التسْريب في الصحافة العْبِرّية
خيري منصور
أضاف الإعلام الحديث إلى مهاراته وخبراته التقليدية، مُنْجزات عديدة في مجال العلوم الإنسانية، وبالتحديد السايكولوجيا فهي عامل جَذْري في الحروب النفسية وأساليب الضغط واسْتثمار الشائعات التي من شأْنها أن تُضاعف من إرباك وبلبلة الرأي العام.
وما كان في النصف الأول من القرن الماضي مجرد تجارب تحتمل الصّواب والخطأ أصبح الآن موظفاً بشكل منهجي ومُبَرمج، لهذا بقيت وسائل الإعلام البريطانية لفترة طويلة ترى في المُقارنة بين فيلمين سينمائيين عن حرب السويس نموذَجاً للتفريق بين مدرستين أو اتجاهين في الإعلام، أحدهما واقعي جداً وأقرب إلى الفوتوغرافيا والآخر تتسلل بين سطوره مفاهيم ومفردات قادرة على التأثير في السيّاق كله لكن بشكل غير مباشر.
والصحافة العِبْرية استبقت العديد من الصحف في هذه المنطقة لتوظيف علم النفس في أدائها، ومن أهم ما مارسته منذ عقود هو ما يسمى التسريب وهو يخضع لأمرين أولهما التوقيت وثانيهما المناخ العام والسائد عالمياً، فأحياناً يكون إطلاق البالونات اختبارياً لقياس منسوب ردود الأفعال وبالطبع لا يحدث هذا جزافاً أو لمجرد نزوات صحفية، بل هو نتاج تنسيق مدروس بعناية مع أجهزة مخابرات ومراكز أبحاث، منها ما هو متخصص في فن الاستباق، من أجل المصادرة أي دراسة التوقعات في ضوء الممكنات التي تطفو على سطح الواقع. ومن ثم استباقها بردود أفعال محتملة، وهذا بحد ذاته من صلب المستقبليات، التي لم تعد مجرد نبوءات أو اعتماد على الحدس بقدر ما هي علم خالص، ومن أهم غايات هذا النمط من الدراسات الاستباقية الوقاية من الصدمات وكأنها تقدم مصدات للصواعق لكن على مستوى السياسة.
وأخطر ما يمكن أن يقع فيه العربي وهو يتلقى التسريبات من الصحف العبرية هو تصديق ما يقرأ، ومن ثم الارتكاز إليه بصفته حقائق، والمسألة ليست كذلك على الإطلاق، فما وراء الأكمات والكواليس شيء آخر تماماً.
إن الإعلام التقليدي الذي لم يتحرر من الانفعالات والإسقاطات لن يقوى على مجابهة إعلام مشحون بكل هذه المنجزات، فالتضليل مثلاً لم يعد على طريقة غوبلز الوزير النازي الذي أراد تحويل تكرار الكذب إلى حقائق فما أنجز في العقود الأخيرة، وبالتحديد ما بعد الحرب العالمية الثانية في مجال تثقيف الإعلام وتأهيله علمياً يعتبر إحدى الطفرات النوعية في عصرنا.
إن استراتيجية التسريب تتأسس على لعبة خلاصتها الإعلان عن موقف ما من أجل إخفاء مواقف أخرى أهم منه.
والتسريب في النهاية هو شكل من أشكال التهريب.