الجزائر تُقاوم ولا تُساوم على مواقفها
أوكيلي أحمد
حملة شرسة تشنها أوساط سياسية وإعلامية في الداخل والخارج على الجزائر هذه الأيام، تصب كلها في اتجاه تسويد الوضع في البلاد، والتحذير من انفلات أمني خطير ستكون تداعياته كبيرة على أوروبا بالأخص، من خلال زحف قوافل المهاجرين الجزائريين الهاربين من "الحرب” التي تُبشرنا بنشوبها قريبا هذه الجهات الحاقدة على الجزائر، والتي لم تستسغ بقاء الجزائر قوية إلى يومنا هذا برغم أعاصير "الربيع العربي”، وتسييج الجزائر ببؤر التوتر والإرهاب من كل الإتجاهات.
الحملة المتناسقة والمتناغمة سواء في الداخل الجزائري أو خارجه، دشّنتها بقوة صحيفة "لوفيغارو” الفرنسية، وبعض المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، كهيومن رايتس ووتش، وآمنستي، لتلتحق بالحملة الولايات المتحدة الأمريكية التي نصحت رعاياها بعدم السفر إلى الجزائر بسبب ما وصفته ب”التهديدات المتنامية للأعمال الإرهابية والاختطاف” بهذا البلد، مناقضة في الوقت نفسه تصريحات كاتب الدولة الأمريكي المساعد المكلف بالشؤون السياسية توماس شانون، الذي زار مؤخرا الجزائر وأكد أن "الجزائر قد تغلبت على الإرهاب وأصبحت منذ وقت طويل من الفاعلين الأساسيين في التعاون لمكافحة الإرهاب في العالم”، وفي سياق التناقضات دائما، تستنسخ الصحيفة الألمانية "دوتشي فيلة” ما كتبته صحيفة "لوفيغارو” وتلتحق بالحرب القذرة على الجزائر، برغم أنّ ألمانيا صنفت الجزائر وتونس والمغرب على أنها "دول آمنة”، ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ بل خرج علينا
الرئيس السابق للدبلوماسية الأوروبية خافيير سولانا ليصرح بأن "الوضع في الجزائر التي تعاني من عدم اليقين السياسي والاقتصادي يدعو إلى القلق”، وكتب خافيير سولانا في مقال تحليلي يحمل عنوان "وعد وخطر في الجزائر” نشره الموقع الإلكتروني (بروجيكت سانديكيت)، "أنه بعد خمس سنوات من بداية ما يسمى بالربيع العربي لم يول المجتمع الدولي اهتماما يذكر لدول مثل الجزائر، والتي سيعود مصيرها مرة أخرى على رادار العالم ".
توالي هذه التصريحات وتصاعدها، في وقت حساس للغاية تعيشه منطقة المغرب العربي والشرق الأوسط، والتحاق بعض الأحزاب والشخصيات السياسية وبعض المنابر الإعلامية الجزائرية بهذه "الحرب القذرة”، يؤكد أن أمرا ما يتم طبخه من قبل المخابر التي أنتجت "الربيع العربي” وصنّعت الإرهاب العالمي المتمثل في "القاعدة” و "داعش” للضغط على الجزائر وإجبارها على السير في النهج الذي تريده لها قوى الشرّ العالمي، فالجزائر وكما هو مشهود لها به دائما، ترفض التدخل في الشأن الداخلي للدول الأخرى، كما أنها تُعارض أي تدخل عسكري أجنبي في ليبيا، وهذا لا يخدم البتة أجندة الولايات المتحدة الأمريكية والغرب وحلفائهما من العرب، لذلك رأينا كيف سعت بعض بلدان الخليج إلى إزعاج الجزائر في مؤتمر وزراء الداخلية العرب، عندما صنّفت حزب الله اللبناني كمنظمة "إرهابية”، وهو التصنيف الذي سارع وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة إلى التبرؤ، لأنه سيقود الوطن العربي إلى مزيد من الإنقسام والصراعات، بتصريحه أن "”حزب الله” حركة سياسية تنشط في لبنان والجزائر لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الشقيقة”، كما أنّ الناطق الرسمي باسم وزارة الشؤون الخارجية، عبد العزيز بن علي الشريف، وتكملة لموقف الوزير لعمامرة أكد بأن الجزائر "ترفض التحدث باسم اللبنانيين وفي مكانهم”.
هذه المواقف الصريحة للجزائر والتي تتماشى ومبادئها وثوابت سياستها الخارجية، سوف لن ترضى عنها بعض الدول العربية والأجنبية، لكنها مواقف، تؤكد بقوة أن الجزائر رفضت وترفض دائما تبني قرارات ترهن سيادتها وتجعلها تابعة لإرادة جهات دولية همّها الوحيد هو إضعاف الصف العربي، تمهيدا للإنقضاض على ما تبقى من دول عربية مُمانعة وتدميرها خدمة للمشروع الصهيوني، فتصنيف حزب الله كمنظمة "إرهابية”، لقي ترحيبا كبيرا من إسرائيل التي صرح بعض قيادييها وسياسييها أن القرار "العربي” يصبّ في مصلحة إسرائيل، ويمهد الطريق للتطبيع العلني مع بعض البلدان العربية، من هذا المنطلق، فإن الجزائر ومعها الدول العربية التي تحفظت أو تبرّأت من قرار وصم حزب الله ب”الإرهاب”، تعي جيّدا حجم المخاطر التي ستترتّب عن هذا القرار، لذلك فإن الجزائر إقترحت خلال مؤتمر وزراء الداخلية العرب، تحديد مفهوم دقيق للإرهاب، لأنه بدون ذلك فإن باقي حركات المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل ستكون مستقبلا تحت طائلة وصمها ب”الإرهاب”، بل إن دول عربية بأكملها قد تُصنف على أنها "إرهابية”، وهو ما سترفضه الجزائر دائما، من منطلق أنها أول دولة عربية عانت من الإرهاب وانتصرت عليه لوحدها، في زمن كان بعض العرب يصفون "إرهابيينا” ب "المجاهدين”، ويدعون لنُصرتهم في المساجد.