادة له عن حرب تموز العام 2006… لقد رأيت مقاتلي «حزب الله» بالمنظار، هم شبان في جيل العشرينات، لقد كان القتال معهم قاسيا في اغلب الاحيان، لانه قتال ضد قوة اشباح!.
… بقوة، تحضر يوميات العدوان على لبنان قبل عشر سنوات، في العقل الاسرائيلي المنشغل باعداد العدة العسكرية والنفسية لخوض حرب جديدة، باتت حساباتها لدى قيادة الكيان الاسرائيلي معقدة ومتشعبة، سيما وان النظرة الى عدوهم «حزب الله» اليوم، تختلف عن النظرة التي كانت سائدة، وحسابات ما قبل تموز العام 2006، هي غيرها اليوم، في ضوء التقارير والمتابعات الاسرائيلية، التي تُجمع على ان اي حرب جديدة مع «حزب الله»، ستدخل اسرائيل في حالة لم يألفها الجمهور الاسرائيلي من قبل، لان «حزب الله».. بات يشكل التهديد الاول على اسرائيل، وهو يمتلك ما يكفي لالحاق هزيمة جديدة باسرائيل.
مع الاسبوع الثالث للعدوان على لبنان في تموز العام 2006، ظنّت قوات الاحتلال الاسرائيلي انها تمكنت من احتلال اجزاء من مدينة بنت جبيل، فأجرت الترتيبات لحضور اركان العدو للاحتفال بـ «الحدث العسكري الاستراتيجي»، برفع العلم الاسرائيلي على احد منازل المدينة، كدلالة ! على انهم باتوا يسيطرون على «عاصمة المقاومة»… التسمية التي اطلقها امين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله على المدينة، لكنهم… وفجأة، اكتشفوا ان قواتهم محاصرة من كمائن المقاومة والخنادق التي يتحصن بها المقاومون الذين حوّلوا اليات الاحتلال الى كتل نارية، ليعترف العدو بمقتل تسعة من جنوده وجرح اكثر من 20 جريحا.
«بنت جبيل عوقبت بالتدمير… منها اُلصقت باسرائيل المقولة التي اطلقها نصرالله… اسرائيل اوهن من بيت العنكبوت»… يقول ضابط اسرائيلي شارك في الهجوم على محور مارون الراس ـ بنت جبيل، في شهادته عن الحرب… «ذهبنا إلى بنت جبيل ضمن عملية «خيوط الصلب» التي اُعدَّت للرد على خطاب «خيوط العنكبوت» الذي القاها (امين عام «حزب الله» السيد حسن) نصرالله، (غداة تحرير الجنوب في ايار العام 2000) والتدمير الذي لحق بالمدينة، لم يكن انتقاما بعملية «حزب الله» اسر جنديين اسرائيليين، وانما كان انتقاما شديدا على وصف اسرائيل بـ «اوهن من بيت العنكبوت»… لقد اختاروا مدينة لها رمزية يمكن للجنرالات ان يتحدوا فيها (السيد) نصرالله… لقد شعرنا ان اشجار الزيتون تطلق علينا النار، لقد سقط منا العديد من الجنود بين قتلى ومصابين، ورأيت رفاقي يتركون الجرحى ويفرون باتجاه مارون الراس».
وفي شهادة لجندي اسرائيلي لصحيفة «هآرتس» الصهيونية، ان ما واجهناه كان جحيما، فالنار كانت تطلق علينا من كل صوب»، ويقول جندي اخر عن مقاتلي «حزب الله» «انهم مقاتلون شرسون، يجيدون القتال ولا يتراجعون، بل يستبسلون، وهذا ما يرعبنا، رغم كثافة النيران التي نطلقها على المناطق التي يتمركزون فيها، انا اعرف «حزب الله» اكثر من كل الاسرائيليين انه عدو شرس ومرعب، انهم مدربون جيدا ومصممون على القتال، ولا يخافون شيئا»، ويجيب ردا على سؤال لمذيع تلفزيون العدو «… كنا عند مدخل المطلة، ورأيت الكثير من الجنود على حمالات الجرحى، مقاتلو «حزب الله» كانوا يقصفوننا دون توقف، وهم يعلمون مكان وجودنا بالضبط.. وكل مرة ننتقل الى نقطة مختلفة، فهذه رشقات دقيقة ولا أعلم لولا الدبابات ماذا كان سيحصل لقد تعرضنا لضربات قريبة جداً، كنا نشعر اننا كالفئران وكل لحظة صافرة إنذار لنهرع الى داخل الآلية، ويقول زميله: إذا دخلنا الى لبنان، وانا اقول ذلك بقناعة تامة، فإننا سنعود جميعاً بعد ساعتين في التوابيت، صاروخ الـ «كورنيت» سيُنهي المسألة، الجميع يعلم ذلك ولا يريد الحديث عنه، ويقول ضابط اسرائيلي: في حرب الـ 2006، شعرنا باحباط جراء عدم تمكننا من ايقاف «الكاتيوشا» والقضاء عليها، وكان هذا اكثر تعقيداً مما اعتقدنا، فنحن لا نقاتل ضد جيش انما ضد مجموعات حرب عصابات، نحن لا نقوم بالهجوم انما نقوم فقط بإنقاذ الجرحى، كل خلية تستطيع تدمير دبابتين ويكفي ان يسقط قتيل في كل دبابة لتشتغل كل الكتيبة بالانقاذ والتغطية، وهذا محبط جداً.