kayhan.ir

رمز الخبر: 24742
تأريخ النشر : 2015August24 - 21:17

سوريـة.. لا تستعجلـوا فتـح جبهـة الجـولان..

أحمد الشرقاوي

لا يختلف اثنان على أن القضية الفلسطينية هي التي كانت في أساس قيامة القومية العربية التي وحدت الشعوب العربية من الماء إلى الماء خلف الشعارات، برغم النكبة والنكسة وسلسلة الإخفاقات التي لم تقتل الأمل في قلوب الناس بإمكانية إنجاز التحرير، ما دام جناحي النظام القومي العربي في مصر وسورية لا يزالان متمسكان بقضية الأمة المركزية التي تحولت إلى قضية كرامة..

إلا أن اتفاقية ‘كامب ديفيد’ في عهد السادات الذي باع فلسطين عام 1978، كسرت الجناح الغربي للعرب وفتحت الباب واسعا لظاهرة الارتزاق على مستوى الأنظمة والحكومات وما تلى ذلك من تغيير في الخطاب على مستوى النخبة والإعلام، الأمر الذي أجهض شعلة الحلم وقتل الإحساس بقيمة وجدوى هذه "القومية العربية” التي أخفقت على مستوى الإنجازات وتحولت إلى جسد عليل ينخر عظامه الوباء، وتبين أن من رفعوا شعارات التحرير والإصلاح والنهضة في الوطن العربي لم يكونوا سوى ديماغوجيين ركبوا القضية من أجل أهداف انتهازية (إلا من رحم الله حتى لا نعمم”..

وفي خضم هذا السقوط المريع الذي لم يستسغه البعض ممن ظل يمني النفس بالوهم ويدافع عن الصنم والشعارات الجوفاء، لم ينتبه الناس أن الفرق بين "إسرائيل” والعرب، هي أن الأولى كانت تخطط بشكل استراتيجي بعيد المدى على ضوء الدراسات وتقارير الاستخبارات، فيما الحكام العرب كانوا منشغلين بتشخيص الصراع وتقديم المبادرات لإرضاء أمريكا والغرب، بعد أن حولوا الصراع من قضية إسلامية إلى قضية قومية فوطنية فلسطينية – إسرائيلية، متجاهلين قولة عمر بن الخطاب (ر”: "من يطلب العزة بغير الإسلام أذله الله”..

وحدها سورية رفضت دخول سوق النخاسة السياسية العربية وتشبثت باستماتة بقيمها الدينية والقومية ومبادئها الأخلاقية، وقررت في ظل العجز والعزلة الدولية والعربية نهج خيار الممانعة في انتظار أن يفعل الله أمرا كان مقدورا..

ولأن لفلسطين رب يحميها، فلم تمضي سنة واحدة على ما فعله العرب بها حتى جاءت الثورة الإسلامية الإيرانية سنة 1979 لترفع راية فلسطين فوق السفارة الأمريكية معلنة للعرب والمسلمين ولكل شعوب العالم، أن فلسطين لا تزال هي القضية، وأن تحرير القدس الشريف سيظل هو الهدف، وأن لا عزة ولا كرامة للعرب والمسلمين من دون ذلك، خصوصا وأنه تبين بما لا يدع مجالا للشك أن عدو العرب وعدو المسلمين وعدو الإنسانية جمعاء هي الصهيونية بجناحيها، صهيونية الروح في أمريكا وصهيونية الجسد في فلسطين المحتلة، في حين أن العرب والمسلمين فقدوا الروح فانهار الجسد..

والفرق الجوهري الكبير الذي أحدثته الثورة الإسلامية الإيرانية مقارنة بالقومية العربية، يتمثل في أنها بعثت الروح في شرفاء الأمة، ونجحت عمليا في بضع عقود في تحويل الشعارات إلى إنجازات غيرت موازين القوى وبدلت معادلات الصراع مع العدو الصهيوني إلى الأبد بفضل روح التضحية والفداء التي تجسدت واقعا على الأرض..

بدليل، أنها شجعت ودعمت بالمال والسلاح والتدريب والخبرات العلمية والتكنولوجية حركات المقاومة في المنطقة – إسلامية شيعية، وسنية، وقومية عروبية – ورأينا كيف هزمت "إسرائيل” في أكثر من حرب ومعركة في لبنان وقطاع غزة، فلم يعد جيش الكيان ذلك الجيش الذي لا يقهر كما روج له الحكام العرب، وأصبح حلم التحرير رهانا قابلا للتحقق، ما أحيا الأمل في القلوب وفجر البهجة في الصدور وأعاد للعرب الإحساس بالثقة في النفس، خصوصا بعد أن أثبتت جيوش الأنظمة العربية فشلها الذريع في إنجاز المهمة، وركبت في قلوب الناس عقدة العجز واليأس..

ولو كان العرب استفادوا من قيم دينهم ودروس تاريخهم وعبر الأمم التي سبقتهم، وفتحوا الحدود للشعوب العربية لتقاوم وتقوم بالمهمة بدلا عنهم، لتحررت فلسطين منذ زمان، ولأخذ التاريخ مجرى غير الذي نعرفه اليوم، بدليل، أن أمريكا القوة التي كانت ترعب العالم خرجت مدحورة تجر أذيال الخيبة والهزيمة من العراق تحت الضربات الموجعة للمقاومة الشريفة التي دعمتها إيران وسورية.. فكيف كان سيكون الحال يا ترى بالنسبة لكيان هجين كـ”إسرائيل”؟..

لهذا السبب، كان لزاما وضع إستراتيجية دولية بأهداف مرحلية تبدأ بحملة إعلامية خبيثة ومركزة لكي الوعي وتحويل إيران إلى عدو، وسورية إلى دولة من محور الشر، والمقاومات الإسلامية الشريفة إلى منظمات إرهابية، في حين أصبحت "إسرائيل” دولة معترف بها في الأمم المتحدة وكيان طبيعي في جسم الأمة، بل وحليف موثوق للعرب الصهاينة في مواجهة التمدد الإيراني من خلال قطع أدرع طهران في العالم العربي في أفق إسقاط الثورة ونظام ولاية الفقيه بالإرهاب والفتن المتنقلة..

ولأن سورية هي البلد العربي الوحيد الذي ظل وفيا للقضية، ووجد في إيران الدعم والسند لتحقيق طموحات الشعوب العربية، فقد تم إعلان الحرب الكونية على دمشق، وقرر العرب طرد سورية العربية من الجامعة العربية ضدا في ميثاقها، وضدا في فلسطين، وضدا في كل ما سوقته مؤتمراتها الفلكلورية من أطروحات وحدوية ونهضوية لتضليل الشعوب، ليتبين بعد حين أنها في الأصل كانت جامعة عبرية تفوح من قراراتها رائحة الزيت والخيانة، ومن مواقف أمانتها العامة الخسة والنذالة، وأنها عملت بجهد جهيد عكس مصالح الأمة، وبدل أن توحد العرب شتت شملهم، وبدل أن تحرس على أمنهم القومي دمرت دولهم ومزقت شعوبهم وسرقت حلمهم وتآمرت على وجودهم ومصيرهم من فلسطين إلى العراق إلى ليبيا إلى سورية إلى اليمن والحبل على الجرار..

وبالرغم من أن العرب وعلى رأسهم الأخ الصهيوني الأكبر "السعودية”، باعوا القضية مقابل بقاء عروشهم، وفرطوا في فلسطين وقدس المسلمين مقابل السكوت عن فسادهم واستبدادهم، ولم يقدموا للمقاومة الناشئة رصاصة أو بندقية، وتآمروا على سورية بسبب تحالفها مع إيران ودعمها لحزب الله والمقاومات الشعبية في فلسطين.. إلا أنهم لم يجدوا ما يهاجمون به الرئيس الأسد العصي على الانكسار، الرافض لأن يكون حاكما بأمره مدى الحياة شريطة أن يقبل بإذلال شعبه وطمس هويته وقتل حلمه.. أقول، لم يجدوا شيئا لنزع شرعية الممانعة والمقاومة عن الرئيس السوري غير القول السخيف بأنه لو كان يحارب "إسرائيل” حقا لما سكت عن تحرير الجولان ولفتح جبهة المقاومة من هناك..

هؤلاء نراهم اليوم يسخرون من الممانعة ويستهزئون بالمقاومة، وكلما أقدمت "إسرائيل” على مغامرة لجس النبض ضد سورية يرفعون الصوت للقول أن الأسد لو كان شجاعا لما قتل شعبه بالبراميل المتفجرة ولرد لـ”إسرائيل” الصاع صاعين..

هذه دعوة غبية للانتحار، خصوصا وأن سورية تمر اليوم بمرحلة دقيقة من أصعب مراحل تاريخها، وهي ليست في المواجهة وحدها، وكلما حققت إنجازات نوعية في الميدان إلا وسارعت "إسرائيل” للعدوان عليها في محاولة يائسة وبئيسة لخلط الوراق بهدف رفع معنويات التكفيريين من جهة، وطمأنة الصهيونية العربية وعلى رأسها "آل سعود” برسالة مفادها: أنه لولا "إسرائيل” لما وجدت "السعودية” ولما كان لها لتبقى، وأننا معكم في معركة الوجود والمصير ضد إيران، وأن سوريا لن تنتصر على الإرهاب، وسنعمل المستحيل لإسقاط نظامها وتقسيمها بعد أن حولناها إلى دولة ضعيفة فاشلة (وفق زعمهم”..

سورية مدركة لأبعاد اللعبة ولخطورة الرهان على فتح جبهة الجولان في هذه المرحلة المبكرة من الصراع ولما تنتهي بعد من تطهير البلاد وإراحة العباد من زبالة التكفيريين الوهابيين، وحزب الله مدرك، وكما قال سماحة السيد ذات خطاب، أن المقاومة وإن كانت تمثل خطرا إستراتيجيا على "إسرائيل” إلا أنها لم تصل بعد إلى درجة الخطر الوجودي، لأن تحرير فلسطين يحتاج لتظافر الجهود من أجل توحيد البندقية في اتجاه "إسرائيل”، لأن العدو واحد، والمعركة واحدة، والمصير واحد أيضا..

لهذا السبب كنا دائما ندعو لتوحيد الساحات وإعادة توجيه بوصلة الصراع تجاه فلسطين، وسماحة السيد المدرك لطبيعة الصراع وأبعاده الخطيرة على محور المقاومة ومستقبل الأمة ركز على هذا التوجه ذات خطاب، وجاءت رسالة القائد محمد الضيف من غزة لتؤكد استعداد المقاومة الفلسطينية لتوحيد البندقية وخوض المعركة كوحدة واحدة متكاملة، لتفتح أبواب الجحيم على الصهاينة من غزة وجنوب لبنان والجولان المحتل حين تحين ساعة الحقيقة..

هذا هو ما أدركت خطورته "إسرائيل” وحلفائها في المنطقة (السعودية وقطر وتركيا والأردن”، فعملوا على استقطاب حماس بالمال والوعود الزائفة المعهودة لتحييد القطاع عن الصراع، ما يجعل جهد "إسرائيل” ينصب على تسعير النار في سورية، والغارات الأخيرة التي جاءت عقب اتهام الجهاد الإسلامي بقصف الجولان المحتل بالصواريخ يدخل في إطار هذا المسعى، بالرغم من أن لا وجود لعناصر جهادية من الجهاد الإسلامي في الجنوب السوري، وما قالته الحركة عن عدم مسؤوليتها عن حادث إطلاق الصواريخ صحيح تماما، نصدقه ولا نصدق "إسرائيل” حتى من الباب الفرضية في التحليل، لأن حركة الجهاد عودتنا أن لا تقول إلا ما تفعل ولا تفعل ما لا تقول..

اللعبة في جوهرها لا تعدو أن تكون محاولة خبيثة لفك الارتباط بين إيران وسورية من جهة وحركات المقاومة في غزة من جهة أخرى، من خلال اتهام الجهاد الإسلامي تحديدا لدفعه للقبول بالهدنة طويلة الأمد التي تعمل عليها تركيا وقطر والسعودية مع الجناح السياسي لحماس، كما وأن عزل حركات المقاومة عن سورية هدفه إضعافها ومنعها من فتح جبهة الجولان من خلال استراتيجية توحيد البندقية ضد "إسرائيل”، وبالتالي، إضعاف سورية للإجهاز عليها، لأنه إذا سقطت سورية لا قدر الله، سقط محور المقاومة بأكمله، ولن يعود في لبنان شيئ اسمه حزب الله ولا في فلسطين شيئ اسمه حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وغيرها.. سقوط سورية يعني سقوط العرب ونهاية الحلم وضياع الأمل.

ومن منطلق هذه الحقيقة التي لا يرقى إليها الشك، كنا نقول أن استدارة حماس وانخراطها في الخط السياسي للأممية الإخونجية كان خيانة للقضية وطعنة بخنجر الغدر في ظهر سورية، وأن الاستدارة نحو "السعودية” المتآمرة على المقاومة بمعية تركيا وقطر لا يمكن تبريره بالمنطق السياسي السطحي، ولا يمكن تفسيره إلا في إطار التوجه لبيع القضية مقابل أهداف انتهازية واضحة عارية، ولعل ما وقع في مخيم اليرموك خير مثال على ما يحضر ليس لسورية فحسب، بل وللقضية والشعب الفلسطيني أيضا، وهو ما نرى محاولاته تتكرر في مخيم عين الحلوة في لبنان اليوم وللمرة الرابعة..

أما موقف الجهاد الإسلامي من الحرب الكونية في وعلى سورية واليمن أيضا، بدعوى "الصمت الإيجابي” مراعاة لـ”السعودية” عدوة العرب والمسلمين وحليفة "إسرائيل”، فقد كان موقفا سياسيا مريبا على حساب الموقف المبدئي الأصيل، واعتبرناه نقضا للمرجعية الإسلامية التي تصدر عنها الحركة، دون أن نشكك في عقيدتها الجهادية التي لا نزال نؤمن أنها كانت ولا زالت وستظل وهاجة مضيئة، وأن قيادتها ستتجاوز إكراهات السياسة.. لأن القيم والمبادئ والأخلاق فوق المصالح والاعتبارات الظرفية.

لأنه لا يكفي أن تقول حركة مجاهدة أنها تقاوم من أجل فلسطين ولا تنخرط في معركة الوجود والمصير التي تخاض ضد خيار المقاومة تحديدا في سورية، والجميع يعلم أن سورية تدفع اليوم ثمن دعمها لحركات المقاومة وإصرارها على هذا النهج..

فكيف يمكن أن ينفع الحياد والمستهدف هو خيار المقاومة ووجوده واستمراره،؟.. ولماذا نرى الجبهة الشعبية مثلا، منخرطة قلبا وقالبا في الحرب الكونية التي تخاض ضد سورية؟.. هذه أبجديات الصراع التي لا يمكن تبرير الانقلاب عليها بالخطاب السياسي السطحي..

المقاومة الفلسطينية مطالبة اليوم بأن تكون إما مقاومة جهادية فتنخرط بالكامل في معركة الوجود والمصير دفاعا عن الأمة التي تستهدف اليوم في آخر قلعة من قلاع العزة والكرامة التي تمثلها سورية، أو أن تتحول إلى حركة سياسية فتترك البندقية وترفع القلم لتوقع الهزيمة والاستسلام وتتمتع بالراحة وطيب العيش..

لا وجود لمنطقة رمادية بين الخيارين عندما يتعلق الأمر بقضية فلسطين، لأن الولاء كل لا يتجزأ، والمجاهد الحقيقي لا يمكن أن يكون مع الله ومع الشيطان، مع فلسطين ومع "إسرائيل”، مع محور المقاومة ومع محور المؤامرة، مع الجهاد ومع الحلول الاستسلامية.. لأن العزة والكرامة لا يتعايشان مع الذل والمهانة.

فاتخذوا قراركم النهائي أيها السادة قبل الحديث عن فتح جبهة الجولان.. فالشعوب ما عادت مغفلة لتنطلي عليها اللعبة، والمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين.