kayhan.ir

رمز الخبر: 42496
تأريخ النشر : 2016July27 - 21:31
في ذكرى استشهاد مؤسس الطائفة الامام جعفر الصادق (ع)..

الشيعة لن تركع إلا لله مهما تفرعن الطغاة



* جميل ظاهري

الامام السادس من أئمة الأنوار الربانية جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليهم السلام، قائد المذهب الجعفري الذي ننتمي اليه ونعيش هذه الأيام ذكرى استشهاده الأليم والمفجع على يد أحد أعتى جبابرة الحكم العباسي التابعين للنهج الأموية أحفاد ذوات الأعلام وآكلات الأكباد، "المنصور الدوانيقي" بدس السم اليه بعد أن فشلت المحاولات لاغتياله (ع)، ومنها محاولة قتل الامام (ع) وأهل بيته جميعاً باحراق الدار عليهم، ما أعاد للذاكرة كمأساة إحراق بيت الوحي والنبوة على يد الثاني دون إكتراث لوجود بنت الرسول (ص) الوحيدة وروحه التي بين جنبيه فاطمة الزهراء (ع)، وكذلك تجسيداً لما فعل الحاكم الأموي الفاسق الفاجر مداعب القردة "يظيط بن معاوية" ظهر عاشوراء في خيام آل الرسول بعد قتلهم لحفيد النبي الأكرم (ص) وتقطيع أوصاله ومن معه من أهل بيته وانصاره عليهم السلام أجمعين.

الامام جعفر بن محمد الصادق (ع)، هو بحر طامٍ عمّ جوده وبدرٍ سام أشرق وجوده، أمام شمس المعارف الكبرى وأستاذ الأئمة وقائد جميع الأمة، الذي لم يُرَ إلا صائماً أو قائماً أو قارئاً للقرآن الكريم. منهله عذب لرواده، ومنتج لقصاده. يزدحم أهل الفضل في رحابه، ويشرفون بتقبيل أعتابه. والكل يرجعون بطاناً مرويّين يشهدون بقوة حجته وشدة عارضته، يذعنون له تسليماً واطمئناناً، ويعترفون بمرجعيته تقديراً واحتراماً. وعاشر ايام حياته من ملوك أمية وبني العباس وهم:من بني أمية: هشام بن عبد الملك، يزيد بن عبد الملك الملقب بالناقص، إبراهيم بن الوليد، مروان بن محمد الملقب بالحمار، ومن بني العباس: السفاح، والمنصور الدوانيقي.

فجر الامام جعفر بن محمد (ع) ينابيع العلم والحكمة في الأرض وفتح للناس أبواباً من العلوم لم يعهدوها من قبل وقد ملأ الدنيا بعلمه" كما يقول الجاحظ، وانصبّت اهتمامات الامام (ع) على إعداد قيادات واعية ودعاة مخلصين يحملون رسالة الإسلام المحمدي الأصيل الى جميع الحواضر الإسلامية مرشدين ومعلّمين في سبيل نشر مفاهيم العقيدة وأحكام الشريعة.. كما تركزت جهوده (ع) العلمية في مختلف الاختصاصات من فلسفة وعلم الكلام والطب والرياضيات والكيمياء بالاضافة الى وضع القواعد والأصول الاجتهادية والفقهية كركيزة متينة للتشريع الإسلامي تضمن بقاءه واستمراره.

وقد اشتهر من طلابه علماء أفذاذ في مختلف العلوم والفنون، فالى جانب العلوم الدينية، كان الامام الصادق (ع) عالماً فذاً في ميادين العلوم الدنيوية العديدة مثل: الرياضايات، والفلسفة، وعلم الفلك، والخيمياء والكيمياء، وغيرها حيث حضر مجالسه العديد من أبرز علماء عصره وتتلمذوا على يده، ومن هؤلاء أشهر كيميائي عند المسلمين أبو موسى جابر بن حيَّان المُلقب بأبي الكيمياء، وكذلك المفضل بن عمرو وهشام بن الحكم ومحمد بن مسلم وعبد الله بن سنان، كما نهل من علومه مالك بن أنس وشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة ومالك بن أنس، بالإضافة إلى واصل بن عطاء مؤسس مذهب المعتزلة.. ونقل عنه عدد كبير من العلماء أمثال أبي يزيد ومالك والشافعي والبسطامي وابراهيم بن أدهم ومالك بن دينار وأبي عيينة ومحمد بن الحسن الشيباني. وقد بلغ مجموعة تلامذته أربعة آلاف تلميذ، مما حدا بمالك بن أنس الى القول: "ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق (ع) فضلاً وعلماً وورعاً وعبادة"؛ كما قال الحسن الوشّاء عند مروره بمسجد الكوفة:"أدركت في هذا المسجد 900 شيخ كلهم يقول: "حدثني جعفر بن محمد".

ويرى كبار علماء أهل السنة والجماعة ومنهم الذهبي، والنووي، وابن خلكان، والشبلنجي، ومحد الصبان، وسبط ابن الجوزي، ومحمَّد بن طلحة الشافعي، ومالك بن أنس إمام المالكية، وحسن بن زياد، وابن الصبّاغ المالكي والكثير غيرهم لا يتسع المقال لذكرهم جميعاً؛ قالوا: أن جعفر الصادق (ع) إمام من أئمة المسلمين، وعالم من علمائهم الكبار، وأنه ثقة مأمون، وأقوال أئمة الحديث فيه طافحة في الثناء والمدح (راجع شبكة الدفاع عن السنَّة: الإمام جعفر الصادق في نظر أهل السنة، ونور الأبصار ص 131، وإِسعاف الراغبين المطبوع على هامش نور الأبصار ص 208، وتذكرة خواصّ الاُمّة ص 192، ومطالب السؤول في مناقب آل الرسول: 436، والخلاف 1/33؛ ومناقب آل أبي طالب 3/396، وشرح إحقاق الحق 33/817، والكامل لابن عدي 2/132، تهذيب الكمال 5/79 و... الكثير من الكتب الاخرى.

ورغم كل هذه المنزلة الرفيعة والعالية للامام جعفر الصادق عليه السلام بين جميع مذاهب المسلمين دون استثناء إلا أن الوهابية التكفيرية قامت بجريمة اخرى وبالتعاون مع أسرة آل سعود الحاكمة الحاقدة على الاسلام والمسلمين برمتهم وتدعم الارهاب الذي يستبيح دماء الأمة من صغير وكبير وبشر وحجر دون استثاء؛ بهدم القباب التي كانت مبنيّة في البقيع وهي قبور بعض الصحابة والتابعين وآل البيت ومنها قبر الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) ووالده وجده وعمه عليهم السلام أجمعين.

ويستعرض كتاب (الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب) المكون من 422 صفحة، دراسة التراث الاسلامي العظيم ودوره في نهضة علوم العصر في عقلية وعملية ودراسة أكاديمية محورها جميعاً الإمام جعفر الصادق، وقد أتى ذلك من مجموعة من البحوث التي توافر على أعدادها علماء الاستشراق في الجامعات المختلفة، وألقوها في ندوة نظمتها جامعة "استراسبورغ" الفرنسية، ثم نشرتها في سفر ضخم يحمل طغراء الجامعة العريقة، تطرق فيه الى الكثير من النظريات الحديثة كنظرية نسبية الزمن ونظرية الضوء ونظريات الإمام حول أشعة النجوم وحركة الموجودات والبيئة وحول أسباب بعض الأمراض؛ الى جانب تناوله مناظراته مع الملحدة، وبعض الأبواب العقائدية والفقهية في الموت والفناء والشك واليقين والفلسفة والحكمة وغيرها.

كل ذلك هي رسالة واضح كوضوح الشمس من أن اتباع الامام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام لا يهابون التضحيات من أجل رفعة الدين وتحقيق العدالة السماوية بين البشرية وتطبيق ما أتى به خاتم المرسلين محمد (ص) وأبنائه أئمة الهداية والنور ومنابر العلم والجهاد ورفض الظلم والجبروت والطغيان والإنصياع والركون والانبطاح لغير الله سبحانه وتعالى، فترى حناجرهم تسطح عالية في ربوع المعمورة أن "لا نركع إلا لله" مهما تفرعن الطغاة والقتلة والمجرمين مهما كلفنا ذلك ثمناً، وهاهو شعب البحرين الأبي الذي يعيش القمع المعنف والقسوة الخليفية - السعودية المحتلة نموذجاً لهذه المدرسة الجعفرية ناهيك عما يفعله أبطال المقاومة الاسلامية في لبنان وسوريا والعراق واليمن الشجعان بالمعتدي والمحتل ولا يكترثون من التضحية والفداء من أجل الدين والعزة والكرامة إنطباقاً لصرخة "هيهات منا الذلة".

جميل ظاهري