kayhan.ir

رمز الخبر: 41896
تأريخ النشر : 2016July17 - 22:04

هل سيصير الخمر خلاً ؟!


حسين شريعتمداري

بالرغم من ملازمة عملية الانقلاب الفاشلة بتركيا الجمعة الماضية ليلاً، ودوافع القائمين عليه، الغموض، وتلف الضبابية الاجندة داخلية ام خارجية، لايستبعد المراقبون السياسيون كون ما حصل مسرحية دبرها اردوغان لتثبيت اركان حكمه المتزلزلة!

وبغض النظر عن ماهية الانقلاب إلا ان فشله يصنف في خانة الحضور الجماهيري السريع في الشارع، اذ حتى لو عرفنا الانقلاب بانه من عنديات اردوغان لايمكننا وصف التواجد الشعبي بانه امر متفق عليه من قبل بل ان حضورهم كان عفويا لمواجهة الانقلابيين.

والسؤال الذي يثار هنا انه لماذا هب الشعب وما هي دوافع حضوره الميداني؟

1 ــ لقد ووجهت تركيا منذ عام 1960 م باربعة انقلابات عسكرية كان اخرها ما حصل فبراير عام 1997 الذي عرف بـ "انقلاب ما بعد الحداثة" حيث اطيح بنجم الدين اربكان الاسلامي المشرب، حين عمدت عسكرتاريا التركية باجبار اربكان على التنحي من منصبه كرئيس للوزراء وتوجيه تهم للنظاميين الاسلاميين لتخطيهم النهج العلماني الذي تعبر المؤسسة العسكرية انها الحامية له، لتطرد هؤلاء الضباط من الجيش.

رئاسة وزراء اربكان كانت باكورة مرحلة جديدة في تركيا، اذ ووجهت رؤيته الاسلامية بترحاب شعبي وقطاع من العسكر.

وان لم تدم حكومته طويلا، الا انها مهدت الطريق من بعده لعبد الله غل ورجب طيب اردوغان لينتخبا كرئيس للجمهورية ورئيس للوزراء بشعارات اسلامية، حتى كتبت حينها"واشنطن بوست" ان فوز عبدالله غل واردوغان مرهون الحجاب الاسلامي الذي كانت زوجيهما يرتديانه في برامج السباق الانتخابي.

رويدا رويدا تملص اردوغان عن ما كان يرفعه من شعارات اسلامية، ليبقي ظاهرا اسلاميا مع الاصرار على الابقاء على الميول الغربية، لما تختمره ذهنيته في تجديد نمط الحكومة العثمانية. هذه المنهجية كلفته خسارة رفاق الدرب والنضال الحزبي كعبدالله غل.

ان نجم الدين اربكان رئيس الحكومة الاسلامي ومؤسس حزب الرفاه، الذي تتلمذ عليه عبدالله غل واردوغان، قبل ان يفارق الحياة عام 2011، كان يقلقه ما سيؤول اليه اردوغان، حين صرح باحتداد قائلا: "لقد كان اردوغان حِصرما كنت آمل ان يتحول الى عنب الاانه صار خمراً!".

2 ــ ان مواقف اردوغان خلال السنوات الماضية لم تسخط الشعب التركي المسلم لوحدة وانما تسببت في امتعاض الاحزاب العلمانية والوطنية، فدفاعه المستميت عن التحالف المناهض لسورية ودعمه الفاضح للمجاميع الارهابية لاسيما تنظيم داعش، فالى جانب جرائم التنظيم الوحشية وتوحيد المواقف مع النظام السعودي قاتل الاطفال، قد اضعف مكانة اردوغان بين اوساط الشعب التركي، حتى بلغ به الامر ان وجه انتقاده واعتراضه لاردوغان معتبريه سبب خذلانه وتصاغره امام العالم الاسلامي. هذا الوضع كان مستمرا حتى شهر سابق ومع مرور الايام ازدادت حدتها ونطاقها.

ان فشل داعش في سورية والعراق وتراجع فاعلية المجاميع التكفيرية وهو ما تحقق بفضل حضور المستشارين الايرانيين، صار كابوسا لاردوغان الذي تبنى خلال سنوات دعم الارهابيين في سورية والعراق، فيما تعامل الاتحاد الاوروبي مع اردوغان بشيء من الاستصغار،وهو الذي كان يستغل انضمام تركيا لحلف الناتو كشرطي للمنطقة، الا انه لم يعر اهمية لآمال تركيا في الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، فاعلن تهكما ً انه لربما يوافق على هذا الطلب بعد 300 عاماً! و... هذه الاهانة قوبلت بردود فعل واسعة للاعلام التركي، معللا هذا الامر لتجاوز اردوغان خطوط الهيبة التركية.

3 ــ كما ان اردوغان قد اعاد النظر في الاسابيع الثلاثة الماضية في سياساته السابقة. فبعد اشهر من ادارة الظهر لاصرار روسية على تقديم الاعتذار لها لسقوط الطائرة الروسية، اعتذر اردوغان رسميا من روسية، والاهم من ذلك التراجع الواضح عن المواقف السابقة ضد سورية، حيث اعلن رئيس الوزراء التركي "بن علي ايلدريم" في الثالث عشر من تموز الحالي، رسميا ان بلاده بصدد اقامة علاقات حسنة مع حكومة بشار الاسد في سورية. وكرر ذلك بعد يومين خلال حديث لوكالة الاناضول مشددا على نهج تركيا الجديد في سياستها الاقليمية، فقد قال ايلدريم: "ان امن العراق وسورية ضروري لاجل مكافحة الارهابيين".

4 ــ ونرد الآن في مخاض الاجابة على التساؤل بانه ما هي حيثية انقلاب الجمعة ليلا في تركيا، وباي دافع خرج الشعب للشارع؟

وهنا يعلو للسطح احتمالان؛ الاول؛ بان الانقلاب حركة شكلية قادتها حكومة اردوغان!

الثاني؛ ان الانقلابيين قد تحركوا باوامر من الخارج او الداخل، يقصدون اسقاط حكومة اردوغان.

وان ما نحاول معالجته في هذا المقال هو دوافع الحضور الجماهيري لمواجهة الانقلابيين.

فالحضور الواسع للشعب قبال الانقلابين حقيقة غير قابلة للانكار. وحتى لو احتملنا شكلية الانقلاب فمن المؤكدان الجماهير لم تكن على علم بذلك، اذ من البديهي ان مخططي سيناريو الانقلاب لم يفرغوا لاخبار جميع الناس ودعوتهم للحضور . من هنا فان حضور الشعب بغض النظر عن الدوافع سواء كان الانقلاب حقيقيا ام صوريا، قد حصل بدافع واحد يمكن هضمه، ومنشأوه قبل كل شيء، كراهية الشعب الممزوجة بالخوف من الحادث بتفسيريه، وهي اشبه بكابوس مزعج؛ الاول؛ ان الشعب التركي قد جرب حكومة العسكر المنبثقة من انقلابات عسكرية لاربع مرات وقد نجم عنها حكومات دكتاتورية متشددة.

الثاني؛ خشية الشعب من المجازر الشنيعة التي يرتكبها الارهابيون التكفيريون حيث يرجح وجودهم على الاراضي التركية اثر تلك الاعمال الارهابية التي شهدتها تركيا الفترة الماضية مما يعني اتساع نطاق تواجدهم فيما لونجح هذا الانقلاب العسكري الذي جاء تزامنا مع اعلان الحكومة التركية عن نيتها اعادة جسور الثقة مع حكومة السيد بشار الاسد وتحسين العلاقات مع العراق بغية مكافحة النشاطات الارهابية العاصفة بالمنطقة فضلا عن ان اردوغان قد قدم اعتذارا رسميا لروسيا اثر سقوط الطائرة الروسية ومقتل طيارها. لذا قد يكون الناس اعتبروا هذه المواقف سببا في انقلاب العسكر على حكومة انقرة الحالية.

5 ـ فهل ان حكومة اردوغان صادقة في مواقفها الاخيرة؟ وليس ميسورا الاجابة هنا على هذا التساؤل، اذ ان اردوغان قد اثبت مرارا خلال السنوات الماضية انه غير مبال لطموحات شعبه، ويحتمل ان تكون قرارات حكومته مؤخرا فصلا من مخططه الجديد او تكتيكا وليس ستراتيجية وهنا الحديث يدور حول حضور الشعب بغض النظر عن الدوافع الحقيقية لاردوغان.

6 ــ ولو افترضنا جدلا ان حكومة اردوغان قد استمرت في مواقفها السابقة اي الدعم الصريح لتنظيم داعش وسائر المجاميع التكفيرية، والاصرار على اسقاط الحكومة السورية مماهاة للارهابيين في العراق، وهنا نخرج بنتيجة قاطعة ان الشعب قد فاضل بين حكم الانقلابيين قبال مواقف حكومته، ورجح الدكتاتورية على تحمل الظل المشؤوم والوحشي لداعش على بلدهم، وهذا الامر، بغض النظر عن مصداقية اردوغان وعدمها في مواقفه الاخيرة، يمكن ان يكون درسا له، اذا لو كانت مواقفه للشهر الماضي حركة تكتيكية مخادعة ــ ولا يستبعد منه ذلك ــ كذلك يعتبر حضور الشعب قبال الانقلابيين بمثابة عدم القبول بمواقف اردوغان السابقة، واذا كان بصدد استحصال رضا الشعب وجذب دعمهم في خضم الحوادث، فعليه التخلي عن اعداء الاسلام والشعب نهائيا. فهل سيحصل ذلك؟

وهل ستتحول الخمرة التي اشار نجم الدين اربكان لها الى خل؟! حقا ان الحكم على هذا الامر يلزم زمانا اطول!