الكبار …و الصغار .
أحمد الحباسى
بقطع النظر عن نتائج و أهداف اللقاء الروسي الأمريكي بين وزيري خارجية البلدين الذي بدأ منذ يومين فالثابت أن البلدان يتحركان بمبدأ المشاورات و التفاهم المبطن على كل الجزئيات و التفاصيل التي تهم الصراعات الحاصلة في العالم و بالذات في الشرق الأوسط و سوريا و العراق تحديدا ، هذا الأمر يحدث في غياب عديد الدول العربية الرافضة لبقاء الرئيس السوري بشار الأسد و المتشنجة بعد أن استطاع هذا النظام الصمود في وجه الغزوات الإرهابية التكفيرية ، و الجميع يتحدث اليوم بكثير من التفاصيل المهمة بأن اللعبة قد انتهت بلا غالب أو مغلوب بالنسبة للقوتين الأعظم في العالم و أن اللقاءات الأخيرة تهدف إلى وضع اللمسات النهائية على كل هذه التفاهمات المتبادلة التي تضع بعض الدول المشاركة في العدوان الدموي على سوريا في خانة الزوجة التي تكون آخر من تعلم .
لعل أكبر المتضررين من التفاهم الروسي الأمريكي هي السعودية ، قطر ، تركيا ، الأردن و التيار الحريري في لبنان بدرجات أقل ، و لعل هؤلاء يجدون أنفسهم اليوم في خندق الخاسرين و المفعول به مع ذلك الإحساس الواضح لدى شعوبهم بأن الخيانة التي "بذلوها”طيلة خمسة سنوات من عمر المؤامرة الإرهابية على سوريا لم تأت بالنتائج الكبيرة المرجوة منها بل أن كل تفاهمات الكبار في المنطقة و العالم بدءا من سوريا إلى إيران إلى روسيا و الصين و أمريكا قد تمت بعيدا عن أعينهم و دون مجرد الالتفات إليهم كأدوات فاعلة في هذه المؤامرة ، و الحقيقة أن الأحداث تثبت مرة أخرى أن السعودية و قطر و تركيا قد راهنت على الخيار الخاطئ في اللحظة الخاطئة و ضد الطرف الخاطئ في لحظات مفصلية من تاريخ الصراع العربي الغربي الذي أصبحت فيه إسرائيل كعدو مجرد تفصيل بعد أن تبين أن الغرب برمته قد جند نفسه منذ سنوات للإطاحة بالدول العربية الرافضة للهيمنة الغربية الصهيونية الأمريكية بشهادة ما يسمى بمشروع برنار لويس لتفتيت المنطقة و نشر موضوع الفوضى الخلاقة لكبار المحافظين في البيت الأبيض.
لا بد من الإشارة إلى أن المشكلة السورية لا تمثل في حقيقة الأمر و الواقع إلا طالع مشاكل المنطقة بعد أن تبين أن احتلال العراق قد تم تدبيره مسبقا و منذ سنوات سابقة و أن مشاريع تقسيم المنطقة إلى مكونات متفتتة صغيرة قد وضع في أدراج وزارة الخارجية الأمريكية منذ سنوات ، و الذي يحدث اليوم في سوريا و العراق بالذات هو تجربة و تنفيذ لتلك المشاريع بيد الدول الخليجية و هو الأمر المخطط مسبقا أيضا بعد أن حسمت الولايات المتحدة أمرها بعدم إرسال جنودها مجددا للموت في المنطقة العربية و الاستعاضة عن ذلك بالجماعات الإرهابية التكفيرية السعودية المدمنة على المخدرات ، و رغم وضوح المشروع و أهدافه التدميرية للمنطقة العربية فقد أصرت السعودية و قطر و بقية دول الخليجية على التآمر على سوريا بعد أن تآمرت على العراق على القيام بما يلزم لتنفيذ هذه المشاريع الصهيونية أولا لضمان استقرار عروشها المريضة و ثانيا لتأمين تلك العروش مما يسمى بنسائم الربيع العربي التي تداخلت المخابرات الغربية في توجيهها نحو المنطقة الخليجية .
من الواضح أن روسيا بوقوفها إلى جانب سوريا بالذات قد سجلت أهدافا بالجملة في المرمى الغربي بكل تضاريسه و تفرعاته ، و رغم كل المغريات الخليجية فقد هزم القيصر الروسي كل الأحلام الخليجية بإسقاط الرئيس الأسد ، و بل و من المؤكد كما جاء على لسان الرئيس بوتين بالأمس في ندوته الحوارية مع الصحافة العالمية أن هناك خاسرون بالجملة تتقدمهم السعودية و قطر و تركيا ، و أن استهداف و إسقاط الطائرة المقاتلة الروسية من الجيش التركي منذ أيام قد أغلق كل منافذ الحوار بين القيادتين و رتب نتائج اقتصادية عكسية على الجانب التركي بما مثل تعبيرا واضحا بأن الصغار يبقون صغارا و لا مكان في لعبة الأمم للصغار ، أيضا من المهم التأكيد أن إصرار القيادة الروسية على بقاء الرئيس الأسد و الاستناد إلى شرعيته الانتخابية هي عناوين كبرى تؤكد خروج سوريا من عنق الزجاجة الخطير الذي وضعتها فيه المؤامرة الإرهابية الخليجية لمدة ناهزت الخمسة سنوات .
لم يتفطن أعداء سوريا و المقاومة أنهم سيظلون جزءا من المشكلة و ليسوا جزءا من الحل ، و لعل "هروب”السعودية من فشلها في سوريا إلى "عاصفة الحزم”ضد اليمن ثم الهروب من هذا الفشل اليمنى إلى محاولة "إنشاء”قوة ردع عربية سنية ضد الإرهاب هو عنوان آخر من عناوين فشل السياسة السعودية المتواصل منذ سنوات طويلة ، لذلك سيبقى نظام الفساد السعودي مرآة قذرة لكل الدسائس و المؤامرات على الشعوب العربية ، و سيبقى كبار العالم يتحالفون و يتقاسمون هذه الكعكة العربية بعد أن سلمت بعض الدول العربية مفتاح إرادتها السياسية إلى قيادة الدول الغربية دون أن تدرك أن هذا الأمر سيعمق جراح المنطقة و يزيد من تكالب الصهيونية على خيراتها ، و لعل انتصار الجمهورية الإسلامية الإيرانية في معركة النووي و انتصار سوريا في معركة مجابهة الإرهاب و انتصار حزب الله في معركة كسر الإرادة الصهيونية هي عناوين المرحلة القادمة التي لا مكان فيها لهذه الكيانات الخليجية الصغيرة التي ستسقط تباعا و بالريموت كنترول الصهيوني .