أردوغان يواجه الضغوط الخارجية بـ’التطهير’ داخلياً
حمزة الخنسا
لا تزال تركيا تهتز بفعل محاولة الإنقلاب الفاشلة التي ضربتها في منتصف تموز. الى اليوم، نجح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتطهير الجيش والقضاء والإعلام والتربية من "الإنقلابيين". صارت الدولة بمؤسساتها ذات لون واحد تقريباً، على الأقل في الشق المتعلّق بما يعتبره أردوغان "تهديداً وجودياً ومنافساً على مستوى العقيدة". لذا، اختار الرئيس التركي هوية أعدائه الإنقلابيين بدقة وعناية. من شأن الهجوم المضاد على "أعداء الدولة"، رسم مسار الحُكم الأردوغاني وتحديد نوع علاقاته داخلياً وخارجياً. جماعة الداعية الإسلامي فتح الله غولن (الكيان الموازي) خيار "ربيّح" داخلياً، وخسائره مقبولة خارجياً، وإنْ كانت صعبة.
حَسَمَ حزب "العدالة والتنمية" أمره، وحدّد أعداءه، معلناً أن غولن وجماعته هم مَن خطّط ونفّذ محاولة الإنقلاب الفاشلة، وبنى الحزب الإسلامي ردّة فعله وفقاً لهذا الإتهام. الإرتياح التام الذي يستند إليه الحزب الحاكم في تركيا، مردّه الى الدعم الكبير الذي تلقّاه من جميع ألوان الطيف السياسي والعرقي التركي في مواجهة الإنقلاب. أكثر من ذلك، يقول متابعون لملف الإنقلاب، إن ردّة الفعل السريعة لحكومة أردوغان ضد الإنقلاب واستلامها زمام المبادرة سريعاً ليلة تنفيذه، تؤكد التسريبات التي تحدّثت عن إمتلاكها معلومات مسبقة عن محاولة الإنقلاب وساعة صفرها. إستناداً الى هذه المعلومات، أعدّ أردوغان بالتعاون مع جهاز الإستخبارات والأطراف الموالية له داخل المؤسسة العسكرية وأجهزة الأمن الداخلي، خطّة محكمة لإجهاض الإنقلاب، تم تنفيذها بدقة.
أردوغان الذي كان يشعر بأنه لم يعدّ يمثّل حاجة ملحّة واستراتيجية للغرب في سياق المخطط العام لما يجري في المنطقة، والذي بدأت مشاكله تتزايد مع جيرانه، الأوروبيين منهم على وجه الخصوص، لم يتصرّف بصدمة ولم يقع تحت وطأة المفاجأة خلال أحداث الإنقلاب. يقول متابعون للملف، إن أردوغان بات متيقناً من أن محاولة الإطاحة به هي "صناعة تركية" صرفة، على الرغم من الشكوك التي تحوم حول الأداء الأميركي والأوروبي الذي رافق تنفيذ محاولة الإنقلاب، وعلى الرغم من التأكّد من وقوف واشنطن ومعها عواصم أوروبية عديدة، على ضفة البوسفور تراقب الأحداث في تركيا لتبنى موقفها النهائي بحسب تطورات الإنقلاب.
اردوغان يواجه الانقلاب
الجميع في تركيا اليوم، ينفي "نظرية المؤامرة" التي تقول بأن أردوغان نفّذ "مسرحية الانقلاب" للإستفادة من نتائجه. النتائج السلبية التي ترتّبت على هذه المحاولة، في السياسة والأمن والإقتصاد وفي العلاقات الخارجية، خصوصاً مع واشنطن، أكبر من أن تكون ثمناً لمساعي أردوغان في السيطرة على الحكم، وهو الأمر الذي كان يسير به الرجُل قبل الإنقلاب بيُسر ولكن ببطئ شديد، بعكس وتيرته السريعة في مرحلة ما بعد المحاولة الفاشلة.
على الرغم من التغييرات الجذرية التي يجريها أردوغان في شكل الدولة التركية ومؤسساتها، وعلى الرغم من ردّات الفعل المرتقبة من قوى سياسية معارضة لأردوغان لكنها سلّفته موقفاً داعماً ضد محاولة الإطاحة بحكمه، إلا أن أبرز ما ترتّب على خروج أردوغان سالماً من الإنقلاب، هو ما يتصل بعلاقات تركيا الخارجية وتحالفاتها التقليدية وعداواتها المستجدة.
في هذا السياق، تقول المصادر إنه من المبكر تحديد وجهة الخيارات التي سيعتمدها أردوغان في ملف العلاقة مع القوى الخارجية. تلفت الى أن هذا النوع من العلاقات تحدّد ملامحه إعتبارات أكثر تعقيداً من العلاقات الداخلية التي من شأن استدارة الحُكم الى الداخل قليلاً، ترتيبها وتنظيمها. تتوقف المصادر عند موقف كل من روسيا وإيران من الإنقلاب في لحظته الأولى، في المقابل التريّث الأميركي - الأوروبي بداية، ومن ثم الإنتقال الى إدانة ردود فعل الحكومة التركية على الإنقلاب والضغط عليها في هذا السياق.
تبادل الإتهامات بين واشنطن وأنقرة على خلفية محاولة الإنقلاب، وتحميل الأخيرة الأميركيين مسؤولية ما جرى من زاوية وجود المتهم الأساسي، فتح الله غولن، على الأراضي الأميركية، لا يعني بالضرورة ذهاب العلاقات الأميركية - التركية نحو القطيعة مباشرة. كذلك الأمر بالنسبة الى العلاقة مع الإتحاد الأوروبي. لكن علاقة تركيا - أردوغان مع الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، لن تستقر قريباً. يتهم الأتراك الأميركيين والأوروبيين بالعمل على إفشال المشروع "الإسلامي المعتدل" الذي يمثّله أردوغان. في حين بدأ الأوروبيون والأميركيون يتحدّثون عن ضرورة الحفاظ على هوية الدولة التركية العلمانية وحمايتها.
اللا ثقة هو الثابت الوحيد الذي يحكم العلاقة التركية - الأميركية - الأوروبية. تقول المصادر إن ثمّة شعور عارم في كواليس الحكم في أنقرة بأن محاولات الإنقلاب لن تقف عند ما حصل في ليل الجمعة 15 تموز. يعيش أردوغان وأركان حزبه القلق الدائم من "المؤامرة" التي تحضّر لهم، والتي يعتقدون بأن الجيش سيكون أداتها. لدى أردوغان ما يكفي من الإشارات لتغذية شعوره هذا وتعاظمه، خصوصاً مع سقوط "تركيا النموذج" التي قدّمها الغرب للشعوب العربية على أعتاب "الربيع العربي". لذا، يبالغ أردوغان في ردّة فعله على الإنقلاب، فهو أطلق حملة تطهير وواسعة طالعت عشرات الالاف من العسكريين (جنرالات وأميرالات) والقضاة والأساتذة الجامعيين والإعلاميين والصحافيين.
يعرف أردوغان أنه بعد تقلّص دوره وتمدّد مشاكله، فإن الغرب لن يدعه يحكم وحيداً مرتاحاً، وأنه سيواجه مرحلة ممتدة من عدم الإستقرار. ويُدرك مَن يدور في فلكه بأن واشنطن ستسعى الى إشغاله وإضعافه وتحجيمه لجعله مطواعاً وأكثر استجابة لها. في المقابل، يسعى "حاكم تركيا" الى الإستدارة قليلاً صوب روسيا وإيران، والمضي قدماً في سياسة تطهير البلاد من أي شخصية أو قوى قد تجد فيها واشنطن بديلاً له.. على قاعدة: أنا أو الفوضى!