kayhan.ir

رمز الخبر: 35587
تأريخ النشر : 2016March07 - 20:04

سوريــة.. بيـن الدولـة المركزيـة و فدراليـة الطوائـف


أحمد الشرقاوي

هناك من ذهب بعيدا في تأويل تصريح نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، الذي أدلى به مطلع الأسبوع الجاري، حيث قال في معرض جوابه عن سؤال أحد الصحفيين حول إمكانية أن يشمل الحل السياسي في سورية إنشاء جمهورية فدرالية، أنه "من الضروري وضع معايير محددة للهيكلة السياسية في سورية المستقبل، تعتمد الحفاظ على وحدة أراضي البلاد”..

ثم أوضح للصحفي الذي طرح السؤال، أنه "إذا تم تشكيل معايير الهيكلة بهذه الصورة، فمن سيعترض على إنشاء الفدرالية؟”، معبرا عن أمل بلاده في أن "يتوصل المشاركون في الحوار السوري – السوري إلى فكرة إنشاء جمهورية فدرالية”.

تعبير المسؤول الروسي عن أمل بلاده في أن يتوصل السوريون إلى فكرة إنشاء الفدرالية، لا يعتبر مؤامرة على سورية بالمفهوم الذي ذهب إليه البعض، بل مجرد رأي المسؤول الروسي في أنموذج سياسي ديمقراطي متقدم، هو أرقى ما وصلت إليه الديمقراطية في بعض الدول الغربية كسويسرا مثلا..

لكن التعبير عن الأمل لا يعني أن النموذج السويسري مثلا يصلح لسورية أو أية دولة عربية أخرى، لأن الديمقراطية ليست جلبابا يُستورد من الغرب على مقاس الكبار ليطبق ضدا في طبيعة دول ومجتمعات المشرق العربي التي لها خصوصيات سوسيوثقافية تختلف كثيرا عن مجتمعات الغرب، لأن الديمقراطية قبل كل شيئ، هي تجربة تكتسب من خلال الممارسة الطويلة، وتقوم الدولة خلالها بدور المؤسسة التربوية المُوجّهة والمُراقبة، تُكرّس المُكتسبات وتُصحّح الأخطاء وتُعدّل المسار كلما تطلب الأمر ذلك، إلى غاية اكتساب المجتمع، لا الأحزاب فحسب، ثقافة الحوار والقبول بالآخر التي هي جوهر كل عملية ديمقراطية..

أما ديمقراطية الإثنيات والطوائف والمذاهب، فهي بلقنة للدولة ومشروع حروب مؤجلة يُؤدّي حكما إلى التقسيم، ولنا في النموذج العراقي وقبله البناني المثال الحي على ذلك.

وبالتالي، فتصريح المسؤول الروسي لا يمكن تفسيره في إطار نزعة الشك الذي يختمر في ذهنية البعض تجاه الموقف من روسيا، وسعيه المحموم إلى دعم الرؤية المُتوهّمة لديه باعتبارها حقيقة قائمة، من خلال التلاعب بالألفاظ والسياق لتحميل الكلام ما لا يحتمل من معاني، ثم القول أنه يشتمّ من كلام المسؤول الروسي أن هناك اتفاقا سريا أمريكيا – روسيا حول الفدرالية في سورية، وأن هذا هو الموقف الرسمي لموسكو..

نقول هذا للأسباب التاليـة:

* أن الاتفاق الروسي الأمريكي تمحور حول سبل وقف العمليات القتالية في سورية كمرحلة إلزامية قد يُؤدي نجاحها إلى إطلاق المسار السياسي، والذي نعلم جميعا أنه سيأخذ وقتا ونقاشا طويلا عريضا بين الحكومة والمعارضة، وأنه لا وجود لورقة سياسية متفق عليها باستثناء مخرجات مؤتمر جنيف ومؤتمر فيينا وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، والتي تشكل جميعها إطارا عاما للأسس والمبادئ التي تحكم المسار السياسي بين السوريين، ولا نقول الحل السياسي المفروض من فوق، لأنه لا وجود لخارطة تفصيلية تتضمن هيكلة ملزمة للحل السياسي في سورية حتى الآن.

ونعلم جميعا، أن أبرز هذه الأسس والمبادئ، تُشدّد على وحدة الأراضي السورية، وعلمانية الدولة، وحق الشعب في تقرير مصيره واختيار النظام السياسي الذي يليق به، وانتخاب من يمثله، من خلال دستور متوافق على مقتضياته يخضع لاستفتاء شعبي كي يصبح من الناحية الشرعية التعبير الأسمى عن إرادة الأمة السورية الملزمة لكل مؤسسات الدولة باختلاف طبيعتها ووظائفها ومستوياتها.

وبالتالي، فحديث السيد سيرغي ريابكوف، لا يمس الأسس السالفة الذكر، بل يتحدث عن المطلوب في المرحلة المقبلة، لترجمة المبادئ والأسس التي تم التوافق بشأنها دوليا إلى إعلان نوايا قابلة للتفعيل من خلال الدستور الجديد أو المعدل، على أن يبدأ العمل انطلاقا من وضع المعايير الدقيقة للهيكلة السياسية للدولة السورية كما يريدها السوريون، لا كما ترغب في فرضها أمريكا أو غيرها.

وتجذر الإشارة من باب التوضيح، أن مضمون التصريح، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن المسؤول الروسي سعى بلباقة الدبلوماسي المحنك إلى إبراز موقف بلاده المحايد (مع وضع خط تحت مفردة محايد)، حيال الحل السياسي في سورية، وذلك بإشارته، إلى أن مسألة الفدرالية يجب أن تطرح في إطار الحوار السوري – السوري، وأنه لا مانع من إنشاء الفدرالية من حيث المبدأ، لكن فقط في حال اتفق السوريون على ذلك، وفق ثابتة حق الشعب السوري وحده دون غيره في تقرير مصيره واختيار النموذج السياسي الذي يريده لوطنه، مع تعمُّده إضافة شرط يقول بضرورة أن يتم وضع معايير مُحدّدة للهيكلة السياسية، واستبعاد سيناريو التقسيم كما حدث في كوسوفو، ما يعني ضمنا، أن الفدرالية بالرغم من أنها نظام سياسي راق، إلا أنها غير مرغوب فيها إذا كان الهدف منها هو التحضير لأرضية التقسيم على المدى المتوسط أو البعيد.

هذا الكلام الدبلوماسي المدروس، لا يمكن فهمه بعقلية المحلل الذي يبني خلاصاته على الشكوك التي قد تبرز من خلال ظاهر الكلام، لأن اللغة الدبلوماسية وبخلاف اللغة الإعلامية، لغة راقية، غامضة، مخاتلة أحيانا، وحمّالة أوجه، تُظهر ما لا تُبطن، وتُبطن ما لا تُعلن، تُسمعك ما يُعجبك من دون أن تُحقق لك ما يرضيك، تعدك من دون أن تُعطيك، وحتى إن أعطتك فهي لن تكفيك.

كما وأن قبول الرئيس السوري باتفاق وقف العمليات القتالية التي توصل إليه الروسي والأمريكي لا يعني أنه قبول بالحل السياسي بقدر ما هو قبول بالمسار السياسي الذي سيمهد له وقف العمليات القتالية مع المعارضة "المتمردة” باستثناء التنظيمات الإرهابية، وقد جاء هذا الموقف العقلاني والمسؤول من منطلقين:

* الأول، قناعة الرئيس بشار الأسد أن الاتفاق في مجمله يتعلق حصريا بالشق العسكري لا السياسي، ويصب في مصلحة سورية أولا، لأنه يوقف حمام الدم ومسلسل الخراب، ويلزم أدوات أمريكا بوقف ضخ السلاح والمقاتلين للبلاد، ويعطي للجيش السوري وحلفائه شرعية دولية لقتال "داعش” و”النصرة” والجماعات التكفيرية المرتبطة بها، خصوصا بعد تبني الاتفاق بقرار دولي حاز على الإجماع في مجلس الأمن..

والأهم من هذا كله، أن الاتفاق يعزل الإرهابيين ويستثنيهم من الهدنة، ويسلط الضوء على الحجم الحقيقي للمعارضة المسلحة التي ستقبل بوقف القتال والانخراط في المسار السياسي، وهي معارضة لا تمثل ثقلا وازنا يمكن أن يُغيّر المعادلة التي تتحكّم في مستقبل سورية، خصوصا بعد أن فشلت هذه الأدوات في تغيير المعادلة العسكرية لصالح مُشغليها كي تتمكن من فرض الخيارات السياسية المرسومة لها.

* الثاني، أن الرئيس الأسد، سبق وأن عبّر عن ثقته التامّة بحليفيه (الروسي والإيراني)، وحيث أن موقف إيران كان إيجابيا من الاتفاق، فلا يخامر الرئيس السوري أدنى شك في نوايا موسكو، لأنه يعلم كما طهران، أن الرئيس الروسي لا يمكن أن يطعن الأسد في الظهر ويرجح مصالح بلاده على حساب مصلحة الشعب السوري، خصوصا وأن الرئيس الأسد أظهر قمة الوفاء لروسيا حين رفض مشروع خط أنابيب الغاز السعودي – القطري إلى أوروبا عبر تركيا، والذي كان يراد منه تخريب الاقتصاد الروسي بالكامل.

أما القول أن الرئيس السوري بإعلانه عن الاستعداد لتنظيم الانتخابات البرلمانية المقبلة يكون كمن أراد استباق المسار السياسي بقطع الطريق على ما تم طبخه في الكواليس بين روسيا وأمريكا حول مستقبل سورية، فهذا كلام من نسج الخيال وبعيد عن الموضوعية والواقع، لأن الرئيس السوري باعتباره المسؤول الأول عن البلاد والضامن لتنزيل مقتضيات الدستور الحالي، من واجبه استكمال المسار السياسي الإصلاحي الذي بدأه، ولا يعقل أن يترك الفراغ في مؤسسات الدولية في انتظار مسار سياسي قد يطول أو قد يتعثر..

وفي حال نجح اتفاق الهدنة وعمّ الأمن والاستقرار والسلام بعد القضاء على رجس الإرهاب وتطهير التراب السوري من شرّه، وحسنت النوايا ونجح المسار السياسي أيضا وأفضى إلى دستور جديد يقرّه الشعب في استفتاء عام، فحينها لكل حادث حديث.

وفي ما له علاقة بالفدرالية، هناك معطى غاية في الأهمية والخطورة، ويتعلق بتركيا تحديدا، لأن احتمال إنشاء فدرالية في سورية على افتراض صحته، لن يُؤدي إلى تقسيم سورية بقدر ما سيفجر المنطقة برمتها، لأن المُتضرّر الأكبر من مشروع إنشاء كيان كردي في الشمال السوري هي تركيا بالدرجة الأولى، حيث يعيش الجزء الأكبر من الأكراد، ما سيؤدّي حتما إلى تفجيرها من الداخل..

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة هو: – هل تخطط أمريكا وحلفها الأطلسي فعلا إلى تقسيم تركيا الأطلسية؟.. وفي مصلحة من يصب هذا التقسيم؟.. أليس في مصلحة روسيا التي تعتبرها أمريكا عدوا وتسعى لإضعافها واستنزافها حد الانهيار؟.. فأين المنطق في إقامة فدرالية في سورية إذن؟..

ويكفي في هذا الصدد، أن نعود لتصريحات أردوغان الذي وضع أمريكا بين خيارين لا ثالث لهما: "إما تركيا أو الأكراد”، وأعلن صراحة أن اتفاق وقف العمليات القتالية في سورية لن يكون ملزما لتركيا إذا مس خطوطها الحمراء، وها هي تقصف اليوم الأكراد في منطقة أعزاز لمنعهم من الاقتراب من حدودها، وقالت ممثلة السياسة الخارجية الأوروبية قبل أيام، أن أوروبا تشعر بقلق جدي من احتمال نشوب حرب بين روسيا وتركا بسبب الوضع على الحدود السورية – التركية، وأبلغ الحلف الأطلسي أنقرة بأنه غير مستعد للتورط في حرب مع روسيا إذا قامت وتدخلت بريا في سورية.

لكن المشهد الحقيقي المُعبّر عن العجز الأمريكي وموقف أوباما من هذا الموضوع، هو ما نشرته الصحافة التركية عن اتصال هاتفي جرى بين الرئيس أوباما وأردوغان الأسبوع المنصرم، قال فيه الأول للثاني: "أنا أتفهم قلقك، لكن عليك أن تفهم أنني عالق هنا ولا أستطيع فعل شيئ”، وهذا يوضح إلى أي حد تشعر الإدارة الأمريكية بالعجز عن فعل شيئ في سورية بعد الإنجازات الكبيرة التي حققها الجيش العربي السوري وحلفائه على الأرض بدعم من روسيا، وتسعى لوقف هذه الانتصارات الكبيرة والسريعة حتى لا تفقد آخر ما تبقى لها من ماء وجه ومصداقية.

وهذا يقودنا إلى خلاصة مفادها، أن أمريكا اضطرت مُرغمة لا بطلة للقبول بشروط الروسي، بهدف وقف انتصارات الجيش العربي السوري على الأرض، وتمكين المقاتلين من استراحة محارب يجمعون خلالها قواهم ويعيدون النظر في تحالفاتهم لبناء معارضة موحدة قوية ومتجانسة تستطيع أمريكا من خلالها فرض بعض من أوراقها في المسار السياسي المستقبلي.

نقول هذا لسببين: الأول، من المستحيل أن تقبل أمريكا بهزيمة مذلة لها أو لحلفائها وأدواتها في سورية، وهي بقبول وقف العمليات القتالية تستثمر في الوقت لتعيد تصحيح استراتيجيتها بهدف الانقلاب على الاتفاق حين يحين الوقت المناسب ويتم التحضير لما يُسمّى بخطة باء على نار هادئة، والتي تعني الحرب بالوكالة، لأنه لا وجود لمثل هذه الخطة حتى الآن كما أكدت روسيا، إلا كفزاعة إعلامية للضغط السياسي على الرئيس الأسد.

الثاني، أنه من غير الوارد أن يتورط الرئيس أوباما بتدخل عسكري في سورية في ما تبقى من ولايته، وأن هدفه الأساس هو الحفاظ على الوضع الميداني كما هو الآن برغم سلبيته، قبل أن تُسحق المعارضة في ظرف لا يتجاوز 3 أشهر على أقصى تقدير كما أعلن الوزير كيري، في انتظار أن يمرر الرئيس ولايته بسلام ويسلم البطاطا السورية الحامية لخلفه، ليتعامل معها بمعرفته.

كما أنه من المفيد التذكير بالمناسبة، أن فكرة "الفدرالية” موضوع هذا اللغط الجديد، ليست فكرة جديدة قال بها نائب وزير الخارجية الروسي لأول مرة، فقد سبق وأن طرحها المبعوث الدولي دي ميستورا مطلع الشهر الماضي على فصائل المعارضة، لكن جوبه اقتراحه بالرفض القاطع، باستثناء بعض المكونات الصغيرة التي لا تمثل ثقلا ولا قيمة في المسار السياسي، كما أنها لم تلقى إجماعا من قبل كافة الأطراف الكردية، فبعض الفصائل أبدت معارضتها لها وأعلنت تمسكها بالدولة المركزية.

وعلى الذين يسارعون إلى استنتاج خلاصاتهم من تصريح هنا وتصريح هناك، أن يفهموا قبل الحديث عن الفدرالية كمفهوم، أن أبرز ما يقف عائقا أمام تطبيقها كحل في سورية هي وحدة الجغرافية..

وبالتالي، فعلى الذين يُلمّحون إلى تآمر روسيا مع أمريكا لإقامة الفدرالية في سورية، أن يشرحوا للناس كيف يمكن تحقيق ذلك في غياب أقاليم إثنية وطائفية ومذهبية نقية قابلة للحياة في ظل تداخل المجتمع السوري الذي هو مجتمع متنوع ومتجانس بطبعه على امتداد جغرافية الشام؟..

وبهذا المعنى، فالفدرالية ممكنة في سورية في حالة واحدة.. أن تكون هناك وحدة جغرافية خاصة بكل مُكوّن، وحيث أن الأمر ليس كذلك حتى في الشمال السوري حيث هناك كثافة للأكراد تتساكن مع المُكوّن العربي والتركماني وغيره، فلا يمكن تحقيق الفدرالية إلا من خلال هندسة اجتماعية جديدة بسلاح التهجير الداخلي الطوعي أو التطهير العرقي القسري في مختلف الأقاليم السورية..

فهل هذه هي سورية التي يُبشر بها أصحاب نظرية الفدرالية؟.. وهل يدركون أن ما يُروّجون له بالتحليل، هو دعوة إلى حرب أهلية لن يقبل بها أي سوري شريف يحب وطنه ويخاف على دولته ويلتف حول جيشه وقيادته؟.. فأحرى أن تقبل بها روسيا أو إيران.

لا نريد تقديم دروس في الديمقراطية للسوريين الذي هم أدرى بمصلحة وطنهم ومستقبل عيالهم، لكن المنطق يقول، أن سورية العربية الممانعة والمقاومة لا يصلح لها إلا نظام مدني علماني مركزي في ما له علاقة بالمؤسسات الحساسة، نظام رئاسي يضمن الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، ويحمي الجغرافيا والدولة والشعب، ويحافظ على الموقع والسيادة والدور، مع حكومة بصلاحيات موسعة لا واسعة، ولامركزية على المستوى الجهوي والمحلي في ما له علاقة بمختلف مجالات التنمية وحقوق الأقليات الدينية والثقافية، وفق مبدأ المساءلة والمحاسبة على قدر المسؤولية..

لأن الديمقراطية بناء يبدأ من تحت إلى فوق.. وممارسة ميدانية في مدرسة الشعب، تُكتسب بالخبرة من خلال التعامل مع شؤون الناس وقضاياهم المعيشية، قبل الانتقال إلى الشؤون السياسية على المستوى الوطني..

غير ذلك، هي دعوة إلى خراب سورية والمنطقة، وتسليم مفاتيح الوطن إلى عملاء وخونة ليسوا رجال دولة، لبيعه في سوق النخاسة السياسية عند أول فرصة.