العراق : قطر ، هذا الصديق الذي يريد بنا شرا
أحمد الحباسى
يعيش العراق كما يعيش العامل بالأجرة ، كل يوم بيومه كما يقال ، انقسام سياسي عمودي و أفقي و تناحر و تنابز بالمناصب و الألقاب و انفلات على كل المستويات ، تدخلات خارجية إقليمية و دولية بلا حساب ، فقدان توازن ، و أفاق مشحونة ، الكل يحاول اقتطاع ما يمكن اقتطاعه من الأموال و الأرض و الحضارة ، لا احد يفكر بالعــــراق و لا أحد يفكر للعراق ، هذا هو المشهد ببعض تفاصيله شديدة الاختزال دون إغفال سيطرة الإرهاب على العقول و محاولته بناء دولة الخلافة ليتحول العراق من دولة متحضرة إلى دولة بيع السبايا و قصاص الجزية و ممارسة جهاد النكاح و البغي على بقية الطوائف التي تمثل الفسيفساء البشرية العراقية منذ آلاف السنين ، و رغم جهود بعض الخيريين من أبناء العراق الصادقين المتشبثين بعروبتهم و بدينهم و بمقومات حضارتهم فلا يزال العراق منهكا يعيش حالة من انسداد الأفق و الخوف من المستقبل في ظل صراع محموم على الكراسي و المناصب .
لقد ظن البعض بعد انعقاد قمة بغداد العربية أن العراق قد بدا يتعافى سياسيا على الأقل و أن حضور عدد محترم من القادة العرب إلى تلك القمة هو إعلان عن بداية التحول الكامل في المشهد العراقي ، لكن المتابعين كانوا يعلمون علم اليقين أن حضور قيادات عربية بذاتها هو إعلان عن إفلاس دور الجامعة العربية و خضوع هذه الأنظمة إلى الضغوط الأمريكية الصهيونية لمحاولة الإيحاء برجوع الحالة العراقية إلى طبيعتها خاصة بعد الفضائح المرعبة التي كشفها الإعلام العالمي في ما يعرف بالصور القذرة للانتهاكات الجنسية الصارخة للمؤسسة العسكرية الأمريكية في السجون العراقية و في سجن أبو غريب بالذات ، مؤسسة عسكرية منحطة معروفة باقترافها لجرائم الحرب في فيتنام و أفغانستان و دول أمريكا الجنوبية ، لذلك لم يجف حبر البيان الختامي لتلك القمة البائسة حتى عادت الفوضى للمشهد العراقي بنفس التفاصيل السابقة .
الآن يتحدثون عن عودة السفير القطري إلى العراق ، و الآن يتحدثون عن عودة السفير السعودي و بعض الشروط السعودية ، و الآن هناك في الحكومة العراقية من يتحدث عن عودة العرب إلى العراق و يعتبر ذلك انتصارا للدبلوماسية العراقية ، و هناك من يرحب و هناك من يتساءل و هناك من يجاهر بالشك و هناك من يدفع إلى الانتظار قبل النطق ، طبعا ، هناك من يشفق على العراق و هناك من يتألم على ما وصل إليه العراق على يد أبناءه ، فالعراق بشكله الحالي دولة منهارة على جميع المستويات بحيث انه لم يعد مؤثرا في لعبة التوازنات الإستراتيجية في المنطقة بسبب انعكاس الوضع الداخلي الهش على الوضع الخارجي ، و عودة السفارة القطرية لن يزيد الحالة العراقية إلا تعكيرا خاصة أن الدور القطري المساند للمشروع الصهيوني في المنطقة العربية لم يعد خافيا على أحد ، يضاف إلى ذلك طبعا أن قطر هي من تمول مع السعودية و الإمارات و الأردن الجماعات الإرهابية التكفيرية التي تواجه القوات العسكرية العراقية و تدفع العراق إلى المجهول .
الجميع يعلمون أن قطر ليست دولة و لا مجرد كيان بإمكانه أن يكون له وزن في المنطقة ، فقطر على حد علم المتابعين ليست إلا خزانة مالية لا تختلف كثيرا عن خزائن عائلة روتشيلد الشهيرة و هي منظومة بنكية لتمويل الإرهاب و تنفيذ عملية تفتيت الدول العربية ، بقية ما يشاهده العموم من راية و جيش استعراضات ومن بروتوكول لا يختلف كثيرا عما نشاهده في بعض الدول الإفريقية درجة عاشرة من مشاهد مقززة تعبر عن تخلف في العقليات و اهتزاز في شخصية السلطة الحاكمة كما حدث مع " الإمبراطور " عيدي أمين دادا رئيس أوغندا و جون بيدال بوكاسا في جمهورية أفريقيا الوسطى ، و بهذا المعنى فقطر ليست تلك الدولة التي تقدر على فرض شروطها على عراق آلاف السنوات من الحضارة ، و السفير القطري ليس السفير المرحب به في دولة تعانى من إرهاب تموله قطر و ترعاه المخابرات القطرية من بين مخابرات إقليمية و صهيونية و غربية أخرى .
لقد هزلت و سامها كل مفلس ، فالعراق قد هزل هزالا شديدا بسبب تتالى الضربات الداخلية و الخارجية الموجعة لكنه يبقى رغم ذلك و رغم كل العواصف مستندا إلى مخزون حضاري و تاريخي و إنساني غير مسبوق في تاريخ المنطقة برمتها يقيه أن يقع في المحظور بأن يتقبل هذه الإهانة القطرية البائسة و أن يسعى إلى ود السفير القطري الذي سيجعل من السفارة القطرية ملجأ لكل أعوان مخابرات الموساد و بقية المخابرات الغربية الناشطة على التراب العراقي منذ سقوط بغداد سنة 2003 ، فرجوع قطر و "سفارتها” المشبوهة إلى العراق ليس خبرا مزعجا للعراقيين و للأمة العربية فحسب بل هو مؤشر على وجود طبخة صهيونية غربية جديدة يحتاج تنفيذها فتح السفارة القطرية في العراق ، و لان قطر لا تتحرك من "تلقاء نفسها” فان هذه العودة مشبوهة و تحتاج من المخابرات العراقية المنهكة على أكثر من صعيد بذل جهود جبارة لحماية الشعب العراقي و حماية الثروات العراقية .
لقد حان الوقت للساسة العراقيين أن يتوحدوا نهائيا لدرء كل الإخطار عن العراق ، ما نشاهده من ردود أفعال متشنجة على الساحة العراقية و من تردد الحكومة العراقية في مواجهة الصعوبات الكبيرة التي تقف أمامها يوميا لا يبشر بالخير طبعا ، لكن لا بأس أن يستأنس الشعب و الحكومة العراقية بالتجربة التونسية و ذلك بالالتجاء إلى هيكل غير متحزب يقبله الأفرقاء المتخالفين على شاكلة " الرباعي الراعي للحوار " التونسي الذي تحصل أخيرا على جائزة نوبل تقديرا لجهوده في لم الصفوف و رعاية الحوار بين مكونات المجتمع التونسي لتذليل عديد الصعوبات التي واجهت المرحلة الانتقالية ، فالحوار بين العراقيين بدون تدخل من الأطراف الأجنبية كفيل " بطرد " كل المناورات القطرية و إفشال كل المخططات السعودية الصهيونية الأمريكية لتفتيت العراق و نهب ثرواته و إرجاعه إلى حالة " العصور الأولى” على رأى جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي السابق ، و في كل الأحوال ، يجب الحذر من قطر ، هذا العدو الذي يريد بالعراق شرا.