kayhan.ir

رمز الخبر: 36478
تأريخ النشر : 2016April06 - 20:20

تكامل الجبهات في خدمة البيئات .. لصالح الإستراتيجيات .


حسن شقير

تتسارع التطورات الميدانية في كل من سوريا والعراق ، بشكل يلامس مستوى من التكافل والتكامل في أنٍ معاً ، وذلك على مقلبي الشرق والغرب لكلا البلدين ..

لعل المراقب لما يحدث من انتصارات ٍ متسارعة في تلك الجبهات على حساب الإرهاب الداعشي ، والذي هو لصالح الدولتين الجارتين ، والمصابتين بالداء نفسه … يلحظ بأن غرفة العمليات المشتركة في بغداد ، والتي شُكلت على مسافة يومين ، قبيل إعلان التدخل الروسي في سوريا ، والتي تعمل وفق تنسيق عال ٍ في خدمة أهداف أبعد من تلك الحرب على الإرهاب ، ومحاولات اجتثاثه من سوريا والعراق معاً ، إنما يتخطاه – بتقديري – إلى تحقيق أهدافٍ بعيدة المدى .. مرصودةٌ ، ومتفقٌ عليها من قبل الدول الأربع في هذه الغرفة ( إيران – روسيا – العراق – سوريا ) … وشاهدنا على ذلك ، كان قد جاء على لسان وزير خارجية روسيا ، على أعقاب الزيارة الأخيرة لوزير خارجية أمريكا إلى موسكو ، ولقاء الساعات الأربع مع الرئيس بوتين .. وذلك عندما قال " أن الحل في سوريا لابد أن يخدم مصالحنا ، ومصالح شركاؤنا أيضاً " .

إنطلاقاً من هذه القاعدة – الأساس ، كانت الشراكة في الحرب على الإرهاب ، وبالتالي ، لابد لنتائجها أن تكون لصالح هؤلاء جميعاً ، وذلك لما ثبته لافروف في تصريحه المشار إليه سابقاً ..

بناءً على ما تقدم ، سار الميدانين السوري والعراقي ، تحت ظل الجناحين الروسي والإيراني ، وبخطى ثابتة ،وذلك في خدمة هذه القاعدة ، ففي المشهد العراقي ، وبعد تمدد الحنش الداعشي من الأنبار العراقية نحو حمص السورية ، والذي كاد أن يرفد رأسه في الجرود على الحدود اللبنانية ..وذلك لولا أن تدراكته سوريا ومعها القوى المساندة في مهين ، ولتبدأ فيها هذه القوات بتطبيق استراتيجية عسكرية تكاملية مع القوات العراقية في الأنبار ، والتي كنت قد افترضت حدوثها بعيد أيام قليلة من غزو الدواعش لتدمر السورية ، وذلك عندما كتبت في ٠١-٠٦-٢٠١٥ ، حول " وجهة الحنش الداعشي … واستراتيجية إطباق الثغر والإستدارة " ، لتشتعل بعدها النيران في ذيل هذا الحنش ( معركة الأنبار ) ويُطبق ثغره في الحدود مع لبنان ، وذلك بمنع تضخم عنقه في مهين ، ويُحجّم رأسه في معركة الجرود ، وصولاً إلى بتر جذعه مؤخراً في تدمر والقريتين على حد سواء ..

كثرت التحليلات مؤخراً حول وجهة الجيش السوري وحلفائه ، وذلك بعد نصر تدمر والقريتين ، وذلك إما باتجاه دير الزور أو حتى نحو الرقة ، أو إلى معبر التنف على الحدود الشرقية الجنوبية لسوريا مع العراق .. إلا أنني ، ووفقاً للمستوى التكاملي الذي ذكرته سابقاً ، والذي يتطابق مع الخطة العسكرية في سوريا ، من الوسط نحو الغرب ، صعوداً نحو الشمال ، والذي سيكون إستكمالا ً لما استشرفته في مقالة ( روسيا وسوريا … العزل والحصار في السياسة والميدان ، والمنشورة بتاريخ ٢٦-٠١-٢٠١٦ ) حول استراتيجية " الأصابع الأربعة والزوايا الثلاث " في تلك البقعة من سوريا ، والذي يفترض إكمال مد الإصبع الرابع من تدمر نحو الحدود العراقية ، بغية تشكل الزاوية الإرهابية الثالثة في الرقة ..

السؤال : في أية جهة على الحدود سيكون اكتمال مد هذا الإصبع الرابع ؟ أعتقد بأن الوجهة ستكون مدينة البوكمال السورية ، وذلك لتلاقي القوات العراقية الزاحفة في الأنبار ، وذلك حتى الحدود مع سوريا في القائم ، والتي – أي هذه القوات – تكاد تُطهر محافظة الأنبار في أخر ثلاث مناطق رئيسية متبقية لداعش فيها ، وذلك بعد الإنتهاء قريباً من هيت ، وهي : الفلوجة المحاصرة ، والرطبة والقائم في أقصى المحافظة .

لقد استفضنا في السابق ، وضمن أكثر من مقالة ، بالحديث حول الإستثمار الأمريكو – صهيوني بالإرهاب الضارب في المنطقة ، وخصوصاً لجهة استخدام هذا الأخير من قبل هؤلاء المستثمرين في محاولاتهم المستمرة لضرب استراتيجيات ومصالح أعدائهم وخصومهم ، وكان على رأس هؤلاء روسيا وإيران والمقاومة في لبنان ، فكان تمدد هذا الحنش الإرهابي في تلك الجغرافيا العراقية والسورية ، إنطلاقاً ببتر ما أسموه يوماً " بالهلال الشيعي " ، ومن ثم ضرب قلب سوريا في حمص ، وما ترمز أليه تلك المحافظة المرصودة من قبل أمريكا وتحالفها ، وذلك لحصار روسيا في اقتصادها ، وجعلها عقدة أنابيب للطاقة البديلة نحو أوروبا ، وصولا ً إلى تشكيل ، ورفد الحزام المُستنزف والمطبق على المقاومة في الشمال والشرق اللبنانيين ..

بناءً على ما تقدم ، تكمن خدمة الميدان لرباعية غرفة العمليات المشتركة في إقامة بيئات أمنة ، لصالح هذه الدول مجتمعة ، إن في التواصل الجغرافي بين دول محور الممانعة ، ( إيران ) ، أو لصالح تهيئة الأرضية لنشوء البيئة الجغرافية الأمنة ، والواعدة في الإستثمار ( كلام بوتين في طهران في منتدى الدول المصدرة للغاز الأخير ) ، وصولا ً إلى رفع سيف الإطباق على المقاومة في لبنان ، هذا فضلا ً عن خدمة مصالح كل من سوريا والعراق ، وعلى كافة المستويات ..وعليه فإن وجهة التطورات الميدانية في مشهدي سوريا والعراق ، قد أضحت محتومة في تحقيق البيئات المنشودة لدى هؤلاء جميعاً ..

ماذا في الإستراتيجيات الكبرى لهذه المكونات وحلفائهم ؟ وهل تعمل هذه الجبهات تحديداً ، وإقامة هذه الييئات المشار إليها ، في خدمة هذه الإستراتيجيات فعلا ً ؟

لا يتسع المجال في هذه العجالة ، لإمكانية الإحاطة بمختلف الإستراتيجيات الكبرى والمخدومة من خلال هذه الجبهات و البيئات ، فالبنسبة لسوريا والعراق ، فإن هذه الأخيرة ، المتحاددة فيما بينها ، ستشكلان عوامل رفد ورفع لإستراتيجيات كبرى في هاتين الدولتين ، إن من خلال النتائج المترتبة على الخلاص من الإرهاب فيهما أولاً ، وإن في إعادة وصل تلك الجغرافيا المقسّمة قسراً ثانياً ، هذا فضلا ً عن إعادة ترميم البيئتين السياسية والإقتصادية الرافدتين لإعادة الإعتبار للدولة الوطنية – القطرية في كليهما.

أما إيران ، فإننا كنا من أوائل من تحدث حول تقاطع أمريكا مع الإرهاب في العمل على بتر – ما أطلق عليه الملك الأردني يوماً – " الهلال الشيعي " ، والذي يصل طهران ببيروت عبر العراق وسوريا ( مقالة داعش والإستراتيجيات الكبرى للصهيوأمريكية ، نُشرت بتاريخ 13-06-2014 ) ، وعليه فإن اجتثاث داعش من الأنبار العراقية ، وحمص السورية ، والتقاء القوات العراقية والسورية لاحقاً عند الحدود الغربية والشرقية للبلدين ، سيكون من شأنه ترميم هذا " الهلال " المبتور ، وما لذلك من أهمية استراتيجية كبرى لدى إيران في زمن تثبيت النفوذ في هذه الحيّز الجغرافي الحيوي لها ، ليمثل هذا الأخير ، رأس الحربة في صراع الثورة الوجودي مع الكيان الصهيوني … وهذه القضية إحدى الجوانب فقط في الإستراتيجية العليا لإيران – الثورة .

روسيا من جهتها ، ليست أقل استفادةً من الثالوث الدولتي السابق ، فلقد ذكرنا في مقالة سابقة ( بين استراتيجيتي روسيا وأمريكا .. تعاكسٌ في الأهداف والمحددات ، والمنشورة بتاريخ 12 -10-2015 ) ، بأن هذه الدولة ، حلت في سوريا ، وفي هذه الجبهات الحالية تحديداً ، بغية تقديم أنموذج فعال أمام الدول المصابة بالداء الإرهابي ، أو حتى تلك المرشحة لذلك أيضاً ، وذلك في كيفية محاربة الإرهاب ، والقضاء عليه ، وليس في كيفية تشتيته وتوسيع مداياته الجغرافية ، وذلك كما حدث مع تحالف أمريكا ، ومن هنا كان التركيز الإعلامي مؤخراً على الدور الروسي ، سلاحاً وتخطيطاً في معركتي تدمر والقرتين .. وما يستتبع ذلك من تثبيت روسيا لعلاقاتها المتوسطية من خلال موقعها الضامن والحامي في أن معاً.. هذا بالإضافة إلى تلك الأهداف الإستراتيجية الأخرى ، والتي وردت في تلك المقالة الأخيرة ، والمشار إليها سابقاً .

بجملة ٍ أخيرة : إنه التكامل في الجبهات ، في خدمة البيئات ، لصالح الإستراتيجيات الكبرى لهذا الرباعي وحلفائهم في الميدان … وما عدا ذلك – باعتقادي – لا يعدو كونه تفاصيل .