فلسطین المنسیّة تقاتل وحدَها بفتْیَتِها....
طلال سلمان
بیروت / 23 کانون الاول/ دیسمبر- أخیراً، وبعدما وصلت سکاکین سفاحی 'داعش' إلی أعناق 'الرجال البیض' فی أوروبا والولایات المتحدة، فضلاً عن روسیا التی یشکل المسلمون نسبة ملحوظة من أهلها، هرعت الدول المختلفة علی أمور کثیرة إلی مجلس الأمن الدولی لتتوافق علی ضرورة مواجهة تنظیم 'الدولة الإسلامیة' فی 'بلاد المنشأ'، أی المشرق العربی وتحدیداً 'بلاد الشام'.
"فلسطین المنسیّة تقاتل وحدَها بفتْیَتِها....”
فی هذه الأثناء، وعبر المقارنة الیومیة بین إنجازات النجدة الجویة الروسیة لسوریا والنجدات الغربیة المحدودة، وعبر الجو أیضاً، للعراق، فی التصدی لتشکیلات 'داعش' القتالیة، تبدی الفارق الهائل بین ضربات الأسطول الروسی المعزز بأقوی أسباب الدفاع الجوی، وبین الغارات الیومیة للطائرات الحربیة الأمیرکیة خصوصاً والغربیة عموماً، والتی تستهدف طوابیر مقاتلی 'داعش' الذین باتوا یملکون دبابات ومصفحات ومدافع مضادة للطائرات وأسطول نقل برّی غنموها جمیعاً من ثکنات الجیش العراقی، أساساً، بعد احتلالهم الموصل ومناطق أخری، أو من ثکنات الجیش السوری فی البادیة السوریة (تدمر خاصة) أو فی الطرق المفتوحة علی بوادی العراق بعنوان الرقّة ودیر الزور وما بینهما.
فی هذه الأثناء أیضاً، وعلی امتداد سنة ونصف السنة من إعلان 'الخلیفة أبو بکر البغدادی' إقامة 'دولته الإسلامیة' فی بلاد العراق والشام،... أمکن 'لدولة داعش' أن تعد 'موازنة' تعتمد فی مواردها أساساً علی دخلها من بیع النفط المنهوب، عراقیاً وسوریاً، والمباع من دول کثیرة عبر الوسیط الترکی... وقد جاءت أرقام هذه الموازنة 'محترمة' وبمئات الملایین من الدولارات، برغم أنها لم تتضمن ما حصّلته 'داعش' من ریع الضرائب والرسوم، وفق الشرع!! ممن أخضعتهم لإجراءات 'دولتها'.
کانت الدولة فی العراق مفککة، أصلاً، یضربها السرطان الطائفی وهو بعض الترکة الثقیلة للغزو الأمیرکی فی العام 2003 والذی أسقط الدولة ودمّر مؤسساتها جمیعاً والجیش أساساً ونهب بعض ثروتها الوطنیة، قبل أن یغذی 'الفتنة' التی کانت بذورها کامنة.
ومعروف أن الاحتلال الأمیرکی قد غذّی رد الفعل المذهبی حین اجتهد لنقل احتکار السلطة من طائفة إلی أخری، فاتحاً الباب أمام تصرفات انتقامیة وسعت الشرخ بین 'المکونین' الأساس فی أرض الرافدین لیمکن لهیمنته علی الجمیع، شیعة وسنة، عرباً وکرداً وأقلیات عدیدة.
هذه العوامل مجتمعة مع انشغال السلطة فی بغداد بالصراع علی السلطة والثروة، قد تساعد علی تفسیر الاختراق السهل الذی حققه تنظیم 'داعش' فی العراق، وصولاً إلی الموصل، التی اتخذها عاصمة مؤقتة ومنصة لإعلان 'خلافته'... قبل أن یربط بین 'ولایاته' فی العراق، وبین 'الرقة' فی سوریا التی کان قد احتلها واتخذها منطلقاً لنشر 'الدعوة' وعاصمة مؤقتة فی قلب البادیة السوریة.
کان 'الغرب' بعاصمته واشنطن، یتابع هذه الوقائع، ویتردد فی اتخاذ القرار بالتدخل، فلما اتخذه جاء ناقصاً إذ اقتصر علی إیفاد مجموعة من الطائرات الحربیة، أمیرکیة أساساً، ثم عززها بأسراب نجدة شارکت فیها أوسترالیا وکندا، قبل أن یضرب 'داعش' فی قلب فرنسا، بل قلب أوروبا: باریس... وحینها فقط تفاقم الإحساس بالخطر إلی حد إیفاد فرنسا حاملة الطائرات الوحیدة التی تملکها إلی الشواطئ الشرقیة للبحر الأبیض المتوسط، ثم جاء الرئیس الفرنسی شخصیاً لیطمئن إلی تموضعها الصحیح ودخولها المعرکة بقدراتها الخارقة التی لم تؤثر کثیراً علی مسار 'الحرب'.
أما الروس فقد أحسنوا تقدیر الموقف العسکری فی سوریا، أساساً، ثم فی جوارها العراقی بدایة ومن بعده الترکی. کان تقدیرهم أن زحف 'داعش' لن یتوقف إلا بتدخل عسکری حاسم، خصوصاً وان قوات النظام فی دمشق باتت منهکة.
فی ظل هذه المخاطر قصد الرئیس السوری بشار الأسد إلی موسکو طالباً نجدتها المباشرة والفعالة. وفی ذلک اللقاء الذی لم یحضره أی مسؤول سوری إلی جانب الأسد، اتخذ الرئیس الروسی بوتین قراره الخطیر الذی من شأنه أن یقلب التوازنات: لقد قرر أن یتدخل، وعبر الطیران المعزز بحمایة فعالة، وبالصواریخ منطلقة من بحر قزوین کما من مدمرات علی الساحل السوری.
أحدث القرار الروسی انقلاباً فی الموقف الدولی، خصوصاً وقد تعرضت طائراته، فی الأیام الأولی لتحرش ترکی، إذ أُسقطت طائرة حربیة روسیة بصواریخ ترکیة، بزعم أنها قد خرقت الأجواء الترکیة من دون إذن مسبق، وبعدما رفضت تحدید هویتها.
وتفجّرت أزمة سیاسیة خطیرة ما زالت مفتوحة علی احتمالات عسکریة شتی، خصوصاً وقد ردت روسیا بما یمکن اعتباره عقوبات اقتصادیة موجعة لترکیا، ورفضها مختلف التبریرات الترکیة.
وکان ان تزامن مع هذه الأزمة الخطیرة عملیات التفجیر التی تعددت مواقعها فی قلب باریس، والتی شملت ملعباً ریاضیاً ونادیاً اجتماعیاً فضلاً عن أماکن تجمع أخری، ذهب ضحیتها مئة وثلاثون قتیلاً ومئات الجرحی... وقد ثبت أن منفذیها ینتمون إلی 'داعش'.
وصلت النار، إذن، إلی قلب الغرب وعاصمة النور فیه.. ولا بد من التحرک. وبرغم التباعد بین المواقف المعلنة لکل من واشنطن وموسکو فقد کانت الحاجة تفرض الوحدة فی مواجهة الوضع الخطیر الناجم عن هذا التمدد غیر المسبوق لتنظیم 'داعش'، فی الغرب... والذی تلاه تفجیر فی سان فرانسیسکو سرعان ما تبناه 'مجاهدان' ینتمیان إلی التنظیم ذاته.
تواترت اللقاءات الروسیة ـ الأمیرکیة، برغم التباین فی المواقف المعلنة. کان الجمیع یستشعر خطورة تمدد نیران الإرهاب إلی قلب 'عالم البیض'. ولعل روسیا التی تعرف یقیناً أن مئات من مقاتلی 'داعش' وتنظیمات إرهابیة أخری بینها 'النصرة'، قد وفدوا من بعض الجمهوریات الإسلامیة فی الاتحاد الروسی.
وبعد سلسلة من اللقاءات والمشاورات اتفق 'الکبار' علی دعوة مجلس الأمن إلی الانعقاد علی قاعدة موقف موحد یتم تجسیده عبر قرار موحد فی إطار الشرعیة الدولیة ویقضی بضرورة المواجهة الجدیة والحاسمة لتنظیم 'داعش'..
فی انتظار تنفیذ هذا القرار الدولی، بکل تداعیاته علی الأنظمة العربیة المتهالکة، تغیب فلسطین عن الاهتمام، عربیاً بالأساس، وبالتالی دولیاً.
تملأ الدماء خریطة المشرق العربی بمعظم دوله الأساسیة وعواصمها ذات التاریخ المضیء وأبرزها دمشق وبغداد امتداداً إلی صنعاء التی لا بد منها وإن طال السفر... علماً بأن دولاً أخری طالها نصیب من العملیات الإرهابیة بینها الکویت والسعودیة، قبل أن ننتقل إلی دول المغرب حیث تتبدی لیبیا ممزقة الجنبات بالعملیات الإرهابیة وتونس لا تکاد تفرغ من مسح آثار جریمة حتی تتفجر مذبحة أخری، فضلاً عن مصر التی تترکز العصابات فی بعض شمالی سیناء وإن مدت ذراعها فی حالات محدودة إلی قلب الوادی..
وتجرف أخبار المذابح التی ارتکبت وترتکب فی أنحاء مختلفة من الأرض العربیة، الجرائم الیومیة والتی یقدم علیها العدو الإسرائیلی مع سبق الإصرار والتعمد ضد شعب فلسطین الأعزل.
ولقد ابتدع هذا الشعب الذی لا تتعبه المقاومة وسائل وأسلحة جدیدة لمواجهة عدوه المتعطش للدماء تعطشه إلی السیطرة علی ما تبقی لشعب فلسطین من أرضها.
بین ما ابتدع الشعب المقاوم فی فلسطین: الدهس بالسیارة، الطعن بالسکین، فضلاً عن رمی جنود العدو بالحجارة أو 'تصیّد' بعضهم عند المنعطفات أو فی الطرقات المعتمة... وهذا یؤکد روح المقاومة إلی حد الفداء لدی هذا الشعب العظیم المتروک لمصیره بین براثن السفاح الإسرائیلی.
اللافت أن جیلاً جدیداً من المناضلین من فتیة شعب فلسطین قد دخلوا حومة النضال من أجل وطنهم المحتل، وقد زینتهم وأدخلت دماً جدیداً إلی المیدان صبایا فلسطین وفتیاتها اللواتی ما زلن تحت سن البلوغ، واللواتی أَبدین شجاعة فائقة فی التصدی لجنود الاحتلال بسکاکین المطبخ غالباً...
وبینما ینخرط المئات من الشباب العربی، جنباً إلی جنب مع وافدین أغراب من بلاد شتی فی مسلسل لا ینتهی من العملیات الإرهابیة تستهدف بعض بلادهم فی مدنها وقراها بأهالیها المدنیین، وتفجر البیوت ومراکز الإنتاج کمحطات الکهرباء والمعاهد والمدارس وصولاً إلی المستشفیات، فإن فلسطین تغیب عن أذهانهم تماماً.