الحرب المؤجلة بين حزب الله و”إسرائيل”
عمر معربوني
منذ فترة، وتصاريح المسؤولين الصهاينة تحمل عبارة الخشية من تنامي قدرات حزب الله، وإبداء الخوف من احتمال امتلاكه أسلحةً جديدةً نوعية، وتحديدًا ما يتعلق بالصواريخ أرض-بحر والصواريخ أرض-جو، إضافةً الى المخاوف المتزايدة من اكتساب حزب الله لقدرات هجومية ناتجة عن مشاركته في العمليات العسكرية في سوريا.
في الجانب المتعلق بخاصيّة الردع، فإنّ كل من حزب الله و”إسرائيل” يعملان بشكل حثيث على توفير كل ما يلزم لتحقيق هذه الخاصيّة، وهي التي تمنع حتى اللحظة بشكل اساسي وقوع المواجهة.
"إسرائيل” التي ترغب بهذه المواجهة يعبّر مسؤولوها عن خشيتهم، إلّا أنّ زيادة منسوب الخشية سيحتم في النهاية على الجانب الصهيوني إطلاق المواجهة، فبعض وجهات النظر في القيادة الصهيونية تتبنى نظرية الحرب الإستباقية حتى اللحظة غير مستفيدة من التجارب السابقة خلال عدوان 2006 على لبنان وسلسلة المواجهات مع المقاومة الفلسطينية في غزّة. ومهما أجّل الصهاينة المواجهة فإنهم سيجدون انفسهم مضطرين لخوضها، رغم أنّ الحرب الدائرة في سوريا تؤمن لـ”إسرائيل” أحد أهم اهدافها، وهو رؤية سوريا وحزب الله في انشغال، رغم أنّ السيد حسن نصرالله اعلن اكثر من مرة أنّ وحدات المقاومة المولجة تنفيذ مهام دفاعية في لبنان لا علاقة لها بما يجري في سوريا، بل على العكس فإنّ هذه الوحدات في حالة تنامي في العديد والتسليح النوعي وفي الخبرة، حيث يشارك بعض قادة هذه الوحدات في المعارك داخل سوريا بشكل دوري ويكتسبون خبرات كبيرة في ادارة وخوض العمليات القتالية المتنوعة.
في مقالاتٍ سابقة، أوردنا الكثير عن قدرات حزب الله في الجانب المرتبط باستخدام استراتيجيا دفاعية قائمة على مبدأ قتال البقعة، بالإعتماد الكامل على تنظيم الوحدات وحركتها الدفاعية في بقع منعزلة ومموهة ومخفية لإستثمار عنصر المفاجأة، بهدف كسر قدرة الهجوم لدى الجيش الصهيوني ومنعه من تحقيق اهدافه المباشرة وغير المباشرة وإلحاق الهزيمة به من خلال الصمود والضغط عليه بالعمليات الخاصة في ارض الميدان، ومن خلال اطلاق رشقات صاروخية في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة على تجمعات جيش العدو ومنشآت هامة ضمن نطاق مدى هذه الصواريخ.
خلال عدوان 2006، قامت وحدات الحزب بتنفيذ عمليات دفاعية واستخدمت فيها تكتيكات جديدة مزجت بين استخدام القوات الخاصة واستخدام الصواريخ المضادة للدروع، وخصوصًا صواريخ الكورنيت التي كانت بمثابة مفاجأة كبيرة حققت اصابات قاتلة بدبابات الميركافا "فخر الجيش الصهيوني”، وحولتها الى توابيت متحركة وكسرت هيبة "الجيش الذي لا يقهر”، وقهرت قادته وأجبرتهم على اتخاذ قرار الإنسحاب وانهاء العمليات بعد 33 يومًا من الصمود والقتال.
في الجانب الصاروخي، ورغم أنّ الحزب لم يستخدم عددًا كبيرًا من الصواريخ، حيث لم يتجاوز عدد الصواريخ من طراز "غراد” الـ1500 صاروخ بمديات اطلاق تتراوح بين 11 كلم و30 كلم حسب طرازات الصاروخ المختلفة، إضافةً الى استخدام الحزب لعدد محدود لم يتجاوز الـ20 من فئة صورايخ فجر التي يتفاوت مداها بين 75 كلم لـ”فجر-3″ و90 كلم لـ”فجر-5″، وصاروخين فقط من فئة "زلزال”.
رغم ذلك، كان عدد الصواريخ ونوعيتها كافيين لتثبيت معادلة ردع أجبرت القيادة الصهيونية على انهاء العمليات.
بعد مرور عشر سنوات على عدوان 2006، يتحدث الصهاينة عن حوالي 100 الف صاروخ من طراز "غراد” وآلاف الصواريخ من فئة "فجر” المحدثة، ومئات الصواريخ من فئة "زلزال” المطورة من طرازي "فاتح-110″ و”أم-600″ اللذين يصل مداهما الى 350 كلم، وهما مزودان برأس حربي يتجاوز الـ500 كلغ ويمتازان بدقة مسار ثابت ونسبة خطأ قليلة، وهذا يعني أنّ الحزب سيكون قادرًا على احداث صدمة كبيرة في البعدين العسكري لشل قدرة الجيش الصهيوني وارباك الجبهة الداخلية وشلها ووضعها في حالة الصدمة.
القوة الصاروخية لحزب الله ستكون قادرة على ايصال الصواريخ بمختلف طرازاتها الى كامل ارض فلسطين المحتلة، ويمكن لصواريخ "فاتح-110″ و”أم-600″ أن تعطل مدارج المطارات العسكرية وتخرجها من الخدمة لفترة طويلة إذا ما تمّت برمجة استهداف المدارج طيلة فترة الحرب. فعدد المطارات والمهابط الصهيونية يصل الى 23 مطارًا ومهبطًا يمكن اخراج اغلبها نتيجة تنفيذ ضربات صاروخية لفترة تتراوح بين يومين وثلاثة أيام، وهي فترة كافية لإندفاع وحدات خاصة من الحزب الى منطقة الجليل والسيطرة عليها، خصوصًا اذا ما واكبت القوات الخاصة وحدات صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف وأخرى من طراز "اوسا” ذات المدى المتوسط وتعمل بالتوجيه الكهروبصري، وهي محمولة على عربات مدولبة صغيرة الحجم.
الجانب الذي بدأ المسؤولون الصهاينة في ابداء خشيتهم منه هذه الفترة، هو احتمال امتلاك حزب الله لصواريخ مضادة للطائرات من طرازي "اوسا” و”بانتسير”، وكلا الطرازين محمولان على عربات مدولبة، إلّا أنّ منظومة "بانتسير” تعتبر من احدث الصواريخ المضادة للطائرات، حيث يمكن للعربات العمل بشكل منفرد وأثناء الحركة، واطلاق الصواريخ في وقت واحد على اربعة اهداف مع امكانية متابعة عشرين هدفًا طائرًا. والجدير ذكره أنّ كل من ايران وسوريا تمتلكان الطرازين المذكورين وبأعداد كبيرة، إلّا أنّ حزب الله في حال امتلاكه لهذه الصواريخ فإنه بالتأكيد سيستخدم طرق استخدام غير تقليدية، يمكن من خلالها قنص الطائرات والطوافات المعادية عبر تمويه العربات ووضعها في حالة الصمت الرداري، وتشغيل الرادارات لحظة الإطلاق والإعتماد على الرصد البصري في المرحلة التي تسبق عملية الإطلاق.
في الجانب المتعلق بصواريخ أرض-بحر من طراز ياخونت، فإنّ امتلاك حزب الله لهذا الطراز من الصواريخ الأحدث في العالم، ذات المدى الذي يصل الى 300 كلم، يمكّنها من اغلاق كامل الشواطئ الفلسطينية المحتلة وإصابة اي هدف ثابت او متحرك كمنصات النفط والغاز او السفن سواء المدنية او العسكرية.
في ظل هذا التطور النوعي في تسليح حزب الله الذي يبقى مجرد هواجس صهيونية ولم تؤكده قيادة حزب الله، وهو ما تعودت عليه لجهة السرية المتبعة في التعاطي مع قدرات المقاومة، قد يشكل عامل الخوف لدى القادة الصهاينة استعجالًا للمواجهة على قاعدة كلما بكرنا في المواجهة كلما كان الخطر على وجود الكيان اقل وافضل.
المؤكد ان المواجهة بين حزب الله و”إسرائيل”، وإن تأجّلت، إلّا أنها حاصلة بسبب رغبة الطرفين بتحقيق عامل ردع الآخر، إضافةً الى أنّ انتصار سوريا وحزب الله في الحرب على الإرهاب سيجعل قادة الكيان الصهيوني اكثر رغبة في دخول المواجهة بشكل مباشر.