kayhan.ir

رمز الخبر: 35287
تأريخ النشر : 2016March01 - 19:54


سركيس ابو زيد

بدأت أوروبا تتجه إلى مسار عنصري بشأن النازحين القادمين إليها عبر تركيا، لاسيما أولئك الفارين من الحرب في سوريا. خاصة بعد اندلاع مواجهات، بين الشرطة الألمانية ومجموعات مشاركة في مظاهرة نظمتها "حركة أوروبيين وطنيين ضد أسلمة الغرب" (بيغيدا) في مدينة كولونيا، احتجاجًا على تصرفات النازحين. وقد ركزت القوى المناهضة لميركل والجماعات المعادية للأجانب واللاجئين في نسق واضح على إثارة الغرائز الفردية والجماعية ضد من أسمتهم "أجانب قدموا إلى بلادنا للاعتداء على شرف زوجاتنا وبناتنا وأخواتنا".

ثمة رسالة واضحة حملتها أحداث كولونيا، وهي أن أياماً صعبة تنتظر المقيمين والمهاجرين الجدد، وتزايدت أصوات السياسيين في برلين الذين يدعون الى القيام بخطوات عملية ضد الأجانب. كما كثرت التساؤلات وسط الجمهور عن سياسة المستشارة الألمانية إزاء اللاجئين السوريين: هل ألمانيا على يقين أنها قادرة على معالجة تدفق اللاجئين؟ وهل لديها الشجاعة أو الرغبة لتصير الدولة الأوروبية التي لديها أكبر عدد من المهاجرين؟

الأسئلة كثيرة، لكن، الشيء الأكيد في المقابل هو أن المستفيد منها أولا، أحزاب اليمين المتطرف، وأطياف متعددة من جماعات وتيارات معروفة بأيديولوجية الإسلاموفوبيا ومعاداة وكراهية الأجانب من الإثنيات والأديان الأخرى. أما المتضررون فهم بالدرجة الأولى اللاجئون من نساء وأطفال سوريين.

ألمانيا لم تعد كما كانت عليه قبل أحداث كولونيا، فالجماعات المعروفة بخطابها المعادي للأجانب ومعها الفاشيون الجدد والعنصريون والشعبويون تلقفوا فورة الغضب الاجتماعية من اللاجئين الذين تصدر عنهم في كل يوم في المولات وقطارات الأنفاق والأوتوبيسات العامة، تصرفات غريبة تتعارض مع طبيعة القيم الأوروبية والحياة الألمانية المتسمة بالانضباط الدقيق في السلوك في الأماكن العامة، وسخّروها لبث الكراهية ضد المهاجرين واللاجئين، بخاصة من أصول عربية وإسلامية، وتأليب الرأي العام ضد السلطة الحاكمة والمستشارة ميركل شخصياً في سياق منظم لتهيئة المجتمع للانتخابات العامة التي ستجرى خلال العام الحالي. ويحذر خبراء السياسة وعلماء النفس من إمكانات متزايدة لوقوع المجتمع بغالبيته في فخ التشدد السياسي الذي نصبته الأحزاب اليمينية المتشددة والشعبوية.

حالة القلق والاضطراب النفسي والاجتماعي التي تجتاح أوروبا بفعل تدفق لاجئي الشرق الاوسط، وبعد الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها باريس، والشلل الذي أصاب بروكسل عاصمة بلجيكا وعاصمة الاتحاد الأوروبي، أظهرت مدى انكشاف المجتمعات الأوروبية على خطر الارهاب ومدى انحسار القوة العسكرية للدول الأوروبية التي شهدت 70 سنة من السلام منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي أوجد انطباعاً خاطئاً عن نهاية الحروب والأخطار الخارجية، وقلل قيمة مركزية السيادة القومية، لتتماشى مع عالم جديد انحسرت فيه أهمية الحدود بين الدول.

لذلك دعت أوروبا إلى عقد مؤتمر لندن الدولي "لدعم سوريا والمنطقة" ولمواجهة أزمة تدفق اللاجئين على بلدانهم ولتفادي آثارهم الكارثية على مجتمعاتهم. غوردون براون كتب في "الغارديان البريطانية": "يجتمع زعماء العالم في لندن لمواجهة كبرى الأزمات الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية، ثمة حاجة ماسة الى التفكير في خطة ذات نطاق واسع لمواجهة الفوضى التي أثارها نزوح 12 مليون سوري عن منازلهم. عملية الهجرة الجماعية من شرق المتوسط وغرب البلقان الى أوروبا تشمل اليوم عائلات بأكلمها فقدت الأمل في إمكان العودة الى منازلها. وهي تفضل مخاطر السفر الى أوروبا على العيش في مخيمات اللجوء في لبنان وتركيا والأردن... من أجل تشجيع السلام وحماية الأطفال من الوقوع في التطرف ووقف تدفق اللاجئين الى أوروبا، ثمة حاجة ماسة الى رؤيا كبيرة تساوي ضخامة التحدي".

مؤتمر لندن للاجئين حضره سبعون دولة، بالإضافة إلى منظمات اقتصادية وإنسانية وهيئات من القطاع الخاص، بـ"مزاد علني"، جمع تعهدات بدفع نحو 11 مليار دولار حتى العام 2020، لمعالجة ذيول أزمة النازحين الى دول الجوار، ومنها لبنان، وبـ"وعود" بمزيد من الدعم لدول الجوار التي تعاني من ارتدادات اقتصادية خطيرة، لا سيما في لبنان والأردن.

وأوضحت المصادر أن "هناك تغييراً بدأ يلفح عقول الأوروبيين والأمم المتحدة بجدية التعامل مع أزمة النازحين، وحصل تغيير مفصلي في مقاربة المشكلة وهو ينطلق من فكرة دعم المجتمعات المضيفة دعماً تقنياً وفنياً ومالياً، وأن الأزمة باتت أشد من أن تعالج بمساعدات غذائية وبطانيات وخيم لا تستر من برد ولا تقي من حر".

كما كشفت مصادر مواكبة لاجتماعات مؤتمر دعم النازحين السوريين الذي عقد أخيراً في لندن أن الدول الأوروبية المانحة ضغطت في اتجاه رسم خطط لاستيعاب النازحين السوريين داخل بلدانهم أو في دول الجوار، تمتد على فترة زمنية حدها الأدنى خمس سنوات وحدها الأعلى عشر سنوات. وأوصت بصرف أموال المانحين الأوروبيين لإقامة بنى تحتية تخدم اندماج النازحين السوريين بالدول المضيفة لهم لعقد من الزمن. ولضمان تنفيذ هذه الخطط تشدد المانحون الأوروبيون في موضوعين:

- الأول أن تصرف الأموال المخصصة لإنشاء هذه البنى في الدول المضيفة، من خلال الجمعيات الأوروبية مباشرة وليس عن طريق الحكومة اللبنانية.

- الثاني دفع دول الجوار السوري المضيفة للنازحين السوريين، إلى إجراء تعديلات على "سلوكها المتبع تجاه النازح السوري". بمعنى آخر، الضغط على حكومات هذه الدول لالتزام تطبيق "مواصفات معايير حقوق الإنسان" نفسها التي يتمتع بها اللاجئ في دول أوروبا على النازح السوري في بلدانها.

بالتزامن مع مؤتمر لندن، منظمة "الإسكوا" أصدرت تقريرا بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة يظهر أن عدد اللاجئين السوريين في لبنان بلغ مع نهاية شهر آذار 2015 مليونا و186 ألف نازح، في حين وصل عدد اللاجئين الفلسطينيين مع مطلع سنة 2016 الى ما يوازي 450 ألف لاجئ فلسطيني. وأشار التقرير أيضا الى استقبال لبنان لنازحين عراقيين، إضافة الى بعض العاملين الأجانب الذين وفدوا من دول مجلس التعاون الخليجي، علما أن التصنيف الدولي للبنان هو أنه بين الوجهات العشر الأهم للاجئين العرب في العالم مع عدد إجمالي للاجئين يناهز 26 في المئة من عدد سكان لبنان في نهاية النصف الأول من العام 2013 . كذلك اعتبر التقرير أن لبنان هو ثاني أكبر دولة مضيفة للاجئين في منتصف العام 2014 مستقبلا مع الأردن الحصة الأكبر من اللاجئين في العالم.

باختصار أوروبا تتجه اكثر نحو العنصرية وطرد النازحين. وهي تعمل من اجل تثبيتهم في دول الجوار السوري المضطرب خاصة لبنان والأردن . وما نشهده في لبنان هو سباق بين مشروعين: الأول احتواء التوترات للحفاظ على الاستقرار وضمان بقاء النازحين لابعادهم عن أوروبا العنصرية . الثاني تصعيد الازمات للضغط من اجل تسريع التسوية في المنطقة. وفي الحالتين النازحون ينتظرون التضامن العربي لتسريع الحل السياسي وإيجاد حلول لماساتهم ...وهم يدركون انه لن يأتي .

اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: