أوروبا تواجه خطر التفكك
سركيس ابو زيد
جاء في إحدى افتتاحيات صحيفة "لوموند" الفرنسية قبل أيام: "سيكتب المؤرخون أن 2015-2016، هي بداية تفكك أوروبا. وسيقولون إن أوروبا كانت مشروعاً جميلاً بدأ في منتصف الخمسينات وانتهى في الربع الأول من القرن الـ 21. وربما يجب ألا نيأس من احتمال استعادة القوة، لكن الوقائع قاسية وصعبة. الأوروبيون تمزِّقهم أزمة اللاجئين، وهم لا يستطيعون أو لا يريدون مواجهتها معاً. وهم يدركون عدم وجود حل أحادي لهذه الأزمة إلا من خلال التضحية بواحد منهم، والمقصود اليونان التي تتحول إلى مخيم كبيرٍ للاجئين. وهم يعرفون أن المسائل التي يطرحها تدفق اللاجئين الهاربين من العراق وسوريا تحمل طابعًا قوميًّا. لذا تقف الدول الأوروبية الـ 28 عاجزة عن العمل الجماعي. لقد حطمت أزمة اللاجئين الأوروبيين سياسياً، ولا تشعر أوروبا الغربية بأية حاجة الى العمل التضامني".
فبعد هجمات بروكسل، كثرت التساؤلات حول مكان الهجوم المقبل، وكيف سيكون، وكيفية المكافحة الحقيقية لخلايا "داعش" في أوروبا الغربية.
موقع "سايت" الذي يرصد مواقع الجماعات المتشددة، كشف عن أن تنظيم "داعش" نشر صوراً وشعارات على الإنترنت مصدرها مركز الفرات للإعلام التابع له، تدعو المسلمين الألمان إلى شن هجمات مماثلة لتلك التي حصلت في بروكسيل. وذكر خصوصاً مقر المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ومطار بون.
وهنا يستوقفنا سؤال، أين يتعاظم التهديد الداعشي على القارة الأوروبية، ولماذا؟
من المرجح، وفق الاستراتيجية الإرهابية الجديدة، استهداف دول أوروبية بعينها أكثر من غيرها. وتبدو بريطانيا على رأس القائمة لتاريخها الاستعماري الطويل وسجلها القديم والحافل من دعم وتأييد الولايات المتحدة الأميركية، إلى جانب ما تضمه على أراضيها من جاليات إسلامية كبيرة ومتكاملة إلى حد بعيد. وتعتبر فرنسا من الأهداف الجاذبة بالنسبة للإرهابيين من "داعش" أيضا. والمرشح الأخير للهجمات الإرهابية المحتملة لا بد أن تكون ألمانيا، التي تمكنت من الفرار من عمليات العنف والإرهاب عبر السنوات الأخيرة.
ويبقى سؤال واحدًا: إلى أي مدى يمكن لتنظيم داعش الاستمرار في حملته الإرهابية داخل أوروبا؟ إجابة هذا السؤال تتوقف على ثلاثة عوامل رئيسية:
- توافر المجندين المحليين الذين يمكنهم تأمين الأسلحة والمتفجرات
- ضعف جهود مكافحة الإرهاب الأوروبية
- احتفاظ "داعش" بقواعده في منطقة الشرق الأوسط.
الأميركيون قلقون من قوى الإرهاب، خصوصاً في سوريا والعراق. لكنهم لا يشعرون حتى الآن بتهديد يستدعي استنفاراً وتدخلاً مباشراً، ويكتفون بالعمل على تعميق حالة الفوضى التي يعتقدون أنها ستحقق لهم مصالحهم.
أما الأوروبيون فالأولوية باتت في نظرهم هي التخلص من الإرهاب، ووقف تدفق اللاجئين، ورغم ذلك يأتي الحل السياسي في سوريا في أسفل سلم أولوياتهم، ما يجعلهم يميلون إلى رؤية موسكو للحل بضرب الإرهاب أولاً، على الرغم من القلق الذي يثيره الحضور الروسي، الذي يدفعهم لصياغة مقاربة جديدة للأزمة، رغم معاناة معسكرهم من العجز والانقسام إزاء النزاع في سوريا بشكل خاص، وأزمات المنطقة بشكل عام.
وهنا لا ننسى الجانب الإسرائيلي الذي عمل على توظيف الهجمات التي نفذها تنظيم "داعش" في بروكسيل لمصلحته، كي يؤكد للعالم أن ما يجري عنده من عمليات طعن ودهس يقوم بها أفراد فلسطينيون تعبيراً عن رفضهم لسياسة الاحتلال وعن يأسهم، هو إرهاب من النوع عينه الذي تعانيه أوروبا.
واقع إرهاب داعش الذي استطاع أن يظهر مدى العجز والفشل والتصدع الذي يُعاني منه الأمن الأوروبي، دفع فرنسا باتجاه اتخاذ مواقف حازمة والتأكيد على الحاجة لمحاربة تنظيم "داعش" حتى القضاء عليه. وإذا كان "داعش" يتقلص في بلدان المشرق (وفق تسمية وزير الدفاع الفرنسي)، فإنه يتمدد في ليبيا ومناطق أخرى من أفريقيا.
وبحسب خبراء، فإن عودة الربيع واستقرار الطقس والأحوال المناخية ستدفع بعشرات الآلاف من المهاجرين وطالبي اللجوء، وغالبيتهم في ليبيا إلى التدفق مجددا عبر المتوسط، بعد إغلاق "ممر البلقان". مع خوف الأوربيين من إمكانية اندساس عدد من الارهابيين في صفوف اللاجئين.
مع ذلك ينتظر الأوروبيون، ومعهم الولايات المتحدة الأميركية، أن تنجح حكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت برئاسة فايز السراج، بفضل مساعي الأمم المتحدة من أن تفرض نفسها وتستقر في طرابلس، وأن تكشف عما تريده من مساعدات أمنية وعسكرية من الدول الغربية، بحيث توفر الغطاء الشرعي للتدخل عن طريق تقديم طلب رسمي بهذا الخصوص إلى مجلس الأمن الدولي. وحتى يتحقق هذا الأمر، فإن وحدات خاصة غربية تعمل في ليبيا، كما أن طائرات من دون طيار وأخرى طائرات حربية تقوم بعمليات استطلاع، وأحيانا بعمليات قصف لأهداف تابعة لتنظيم داعش في ليبيا.
فهجمات بروكسل وقبلها هجمات باريس، أثبتت فشل استراتيجية الغرب في مواجهة الإرهاب، وكانت بالتالي نتيجة لمقدمات تسعير المواجهة بين اليمين الأوروبي المتطرف من جهة، وبين اليسار والليبراليين من جهة أخرى. والعنوان لقضية اللاجئين الذي تصدره أوروبا هو أنها "أسوأ أزمة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية". اليمين المتطرف يستخدم اللاجئين عنواناً رئيسياً، مواصلاً تحقيق مكاسب انتخابية في دول عديدة، ليس آخرها النمسا والدنمارك.
فمنذ شهر كانون الأول الماضي، تحول الميل إلى اليمين المتطرف واقعا في أوروبا، على خلفية مكافحة الهجرة، واقتحم اليمينيون المتطرفون وأحزابهم صلب السياسة الأوروبية كناخبين متمردين على حكم الأغلبية الاشتراكية أو يمين الوسط، وكثرت المظاهرات وامتدت من اليونان، إلى ألمانيا وسويسرا والسويد. في فرنسا كادت مارين لوبان و"الجبهة الوطنية" أن يسيطرا على أجزاء كبيرة من البلاد، لولا اتفاق الاشتراكيين ويمين الوسط لمنعهما. وأدارت المجتمعات المعروفة بليبراليتها في الدول الاسكندنافية ظهرها للمعتدلين في ظل ضغط اللاجئين الغير المسبوق.
أسهم اليمين ترتفع، ومبررات عدائيته وعنصريته تتراكم، والشارع ينزع باضطراد نحوه، باعتباره البديل القادر على المواجهة. واليمينيون الفاشيون والنازيون... هم "دواعش" أوروبا المتحمسون لهذه المواجهة، ولتبني استراتيجية "إدارة التوحش" في أوروبا، بالإقصاء والاعتداء والعنف والطرد، مستغلين حالة الاستياء والخوف. فللفاشية الأوروبية قواعد شعبية مهمة، ساهمت قدرتها على التكيف مع التحولات التي فرضتها العولمة، في توسيعها، وساعدت ظاهرةما يسمى بـ" الإسلاموفوبيا" في تصليبها.
أما الاشتراكيون والليبراليون، الذين يستخدمون شعارات وقيماً إنسانية، لتبرير نهب ثروات الشعوب والعبث بمصائرها، وهدم مجتمعاتها أحيانا . هم اليوم في حالة تماه مع شعارات اليمين وخطابه، إلى درجة تلاشي الفوارق بينهم في النظرة إلى المهاجرين. بل إن دفاع اليسار عن اللاجئين خلال موجة اللجوء الأخيرة، قام في الأساس على أهداف أنانية، منبعها الدفاع عن أنفسهم بالاستعانة بالمهاجرين واللاجئين في مواجهة اليمين، لمنعه من السيطرة على المجتمع والسلطة. إلا أن الهجمات الأخيرة تصب في مصلحة اليمين المتطرف، المعادي للمهاجرين، المطالب بوقف الإجراءات التي تسمح بالتنقل الحر بين دول الاتحاد.
خبراء سياسيون يُحددون ثلاث تصدعات تعاني منها المنظومة الأوروبية:
التصدع الأول: يتمثل في الانقسام الحاصل بين القوميين المتشددين المناهضين للمشروع الأوروبي الذين يدعون إلى إغلاق الحدود الوطنية وإعادة العمل بإجراءات الرقابة والتفتيش، والقوى السياسية والفئات المجتمعية التي تلح لوضع سياسة أوروبية موحدة لمواجهة الآتي الأعظم.
التصدع الثاني: يتمحور حول فكرة ورؤية الحرب ضد الإرهاب، وهي تعي جيداً أن الولايات المتحدة ليست لديها لا الرغبة ولا الإمكانية التي تتيح لها أن تلعب دوراً محورياً في حلها.
التصدع الثالث: هو في العلاقات بين الدول الأعضاء الذي يرتبط في شكل وثيق بأزمة اللاجئين وتأثيرها على مقومات الأوضاع الداخلية والعلاقات مع دول الجوار، وذلك على خلفية السجال المحتدم حول أولوية الأمن على حساب الحريات الفردية وحقوق الإنسان، وكذلك تفعيل الدور الأوروبي في تسوية الأزمات الدولية وصياغة وتشكيل العالم المعاصر.
لم يعد هناك شك في أن أوروبا أصبحت في قلب المعركة، وجزءاً أصيلاً من أزمة الشرق الأوسط، مع تحولها إلى أحد مواطن الإرهاب، العابر للحدود والدول والأديان. وعلى أمل أن يعيد الاتحاد الأوروبي النظر في سياسته الخارجية والأمنية، فإنه ليس وارداً الذهاب بعيد اً في الحرب على الإرهاب. ولا قدرة له على التأثير الحاسم، ولا يملك سياسة واضحة، ولا بدائل صلبة. والأهم أن لا قدرة للأوروبيين على تغيير مسار الأحداث، إلى جانب الشك في قدرتهم على المناورة والمبادرة ولعب دور أكثر استقلالية عن واشنطن في المشهد السياسي الدولي. فضلا عن صعود واضح للتطرف السياسي في القارة، الذي بات يهدد وحدتها ويفاقم أزمتها.