الجيش السوري ، نتائج فاقت التوقعات.
.
احمد الحباسى
لم يستطع أي جيش من الجيوش العربية تحقيق ما حققه الجيش السوري في معركة الخمسة سنوات الأخيرة و لن يستطيع أي جيش من الجيوش العربية الوصول إلى ما وصل إليه الجيش العربي السوري من تكديس الخبرات و تراكمها و التعامل مع الأحداث و المستجدات في كل المجالات ، و بلغة السياسة على اعتبار أن النتائج العسكرية على الأرض هي من تعطى الدبلوماسية و السياسة مغزاها و مداها فقد تمكنت القيادة السورية من تعزيز قدراتها التفاوضية مع الأعداء و مع كل أدواتهم العميلة في المنطقة ، و لان قدرات الجيش السوري محدودة و محدودة جدا بالقياس إلى قدرات الأعداء و مموليهم و مسانديهم من دول الخليج الفارسي فان ما تحقق على أرض الواقع من انتصارات نوعية متتالية و مختصرة في الوقت قد دفعت المتابعين و المهتمين بالشؤون العسكرية إلى إعادة تصوراتهم و توقعاتهم خاصة أن هناك من تنبأ بانهيار الجيش السوري في أسابيع بسبب ما نسب إليه من عوائق طائفية و مذهبية و عقائدية فضلا عن اتهامه الملفق بكراهية النظام .
عندما تكون حدود أية دولة في العالم و مهما كانت مقدرتها العسكرية مخترقة قصدا من دول الجوار بمثل ما هو حاصل في سوريا فانه من الصعب على أي جيش في العالم أن يتعامل مع هذه الوضعية المعقدة المركبة خاصة و أن تلك الدول المجاورة قد فتحت حدودها عمدا لتمرير السلاح و الجماعات الإرهابية و عملاء المخابرات و الأجهزة التقنية المتطورة للاتصالات ناهيك أن الولايات المتحدة بكل قدراتها العسكرية و التقنية لم تستطع منذ نشأتها السيطرة على حدودها مع دولة المكسيك المخترقة من جماعات تهريب المخدرات فقط و لا غير رغم مجهود الحكومة المكسيكية فما بالك بدول عربية متعاونة مع المؤامرة الصهيونية تسخر أجهزة مخابراتها و فصائلها المسلحة لفرض حالة من الفوضى العامة على التراب السوري لتشتيت القوات الأمنية و العسكرية و دفعها إلى الانسحاب من عدة مناطق بحسب الأهمية مما يعطى للجماعات الإرهابية مواقع متقدمة و يمكنها من قواعد تستخدمها تلك المخابرات لإيصال و تخزين السلاح و الأجهزة المتطورة بما فيها بعض الصواريخ القادرة على ضرب الطائرات السورية .
لقد كانت هذه الحرب فرصة لامتحان عسير للعقيدة القتالية العسكرية السورية ، امتحان خرجت منه المؤسسة السورية بكثير من علامات الشهامة و التميز بحيث لم تشهد ساحات القتال فرارا للقيادات العسكرية أو الهروب من ساحة المواجهة بل شكلت هذه الفرصة النادرة للجيش العربي السوري تسطير ملاحم فاقت الخيال في صمود بعض المواقع و المطارات المحاصرة أشهرا بدون مئونة أو بنقص في العتاد ، هذا الأمر المهم في كل المعارك هو من أعطى الزخم اللازم لحصول انتصارات نوعية أخرى دفعت القيادة الروسية في نهاية الأمر إلى تغيير مواقفها العسكرية 360 درجة و القبول بدخول في حرب الأمتار العشرة الأخيرة للقضاء على الإرهاب و هو تحول دراماتيكي تاريخي مهم يحدث لأول مرة في تاريخ المؤسسة العسكرية الروسية ، هذا التحول العسكري النوعي سواء من حيث التوقيت أو الأهداف المحددة و المعلنة أو من حيث القوة النارية المستعملة أو من حيث الانعكاسات العسكرية و السياسية على الأزمة السورية سيشكل موضوعا لدراسات متعددة في الغرب و يمثل صداعا في ذهن القيادات الغربية و الصهيونية على المدى الطويل .
لقد بنيت المؤامرة على سوريا على عدة مطالب و أهداف : إسقاط النظام ، عزل الرئيس ، تنظيم انتخابات لتسمية حميد قرضاى في سوريا ، تفكيك الجيش السوري ، إسقاط مفهوم المقاومة من التداول و الاستعمال ، فرض حالة من انقسام بين الطوائف السورية ، استهداف العلماء ، فتح الحدود مع إسرائيل و القبول بتسوية أمريكية للنزاع العربي الصهيوني ، تركيز قواعد و أجهزة تنصت في سوريا ، فرض رئيس موال للصهاينة في لبنان ، التأثير على حزب الله ليقبل بنزع السلاح ، تمكين تركيا من تنفيذ أحلامها العثمانية ، هذا في العناوين المهمة ، لكن الجيش السوري هو من قطع على الجميع كل هذه الأحلام القذرة بحيث لم يعد هناك حديث إلا عن كيفية مواجهة هذا التمدد العسكري السوري و اكتساحه لمناطق الجماعات الإرهابية أو البحث في انعكاسات التدخل الروسي على مجمل الأوضاع في الشرق الأوسط ، و هنا ، لا بد من الاهتمام بتلك القراءات السياسية و العسكرية التي تعتبر أن السياسة الأمريكية الفاشلة في الشرق الأوسط و في سوريا بالذات هي من أعادت اللاعب الروسي للمنطقة بشكل غير مسبوق مما سيمثل تحولا استراتيجيا نوعيا سيغير قواعد اللعبة و سيفرض على الإدارة الأمريكية تقديم تنازلات مؤلمة للتعامل مع هذه الوضعية و بالتالي فان حلمها الصهيوني بإسقاط الرئيس الأسد سيبقى مجرد حلم بائس تافه انقلب إلى كابوس.
هناك قناعة اليوم أن اللعبة القذرة في سوريا قد انتهت ، و هناك تسريبات عن وجود محطات حوار بين النظام السوري و بعض البلدان الخليجية ، و وجود مفاوضات مصالح بين النظام و بين بعض الدول الغربية مثل فرنسا ، على اعتبار أن استقبال الرئيس الأسد لبعض الشخصيات النيابية الفرنسية يمثل في حد ذاته اختراقا مهما في مجال السياسة الفرنسية المترددة ، أيضا لا يمكن اليوم إغفال التحول البطيء في السياسة المصرية نحو سوريا ، تحول يحتاج إلى بعض الوقت للنضج بالنظر إلى الأوضاع الأمنية المصرية المتردية و طبيعة التحديات التي يواجهها النظام من الداخل و الخارج ، و لعل الحديث عن إعادة فتح بعض السفارات العربية في دمشق سيأتي هذه المرة في سياق سياسي و استراتيجي مختلف بحيث أن القرار العربي اليوم لن يكون قرارا ذاتيا بل هو نتاج لرجوع سوريا بقوة على مسرح الأحداث بفضل صمودها العسكري المسلح في وجه العصابات السعودية ، صمود عزز قدرتها السياسية على التفاوض مع هذه الدول وفقا لقواعد جديدة يؤخذ فيها بعين الاعتبار كل ما حصل و مسؤولية هذه الدول في حصول العدوان و ما أنتج من آثار مدمرة في سوريا و ما يترتب عن ذلك من تعويضات و مسؤولية جنائية دولية
يعلم المتابعون أن منظومة ” اس – 300 ” الصاروخية قد كانت مطلبا ملحا للرئيس الراحل حافظ الأسد زمن الرئيس ميخائييل قورباتشاف ، و مع بداية حكم الرئيس بوتين عاد الحديث عن قرب انجاز الصفقة خاصة في ظل تحليق الطائرات الصهيونية فوق العاصمة السورية و بالذات القصر الرئاسي لكن إسرائيل فعلت كل شيء لمنع الصفقة بكل الطرق ، لكن صمود الجيش السوري منذ خمسة سنوات هو الذي دفع القيادة الروسية بعد أن تلقت عديد الضربات الموجعة تحت الحزام من "الصديق” الأمريكي خاصة في شبه جزيرة القرم إلى الدخول في حرب القضاء على الإرهاب ، دخول تطلب تعزيز قواتها العاملة على الأرض السورية بعدة منظومات عسكرية متقدمة تنشر لأول مرة خارج التراب الروسي لكن إسقاط الطائرة ” سو- 24 ” الروسية بصواريخ الأتراك قد جاء لينفض الغبار عن مشروع وضعته موسكو في قائمة الانتظار و أصبح اليوم ضرورة حتمية لحماية قواتها وإرسال رسائل مرعبة واضحة لكل عملاء الصهيونية في المنطقة و على رأسهم الطفل العثماني الحالم بالماضي ، و حين يتحدث الجميع عن عمليات خاصة تمت بين الجيشين السوري و الروسي لاستعادة الطيار الروسي فنحن نتحدث عن إستراتيجية كاملة بدأت تنفذ على أرض الواقع بما يعزز القول أنه على تركيا أن تتراجع كثيرا حتى لا تفقد ماء الوجه بصورة صادمة .
..