العــراق.. وطريـق الخـلاص المُتـاح
وانسجاما مع هذا التحول الخطير في المفاهيم لقتل روح الجهاد في الأمة وإفراغ عقيدتها الدينية من جوهرها، بدأت بعض الدول في تعديل مناهج "التربية الإسلامية” التي أصبحت تسمى اليوم "التربية الدينية” احتراما للأديان الأخرى كما يقول مُنظروها..
وكأن الله بعث رسله بأديان مختلفة وليس بدين واحد اسمه الإسلام الذي آمن به جميع الرسل والأنبياء من نوح صعودا إلى محمد هبوطا مرورا بإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الرسل والأنبياء مما نعلم ولا نعلم بدليل القرآن عليهم السلام جميعا، وكأن الله سبحانه وتعالى المنزه عن العبث كان في كل مرة يكتشف عدم صلاحية دينه لعصر ما يستبدله بدين آخر جديد، وهناك اعتقاد لدى عديد فقهاء المسلمين يقول بأن الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم أتى العرب بدين جديد وأن الإسلام هو غير الديانات السابقة، وهذا يعني أن الله سبحانه وتعالى عما يصف الجاهلون علوا كبيرا هو من أسس للحروب الدينية بين عباده وليس سوء فهم الفقهاء الذين تحولوا إلى سحرة يدجّنون الناس خدمة لأهواء الساسة ومتطلبات السياسة.. فهل هناك جهل أكبر من جهلنا؟..
وها نحن نرى اليوم كيف أن المغرب حذف من مناهجه التعليمية بضغوط أمريكية وصهيونية (سورة الفتح) لأنها تحرض على القتال وتوقف مفهوم البيعة على شرط الجهاد، و”أمير المؤمنين” في المغرب يريد أن يبايعه الشعب من دون التزام بشرط الجهاد، لا من أجل تحرير الأرض (سبتة ومليلية والجزر الجعفرية المحتلة من قبل إسبانيا) ولا من أجل تحرير القدس برغم أنه ورث لقب رئيس لجنة القدس عن والده المقبور الحسن الثاني في بدعة غير مسبوقة، وتبين أنه في عهده تهوّدت القدس وضاعت فلسطين وتحوّل باب المغاربة وحيّهم الذي أقاموه زمن التحرير الثاني في عهد صلاح الدين إلى حي لليهود الصهاينة.
ورأينا كيف أن وزير الثقافة المصري طالب هذا الأسبوع أيضا الحكومة بضرورة مراجعة مناهج التربية الدينية، ووصلت به الوقاحة حد المطالبة بحذف آيات الجهاد من القرآن الكريم لأنها لم تعد مناسبة للعصر.. وهذا هو بيت القصيد، لأن المطلوب اليوم هو إعادة النظر ليس في الموروث الخاطئ من التراث وتنقيته، بل إعادة النظر في كلام الله الذي يمثل الحقيقة المطلقة ولا يمكن أن يصح إيمان المسلم إلا إذا أخد به كاملا غير منقوص، ما دام الله تعهد بحفظه كي لا يتطاول عليه الكهنة المتأسلمين كما حدث زمن الحاخامات والكهنة مع الرسالات السابقة.
وسوء فهم القرآن واعتماد الموروث من العجائبي والغرائبي الذي تزخر به التفاسير المكرورة والمجترة التي تزخر بها المكتبات العربية حد التخمة لا يجعل من القرآن مادة للبتر والتعديل نزولا عند رغبة أمريكا والغرب الأطلسي والصهاينة اليهود، بل المطلوب هو العودة للقرآن بقوة، لأنه هو الفاصل في الخلافات بين الرسالات والمذاهب أيضا، ولو قام المسلمون بهذا المجهود لتنقية العقيدة وتصحيح الفهم لما اختلفوا كما اختلف الذين من قبلهم بعد أن جاءتهم البينات من ربهم فأصابهم الله بالعذاب كما أصاب أمة العرب اليوم.
لا أريد أن أدخل في نقاش هذا الموضوع من كافة جوانبه التي يطول شرحها، لكنني أكتفي بتسجيل هذه الملاحظة الهامة والخطيرة، وأتركها للتأمل والمناقشة المفتوحة..
هذا في ما له علاقة بإشكالية الاختلاف الذي ظهر بظهور المذاهب، ولا سبيل لتجاوزه إلا بالعودة لتحكيم آيات القرآن في الثوابت والمبادئ، بدءا بالمحكم وانتهاءا بالمتشابه، لنتمكن كأمة من تصحيح المفاهيم كي نتكلم بلغة دينية واحدة، مرورا بالسنن الإلهية لنفهم أوضاعنا وواقعنا السياسي اليوم ونستفيد من تجارب الأمم السابقة ونؤسس على ضوئها رؤيتنا لمستقبل أمتنا، وانتهاء بالشرائع التي لا تختلف في مسار الكون والتكوين من رسالة إلى أخرى إلا في بعض التفاصيل الظرفية البسيطة، لأن آيات الكتاب الحكيم هي الفيصل بين المسلمين جميعا بمن فيهم أهل الكتاب الذي هم مسلمون أيضا بشهادة القرآن والفارق يكمن فقط في الخلط القائم بين العقل والإيمان، وذلك على أساس التفسير بآليات العقل والمنطق في ما يتعلق بالسنن والشرائع، والتأويل بنور الفهم والإدراك الذي يقذفه الله بنور الوحي في قلوب العارفين المخلصين في ما يتعلق بجوهر العقيدة وبواطن الحقائق كما هي على حقيقتها لا كمى تراها الحواس المجردة.
*** / ***
ما في ما له علاقة بالسياسة، فقدر العراقيين اليوم أن يتركوا كل خلافاتهم جانبا ويتوحدوا على قلب رجل واحد ليبعث الله فبهم رجلا حكيما وقائدا مصلحا، لأنه كيفما تكونوا يولّى عليكم كما قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جرّبتهم نظام العسكر زمن صدام وعانيتم من ظلمه وجبروته، وجرّبتم نظام المحاصصة الطائفية اليوم وعانيتم من فساده وعمالته، وآن الأوان لأن تقلبوا الطاولة على الجميع وتجرّبوا نظاما جديدا بقيادة ربانية رشيدة تصلح حالكم وتقود سفينتكم إلى بر الأمان من أجل مستقبلكم ومستقبل أبنائكم وأحفادكم، حتى لو اضطررتم لاختيار قيادة جماعية مرحلية من صفوة العلماء ورجال الدولة الصالحين ليضعوا رؤية جديدة لعراق المستقبل.
وبالمناسبة، تذكروا أن بلدكم هو بلد أب الأنبياء والرسل إبراهيم الخليل عليه السلام الذي ولد في مدينة ‘أور’ وعاش بها قبل الهجرة، وهو صاحب العهد الإلهي الذي لم ينله أحد من البشرية غيره، وقد حافظ عليه وأورثه الله لذريته من عباده الصالحين وقال له أنه لن ينال عهدي الظالمين.. وهذا يعني أن القيادة الحكيمة التي تستحق عهد الله للإمامة تكون من اختصاص السماء، فهي من تختارها حين تتوفر الظروف والشروط لذلك، وأولاه الاعتصام بالقرآن الذي هو حبل الله المتين الذي لا يضل من تمسك به، وثانيها الولاء لله ورسوله والذين آمنو بدل الولاء لأعداء الله والأمة، وآخرها العدل والإحسان الذي يعني الرحمة والمحبة والاحترام بين الناس، لأن الله محبة جعل عرشه في قلب العبد المحب حين ضاق به الكون برحابته وفق الحديث القدسي الذي يخاطب فيه الله نبيه داوُد عليه السلام، ومعنى كلمة داوُد أو داوود أو داؤود هو: "المحبوب”.
وفي هذا الصدد، لا أريد أن أغوص عميقا في التاريخ لاستخراج بعد الدروس والعبر، لكني أدعوكم لتأمّل تجربة إيران التي هي بجواركم، والتي نجحت أيما نجاح على كل المستويات والصعد، وأصبحت دولة إقليمية كبرى في بضع سنين حين التفّ الشعب الإيراني المؤمن حول قيادة ربانية رشيدة زمن القائد الخميني رحمه الله، وأنعم الله على هذا الشعب المؤمن بعده بوارث سره القائد الخامنئي الذي حافظ على عهد ربه وحمى الثورة وصان الأمانة وواجه الاستكبار العالمي ومؤامراته الخبيثة وانتصر بالصبر والحكمة وحث شعبه على العلم والمعرفة والجهاد والمجاهدة، وفرض بلاده كقوة إقليمية عظمى في المعادلة الدولية بجدارة واقتدار، هذا في الوقت الذي انهارت الدولة في الوطن العربي ولم يعد لها من وجود يذكر لا بالمفهوم السياسي ولا الحضاري.
ثم لاحظوا كيف أن الروس عندما استبدّ الظلم بالشعب ونخر الفساد طبقتهم السياسية والعسكرية انهارت امبراطوريتهم في حرب أفغانستان بسرعة لم يكن يتوقعها المراقبون، وكان لهذا الانهيار وقع الكارثة على العالم كله، لأنه أخلّ بالتوازن الدولي وفتح الباب واسعا أمام استكبار وجبروت وأطماع وهيمنة الولايات المتحدة التي أصبحت القوة العظمى الوحيدة المستأثرة بالقرار السياسي والاقتصادي العالمي، فبلغ بها الغرور مبلغه لدرجت اعتبرت هيمنتها على العالم وفرض نظام العولمة بمثابة نهاية التاريخ، وأجبرت الحكومات والشعوب بالحروب المباشرة والناعمة على اعتناق عقيدتها واتباع أنموذجها الحضاري النهائي الذي يبشر بالحرية والديمقراطية على الطريقة الأمريكية التي خبرها العراقيون إبّان الاحتلال ويعيشون اليوم تداعيات دستورها الطائفي الديمقراطي جدا.
لكن، وهذا أمر في غاية الأهمية يمكن للعراقيين الاستفادة منه، لأنه يؤكد سنة الله في التاريخ والخلق، ومفاده، أنه وبمجرد أن اختار الشعب الروسي رجلا قويا وحكيما ووطنيا مخلصا كالرئيس المؤمن فلاديمير بوتين، حتى انبعثت روسيا من الرماد كطائر العنقاء، وأصبحت في بضع سنين فقط قوة دولية عظمى، وها هي اليوم تعمل بمعية إيران والصين وحلفائها في آسيا الوسطى والقوقاز على فرض منظومة جديدة لعالم متعدد الأقطاب من أجل أن يسود العالم العدل والسلام والمحبة والاحترام، وينتهي عصر الجبروت والطغيان والفساد والاستكبار.. وهي الدولة التي عرضت المساعدة الجدية في محاربة العراق ورفضها العميل العبادي خوفا من الأمريكي الذي يتحكم فيه كدمية صغيرة بلا وزن ولا قيمة.
أما السر في ذلك، فيكمن في ما قاله القس ‘يوري كرافاليس’ من جمهورية ‘لاتفيا’ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في برسالة دوّن فيها تنبؤاته لمستقبل روسيا وشرح فيها ما سيواجهه الروس في مستقبلهم المنظور والبعيد. والحقيقة أن نبوءات هذا الرجل المؤمن تنطلق من فهمه العميق لسنن الله في الخلق والذي لخصها في المقولة التالية: "لقد أعدّ الله لروسيا العظماء من الرجال الذين سيحظون بأدوارهم في الحكومة وقطاع الأعمال وخدمة الكنيسة، ويعكفون على تطوير علاقات حكيمة تربط الأمة الروسية بالأمم الأخرى انطلاقا من المصالح المشتركة”. مضيفا: "أن الروس سيواجهون مرحلة عصيبة للغاية ستترافق مع بعض الأحداث المأساوية التي يصعب في الوقت الراهن إماطة اللثام عنها لتتضح صورتها بالكامل، لكن ستعقبها حقبة جديدة من الازدهار غير المسبوق، ستتمكن روسيا خلالها من حل جميع مشاكلها الدولية بيسر وسهولة، كما ستساعد الدول الأخرى في تسوية مشاكلها”.
والحقيقة أن ما قاله هذا الرجل لا يختلف في شيئ عن جوهر ما قاله العالم ابن خلدون حين أكد أن القيادة الحكيمة والحكم الرشيد مسألة تتولاها السماء لأن عهد الله لا يناله إلا عباد الله المخلصين لا الظالمين، والله وحده هو من يبعث للأمة الرجل الصالح الذي يقودها نحو النهضة والازدهار كلما توفرت شروط ذلك، وقد تحدثنا عنها آنفا في سياق هذا المقال.
*** / ***
وفي الختام، أوجه تحية تقدير ومحبة واحترام للعالم الجليل رئيس جماعة علماء العراق الشيخ خالد الملا المحترم، على محبته لوطنه وإخلاصه لشعبه وانشغاله بقضايا أمته وعيرته على دينه، وأثمن عاليا اقتراحه القاضي بإنشاء "غرفة عمليات ضد التطرف”، لكن على أن تقتصر في المرحلة الأولى على علماء العراق وبعض الحكماء من رجاله الشرفاء من ذوي الاختصاص لكي تنجح التجربة، ويمكن الاستفادة منها في حال نجاحها لتشمل دولا صديقة أخرى، على أن لا تكتفي هذه الغرفة بالجوانب الفكرية الدينية فحسب، بل تضع رؤية سياسية جامعة لعراق جديد يجتمع حولها الشعب العراقي العظيم حتى لا يتفرق شيعا بين دعاة الفتنة والفرقة سواء من "سنة الوهابية” أو "شيعة السفارة”.. والخطاب الديني الجامع هو الوحيد القادر على لعب دور محفز ومحرك لاستنهاض الشعب العراقي المنكوب في هذا الاتجاه الثوري المبارك.
هذا هو الحل الناجع الذي يبدو واعدا في هذه المرحلة، لأن الشعب العراقي شعب مؤمن وعالم في نفس الوقت، يحترم مرجعياته الدينية ويلتزم بتوجيهاتها وله رؤية واضحة لما يريد أن يكون عليه العراق المستقبل ومستعد للمساهمة في بنائه بتفان وإخلاص بعيدا عن العملاء والمنافقين والسماسرة الفاسدين.
فتوكلوا على الله أيها الشرفاء وروّجوا لهذه الفكرة الرائعة على مواقع التواصل الاجتماعي وفي كل المحافل بقوة، وساهموا في إنجاحها بفعالية، فلا خلاص لكم إلا بها.. وبالله التوفيق.