kayhan.ir

رمز الخبر: 31105
تأريخ النشر : 2015December19 - 20:07

أخيرا، صفقـة روسيـة أمريكيـة حـول سوريـة.. لكـن مـاذا عـن العـراق؟..

أحمد الشرقاوي

بوتيــن ينقــذ سوريــة مـن المخــلب الأمريكــي..

حصل توافق حول الحل في سورية بين واشنطن وموسكو، ويمكن إيجاز معالمه الأساسية في شقين:

* الشق العسكري: نهاية الرهان على الحل العسكري من خلال ورقة التنظيمات الإرهابية لتغيير النظام في دمشق بالقوة.. تجفيف منابع تمويل الإرهاب.. سحق التنظيمات المصنفة إرهابية وفق القائمة الأردنية التي تضم 160 جماعة تكفيرية.. إدماج الجماعات المسلحة "غير التكفيرية” في المنظومة الأمنية السورية للمساهمة في محاربة الإرهاب.. الحفاظ على وحدة الأراضي السورية والتخلي عن مشروع التقسيم.

* الشق السياسي: رفض أية محاولة خارجية لفرض من يحق له حكم سورية ضدا في إرادة السوريين، وموقف روسيا من الرئيس الأسد ثابت ولن يتغير، والشعب السوري هو وحده دون سواه من يحق له اختيار من يحكمه.. عقد اجتماع بين المعارضة السلمية والحكومة السورية مطلع شهر كانون الثاني/ يناير المقبل.. تشكيل حكومة موسعة تضم ممثلين عن النظام وكل فصائل المعارضة السورية المعتدلة في الداخل والخارج، ويكون من مهامها تعديل الدستور ووضع قانون للانتخابات، على أن تجري الاستحقاقات البرلمانية في فترة لا تتجاوز ستة أشهر بإشراف من الأمم المتحدة يعقبها الاستحقاق الرئاسي.. روسيا وواشنطن سيقبلان بما سيتم الاتفاق عليه بين السوريين أنفسهم، وعلى الجميع تقديم تنازلات متبادلة.

ونتيجة لهذا التوافق التاريخي الذي انتهى بتبني واشنطن للرؤية الروسية للحل في سورية، والذي تبلور عقب جولات مكوكية ومفاوضات سرية بين المسؤولين الأمريكيين والروس، عقد مجلس الأمن مساء الخميس اجتماعا على عجل بناء على ورقة مشتركة قدمها الروسي والأمريكي، وحظت بمباركة بريطانية وفرنسية وألمانية، حيث أصدر بعد المداولات الشكلية قرارا بالإجماع يقضي بمحاربة الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله..

قرار مجلس الأمن أعطى الضوء الأخضر لانطلاق حرب ضروس لا هوادة فيها ضد الإرهاب لسحقه بالكامل في سورية وتجفيف منابع تمويله، مع الإشارة إلى أن الرئيس بوتين، ووفق ما يفهم من تصريح أدلى به خلال مؤتمره الصحفي السنوي صباح الخميس في موسكو، أن تركيا لم يعد لها أي دور في سورية بالمطلق، وأن هناك قطيعة تامة بين موسكو وأنقرة في ظل حكومة أردوغان الحالية، وأن بوتين يتحدى أردوغان بتجريب تحليق طائراته في الأجواء السورية، وهذا يعني أن أمريكا والحلف الأطلسي نزعوا الغطاء العسكري عن أردوغان، ترجم ذلك من خلال مطالبة واشنطن للحكومة التركية بغلق حدود بلادها مع سورية بالكامل وإنهاء عملية مرور المقاتلين في الاتجاهين ووضع حد لتجارة النفط المهرب من سورية..

وهذا شرط آخر لروسيا قبلت به الإدارة الأمريكية، بمعنى، أن إنهاء مرور المقاتلين في الاتجاهين يتعلق أساسا بالأمن القومي الروسي، ما سيمكن القوات السورية مدعومة من كوماندوس من الجيش الروسي بتصفية آلاف الروس والقوقازيين والشيشان ومن آسيا الوسطى في جحيم سورية حتى لا يتمكنوا من العودة إلى بلدانهم عبر تركيا.

وبالتالي، نحن الآن أمام مشهد جديد عنوانه للمرحلة المقبلة: "سحق الإرهابيين وتجفيف جميع مصادر تمويلهم”، ما يعني أن الحرب الحقيقية ستبدأ الآن في سورية، وهو ما عبر عنه الرئيس الروسي بالقول، أن "روسيا لم تبدأ الحرب في سورية بعد، وكل ما كنا نفعله حتى الآن يدخل في إطار المناورات العسكرية، وممول بجزء من ميزانية الدفاع المخصصة للمناورات، ولم يؤثر على اقتصادنا كما يعتقد البعض”.

ويُعقد في نيويورك الاجتماع الوزاري لـ "المجموعة الدولية لدعم سوريا” بهدف دفع الحوار حول تطبيق مقررات اجتماعات فيينا وتحويلها إلى قرار ملزم في مجلس الأمن الدولي وفق ما أفادت بذلك مصادر روسية، الأمر الذي ما كان ليتم لولا التزام القوى العظمى بمبدأ التوافق لحل الأزمات الدولية، ما يعني أن أمريكا تبنت في النهاية الرؤية الروسية للحل في سورية، وهو ما أكده الوزير ‘كيري’ بقوله، إن "موقف مؤتمر الرياض غير مرتبط بالمفاوضات بالتأكيد.. ويجب التركيز الآن ليس على خلافاتنا في شأن ما يمكننا أو ما لا يمكننا فعله على الفور بخصوص بشار الأسد.. السوريون هم من يقرر مستقبل سوريا”، وبذلك أصبحت قضية مصير الأسد وراء ظهورنا، وذهبت مقررات مؤتمر الرياض لما سمي بـ”المعارضة المعتدلة” إلى مزبلة التاريخ، ويستطيع الكتكوت ‘الجبير’ بعد هذا، حفظ أسطوانة "رحيل الأسد سلما أو حربا” المشروخة في المكان العزيز على قلبه، واستبدالها بأخرى جديدة حال تسلمها من أسياده بواشنطن.

والحقيقة، أنه ما كان لهذا التوافق أن يتم لولا حاجة أوباما لانتصار معنوي على الإرهاب يحفظ ماء وجهه، ويعطي لحزبه ورقة ثمينة يستثمرها في الحملة الانتخابية للرئاسة المقبلة التي بدأت باكرا هذه المرة، ويدور محورها الأساس حو "الإرهاب”، خصوصا بعد أن حقق المرشح العنصري ‘تراب’ تقدما لافتا على بقية المرشحين بتبوئه للصدارة، من خلال تركيزه على روقة "داعش” وربط الإرهاب بالإسلام، وقوله أن اتهامه للمسلمين له طابع سياسي لا ديني..

وجاءت تفجيرات باريس وكاليفورنيا بالإضافة إلى التهديدات التي بدأت تطل برأسها في ولايات أمريكية أخرى لتصب مزيد من الزيت على النار وتعقد المشهد السياسي في البلاد، حيث تحول اهتمام الناخب الأمريكي إلى الأمن الذي يراه أولوية الأولويات، فكان أن قرر الرئيس أوباما قلب المعادلة من مدخل التوافق مع الروسي حول سورية، مقابل أن يقتسم الشريكان الانتصار الكبير على الإرهاب، ما سيغير من نظرة المجتمع الأمريكي لحزب الحمار، ويسقط الصورة النمطية التي روج لها حزب الفيل، والتي حولت الرئيس أوباما إلى رئيس ضعيف وقائد متردد لا يملك استراتيجية ولا يعرف ما يجب فعله لمحاربة الإرهاب الذي يتهدد أمريكا والعالم.

لكــن مــاذا عــن العــراق؟..

إذا كان ما أوردناه أعلاه يمثل الخطوط العامة للحل في سورية، والذي نباركه مقدما للقيادة الشجاعة والجيش البطل والشعب السوري الأبي، ونتمنى أن تخرج سورية الحبيبة من أزمتها التي دامت قرابة خمسة سنوات من القتل والدمار والخراب، لتنطلق بعد حين نحو آفاق جديدة من المصالحة والتوافق والعمار، لنسيان الماضي المؤلم والانطلاق نحو المستقبل الجميل الذي بدأ مخاض ولادته اليوم.. فالسؤال الذي لا يزال بحاجة إلى جواب هو:

هل تمت الصفقة بين الروسي والأمريكي وفق معادلة: "سورية لروسيا والعراق لأمريكا؟”.. أم أن الاتفاق تم حول سورية فيما الكباش سيظل مفتوحا بين أمريكا وإيران حول العراق ما دام الأخير لم يستعن بروسيا في الوقت المناسب؟..

نقول هذا، لأن هناك معلومات مؤكدة تتحدث عن قرب انطلاق معركة تحرير الموصل والأنبار بقيادة أمريكا في وقت قريب جدا، فيما سيستعان على الأرض بجيش التحالف "السني” الجديد المكون من "السعودية” ومصر والإمارات والأردن والمستشارين الأمريكيين مع استبعاد الحشد الشعبي، ويفهم في هذا الإطار أن تدخل القوات التركية إلى شمال الموصل كان بإيعاز أمريكي لمنع الحشد الشعبي من بدأ معركة تحرير الموصل، وفي نفس الوقت وضع مسمار جحا في وجه الروسي في حال وافقت الحكومة العراقية على طلب الاستعانة به..

وزير النقل العراقي قال في حواره الأخير مع قناة الميادين قبل أيام، أن العراق يتجه للتحالف مع "السعودية” ومصر والإمارات والأردن، وهو ما يفسر تباطؤ الحكومة العراقية في طلب اجتماع عاجل لمجلس الأمن لاستصدار قرار ضد القوات التركية المحتلة، وفي ذات السياق تفهم الزيارة المفاجئة التي قام بها الوزير جون كيري ووزير الدفاع آشتون كارتر اليوم لبغداد، حيث أشاد بالتحالف السني "السعودي” وقال أننا بحاجة لقوات سنية لمحاربة "داعش” على الأرض، وأن أمريكا ستكثف من ضرباتها عبر طائرات الأباتشي لضرب "داعش”، وكانت قد سحبت الخميس الماضي 12 طائرة حربية من مطار أنجرليك التركي ونقلته إلى قاعدة عسكرية بالخليج الفارسي استعدادا لمعركة تحرير الموصل والأنبار.

فهل نحن أمام تقسيم العراق وإقامة إقليم سني يضم محافظة نينوى والأنبار بتواطؤ من مسعود البرزاني والأردن حيث تقول المعلومات، أن اجتماعات مكثفة تجري سرا في عمان بين البعثيين والدواعش والمخابرات الأمريكية والأطلسية قبل انطلاق عملية التحرير المسرحية، والتي يبدو أنها ستتم على شاكلة تحرير ‘سنجار’، حيث سينقلب "الدواعش” إلى عراقيين سنة وتعلن أمريكا انتصارها على الإرهاب، ما سيحول الرئيس أوباما إلى بطل قومي وعالمي استطاع سحق الإرهاب كما وعد..

المشروع يبدو خطيرا حتى بالنسبة لروسيا، لأنه في حال نجح، فسيسمح بتمرير أنبوب النفط القطري من السعودية عبر الأردن فالإقليم السني الذي يفصل إيران عن عمقها العربي ومن ثم إلى تركيا عبر كردستان فأوروبا؟..

وما نعلمه أيضا، هو أن الذي قصف القوات التركية في بعشيقة هو حزب الله العراقي وليس "داعش” كما سوق لذلك الإعلام التركي والخليجي، وهذا يعني أن الحشد الشعبي والمقاومة العراقية لن ينتظروا السيد العبادي وقرار مجلس الأمن، بل ستنفجر الحرب ويتحول العراق إلى جحيم للغزاة..

العراق مرشح لأن يتحول قريبا جدا إلى مركز الصراع في الشرق الأوسط، وهنا يبدأ دور إيران والمقاومة الشعبية، وطهران ليست في وارد التفاوض مع الشيطان الأكبر حول أي من ملفات المنطقة لإنقاذ وجه أوباما الكالح، أو إهداء "آل سعود” المجرمين نصرا يعزز من موقعهم الإقليمي، لا في العراق ولا في اليمن.