الاستراتيجية العسكرية الاميركية: عودة المحافظين الجدد بلغة ’ناعمة’
محمد محمود مرتضى
الحرب ثم الحرب ثم الحرب. هذه هي الرؤية المستقبلية لوزارة الحرب الأمريكية والتي كانت قد أصدرت استراتيجيتها العسكرية الوطنية لعام 2015. اربع وعشرون صفحة تشرح خطط حكم العالم من خلال القوة العسكرية. وفي حين جاءت صياغة التقرير بارعة وأقل تحريضًا من التقارير المشابهة سابقا، إلا أن عزم الولايات المتحدة على تتبع مصالحها بشكل فردي من خلال العنف الشديد المقنع يبقى هو حجر الزاوية للاستراتيجية الجديدة.
من السهولة لقارئ التقرير الا يجد شكلًا من أشكال الندم على ما تسببت به الولايات المتحدة من خسائر بشرية ومادية، حتى في البلدان التي لم تشكل أدنى تهديد للأمن القومي الأمريكي. ومع ذلك فإن التقرير يعكس الإرادة الجديدة لمؤلفيه وللنخب الأمريكية على مواصلة المذابح وإراقة الدماء حتى يتم "قتل” جميع المنافسين المحتملين أو القضاء عليهم، للوصول الى الوقت الذي تشعر فيه واشنطن بأن ثقتها بالسيطرة على مقاليد القوة العالمية غير قابلة للتحدي.
يخفي تقرير الاستراتيجية العسكرية الوطنية نواياه العدائية من خلال لهجة "الأمن القومي” المضللة. وأن الولايات المتحدة لا تشرع في الحروب العدوانية ضد الدول "البريئة” التي تمتلك كميات كبيرة من الموارد الطبيعية. لا، بل تتعامل فقط مع "التحديات الأمنية” لـ”حماية الوطن” و”تعزيز المصالح الوطنية”. فكيف يمكن المجادلة بهذا الامر، ألم تكن امريكا "تحاول فقط أن تجلب السلام والديمقراطية إلى أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا”؟!!
رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي حاول أن يَعِد الشعب الأمريكي بمستقبل لا نهاية له من الحروب "مبشرا” بأنَّ "صراعات المستقبل ستكون متسارعة بشكل أكبر، وتستمر لفترة أطول، وسوف تحدث على ساحة تحدٍّ أكثر فنية..
كما أعلن أن الولايات المتحدة ستكون قادرة "على التكيّف بسرعة مع التهديدات الجديدة مع الحفاظ على ميزة نسبية بالإضافة إلى الميزات التقليدية..”، مرجحا ان تواجه الولايات المتحدة "حملات مطولة أكثر من مواجهة صراعات يتم حلها بسرعة.. وأصبحت السيطرة على عمليات التصعيد أكثر صعوبة وأكثر أهمية”. "نص تقرير الاستراتيجية العسكرية الوطنية الأمريكية لعام 2015.
وعلى عكس روسيا والصين التي تمتلك خطة لمنطقة تجارة حرة متكاملة بين آسيا والاتحاد الأوروبي "طريق الحرير” والتي من شأنها أن تزيد من فرص العمل، وتحسين البنية التحتية الضرورية، ورفع مستويات المعيشة، ترى الولايات المتحدة الموت والدمار فقط في المستقبل. ولا تمتلك واشنطن استراتيجية للمستقبل، ولا رؤية من أجل عالم أفضل. بل يوجد فقط: الحرب غير المتكافئة، والحرب التكنولوجية، والحرب الاستباقية،” دون أن ننسى الحرب الثقافية التي تدون في تقارير أخرى”. وهي في سبيل ذلك تدعم الطبقة السياسية بكاملها من اجل حكم العالم من خلال قوة السلاح. وهذا هو المعنى الذي لا يمكن تجنبه لهذه الاستراتيجية؛ إذ تعتزم الولايات المتحدة الحفاظ على القوى العالمية من خلال تعظيم استخدام أعظم أصولها؛ وهو جيشها.
ففي مقال نشر على موقع أخبار الدفاع ذكر صاحبه بان الاستراتيجية الاميركية تركز "على وجه التحديد على إيران وروسيا وكوريا الشمالية كتهديدات عدوانية للسلام العالمي”. ويذكر أيضًا الصين، ولكنه يقول "بأن إدارة أوباما تريد دعم صعود الصين وتشجيعها لتصبح شريكا في تعزيز الأمن الدولي واستمرار الخط الفاصل بين الصين كحليف اقتصادي والصين كمنافس إقليمي”.
لكن هذه الاستراتيجية لا تعتقد أن أيا من هذه الدول تسعى إلى صراع عسكري مباشر مع امريكا أو مع حلفائها. ومع ذلك، فإن تلك الدول "تشكل مخاوف أمنية خطيرة يعمل المجتمع الدولي على التصدي لها بشكل جماعي عن طريق سياسات مشتركة، ورسائل مشتركة، وعمل منسق”.
إن في الجملة الاخيرة "لا يُعتقد أن أيا من هذه الدول تسعى إلى صراع عسكري مباشر مع الولايات المتحدة أو مع حلفائنا. ومع ذلك، فإن تلك الدول تشكل مخاوف أمنية خطيرة” الكثير من الاشارات الهامة. فهي تسعى للقول بطريقة أخرى، إنه ليس هناك أية دولة من تلك الدول تريد محاربة الولايات المتحدة، ولكن امريكا تريد محاربتهم. وتشعر أن لديها المبررات الكافية لشن حرب ضد هذه الدول لأنها إما تسيطر على موارد كبيرة، ولديها قدرات صناعية ضخمة، وتحتل منطقة من العالم تثير الولايات المتحدة من الناحية الجيوسياسية، أو لأن هذه الدول تريد ببساطة أن تحافظ على سيادتها واستقلالها وحرية قرارها، وهذا بحد ذاته جريمة بالنسبة للولايات المتحدة الاميركية. وبحسب ديمبسي، فإن أي عذر من هذه الأعذار هو مبرر كاف للصراع لأنهم بالأساس "يشكلون مخاوف أمنية خطيرة” على الولايات المتحدة، ما يعني أنها تقوّض دور الولايات المتحدة المهيمن كقوة عظمى وحيدة في العالم.
وتولي الاستراتيجية العسكرية الأميركية اهتمامًا خاصًا بروسيا، فهي عدو واشنطن الدائم والأشهر والذي يمتلك الجرأة للدفاع عن مصالحه الأمنية في أعقاب الانقلاب المدعوم من وزارة الخارجية في أوكرانيا المجاورة. ولذلك، يجب أن تتم معاقبة موسكو. اذ يقول التقرير في اشارة الى روسيا بانه: "ومع ذلك، تحاول بعض الدول أن تراجع الجوانب الرئيسة للنظام العالمي، وتتصرف بسلوك يهدد مصالح أمننا القومي. وفي حين ساهمت روسيا في مجالات أمنية متعددة، مثل مكافحة المخدرات، ومكافحة الإرهاب، إلا أنها أثبتت أيضًا بشكل متكرر أنها لا تحترم سيادة جيرانها وأنها مستعدة لاستخدام القوة لتحقق أهدافها. وتقوض العمليات العسكرية الروسية الأمن الإقليمي مباشرة ومن خلال قوات الوكالة. وتنتهك هذه الأعمال العديد من الاتفاقيات التي وقعت عليها روسيا والتي تلتزم فيها بالعمل وفقًا للمعايير الدولية”.
روسيا اذن دولة "مارقة” لأنها رفضت أن تدعم الولايات المتحدة في اطاحتها بالحكومة الأوكرانية، ما أدى إلى المجيء بالنازيين الجدد إلى مراكز السلطة في الأجهزة الأمنية، وإغراق الاقتصاد في الإفلاس والدمار، وفتح مقر للاستخبارات الأمريكية المركزية في العاصمة لإدارة مباريات إطلاق النار. هذا سبب كاف كي تتحول روسيا الى دولة سيئة وتجب معاقبتها.
توفر الاستراتيجية العسكرية قائمة طويلة من المبررات لشن الحروب ضد أعداء "متخيلين” للولايات المتحدة. والحقيقة أن وزارة الحرب الأمريكية ترى أشباحًا في كل مكان. وإذا ما كان الأمر يتعلق بتقنيات جديدة، أو تحول ديمغرافي، أو اختلافات ثقافية، فإنها جميعًا يتم النظر إليها باعتبارها تهديدًا محتملًا للمصالح الأمريكية، وخاصة إذا كان له علاقة "بالتنافس على الموارد”.
ومن خلال وجهة النظر تلك، يمكن للمرء أن يرى كيف كان غزو العراق أمرًا مبررًا، على أساس سيطرة صدام على احتياطيات ضخمة من النفط في العراق مما يشكل تحديًا مباشرًا للهيمنة الأمريكية. وبطبيعة الحال، كان يجب إزالة صدام حسين وقتل أكثر من مليون شخص لوضع الأمور في نصابها!. وهذا هو الرأي الغالب في الاستراتيجية العسكرية الجديدة، أي أن كل شيء تفعله الولايات المتحدة، يعتبر أمرا جيدا لأنها وببساطة هي الولايات المتحدة الأميركية.
لا ينبغي للقارئ أن يتوقع شيئًا جديدًا في مذكرة الاستراتيجية العسكرية. لقد قامت وزارة الحرب الأمريكية ببساطة بتحديث عقيدة بوش والمحافظين الجدد، ولكن في خطاب لطيف وناعم لعله من ضروريات "الحرب الناعمة”. فليس هناك حاجة لنشر الذعر بين الناس في واضحة النهار عن طريق الحديث عن الأحادية، والأحاديث الاستباقية، وتجاهل القانون الدولي، أو العدوان غير المبرر، او معسكري الخير والشر، او الدول المارقة. ومع ذلك، فالجميع يعلم أن الولايات المتحدة سوف تفعل ما تريده للحفاظ على بقاء الإمبراطورية. وهذا ما تؤكد عليه وثيقة الاستراتيجية العسكرية.
تسعة أعوام.. المواجهة واحدة
فاطمة سلامة
تسعة أعوام على الانتصار الإلهي عام 2006، وحزب الله لا يزال يدفع ثمن بطولاته سياسياً وعسكرياً. الهزيمة المدوية التي ألحقتها المقاومة بالجيش الذي لا يُقهر رُفعت لها القبعة في العديد من بلدان العالم. تماماً كما رفع البعض في الداخل اللبناني في وجه حزب الله البطاقات الصفراء، لا لشيء، بل لأنه يصر على "طمر الرؤوس في الرمال" والاستمرار في العداء لتلك المقاومة تنفيذاً لمشاريع خارجية. الانتصار التاريخي الذي أحرزته قلة قليلة من رجال آمنوا بالله، أثار حفيظة المعتادين على الخنوع والذل، ففتحت شهياتهم للتآمر. سعوا سعيهم لتدبير المكائد ونصبها في وجه حزب الله. تحديات بالجملة فرضها هؤلاء أمام المقاومة لثنيها عن مشروعها النضالي، فكانت النتيجة أن سارت القافلة الجهادية غير آبهة بأصوات النشاز الداخلي والخارجي.
ما يُقارب العقد على النصر الأسطوري، والعدو لم يستفق بعد من صدمة الهزيمة. حاله كحال البعض في الداخل اللبناني، الذين فقدوا صوابهم وجنّ جنونهم لأن الرياح سارت عكس ما اشتهوا. الكلام للعميد الركن المتقاعد أمين حطيط. يؤمن الخبير العسكري أنّ حزب الله يواجه اليوم تحديات بالجملة لا يمكن فصلها عن ثمرة الانتصار التي حصدها في آب 2006. البعض في الداخل اللبناني وبأوامر خارجية يعمل على محاصرته سياسياً. وبالتوازي يعمل العدو بكل ما أوتي من قوة على كل الجبهات لمحاصرته عسكرياً سعياً لتحقيق أمرين:
أولاً: إنزال العقوبة بالجهة التي أنزلت به الهزيمة (حزب الله) عبر حرمانها من مصادر القوة التي أدت الى هزيمته
ثانياً: منع تشكل الظروف الميدانية والسياسية التي قادته الى الهزيمة
في الحالة الأولى، يقول حطيط:" بدأ العدو العمل عليها منذ اللحظة الأولى التي توقفت فيها الأعمال القتالية". برأيه، عملت "إسرائيل" والجهات الدولية من خلال القرار 1701 على إبعاد حزب الله عن منطقة جنوب الليطاني أي الحاضنة الشعبية للمقاومة. والهدف، محاصرته لمنعه من نقل السلاح والتسلح. لكنّ ذكاء هذا الحزب، جعله يستفيد بشكل تام من طبيعة تكوينه. هو منتج من منتجات هذه البيئة الشعبية، وليس عنصرا مستوردا الى الجنوب، لذلك لم يستطع أحد أن يبعده عن بيئته. "لم يغادر المقاومون قراهم. ظلوا على اتصال مباشر بخطوط التماس مع العدو" يضيف حطيط.
يتفق الكاتب السياسي ادمون صعب مع ما يقوله حطيط. بنظره، لا نستطيع تجاهل فعل الانتصار بالصورة الاقليمية والدولية. لأول مرة قوة مدنية غير رسمية تواجه أقوى جيوش العالم، وهذا أمر سجلته كل المراجع الدولية التي محّصت في نتائج الحرب لتخلص لنتيجة واحدة :"الحرب جعلت من حزب الله رقماً صعباً في المنطقة وقوة لا يمكن تجاهلها". يستشهد صعب -وهو صاحب خبرة نصف قرن في السياسة - بمذكرات كتبتها كونداليزا رايس. تروي وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية إبان الحرب يوميات تموز، فتكشف ان نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني طرح على رئيسه جورج بوش آنذاك وخلال جلسة للأمن القومي في أميركا الطلب من "اسرائيل" سحق حزب الله، فكان الرد سريعاً:"أتريد أن تقتل أميركا قبل الشرق الأوسط"؟.
دخول حزب الله أتون المعادلة الأقوى، وتربعه على رأس القوة العسكرية، ما كان ليحصل لولا تغلبه على الحصار التجهيزي الذي سعى العدو جاهداً لفرضه. يتوقف حطيط عند هذه النقطة بوصفها الأهم بمعادلة الردع. حزب الله تغلّب على الحصار "الإسرائيلي" له في الجنوب بطرق متعددة، لا بل زادت قدرته الصاروخية، لتتحول من قوة تطال 120 كلم على الحدود الى قدرة صاروخية تصل الى كل نقطة في فلسطين المحتلة، وتجعل "اسرائيل" تحت النار. الأمر الذي يكرّره صعب ويضيف عليه :"عطّل الحزب بقدراته التسلحية الذكية مخطط العدو، وأنشأ منظومة "الردع" التي تمنعه من التجرؤ لشن حرب جديدة. الأمر الذي يحتّم، بنظر الكاتب السياسي، على كل لبناني تقدير بطولات حزب الله وعدم إقحام المقاومة في صراعات وحسابات ضيقة. 1200 بين مجاهد ومدني قدّموا أنفسهم لنحيا، وهذا دين في أعناقنا. فعلى بعض اللبنانيين عدم الالتفات لنداءات الخارج التحريضية في وجه حزب الله. عليهم الابتعاد عن تنفيذ الأوامر الخارجية لتصفية حسابات اقليمية على الأرض اللبنانية. ولا ينسى صعب كيف تآمر البعض اللبناني حتى إبان الحرب على حزب الله، ورفع شعارات واهية في وجهه متهما إياه بخوض مغامرات غير محسوبة، وبإقامة دويلة داخل الدولة. كل ذلك الحقد، حسب ما يشير الكاتب السياسي، فجرته الصدمة من الانتصارات التي حققها المقاومون في الميدان. يذهب صعب أبعد من ذلك، التمسك بخوض معركة المحكمة الدولية لأعوام، وما يجري داخل مجلس الوزراء اليوم والحرب التي تُشن ضد الشراكة الوطنية لايمكن فصله عن الامتعاض المزمن مما حققته المقاومة والذي خلق نقطة ضعف وعقدة لدى البعض من الصعب محوها".
يُلاقي حطيط صعب في كل ما يذكره. وفق قناعاته، يُصر البعض في الداخل على مناصبة العداء للمقاومة، عبر اتهامها بحمل السلاح خلافاً للقانون والطعن بشرعيته الدفاعية عن لبنان. ينتقل الى تحد آخر يواجهه حزب الله اليوم على الأراضي السورية. مشاركته في الدفاع عن محور المقاومة من بوابة دمشق هو دفاع عن لبنان بالدرجة الأولى. بالنسبة اليه، الحرب لا تستهدف سوريا كدولة بل تستهدف محور المقاومة وعلى رأسه حزب الله. تلك الحرب التي تشارك فيها "اسرائيل" والمنظومة الدولية تهدف الى اسقاط سوريا وتحويل المقاومة في لبنان الى مقاومة محاصرة لسحب أوراق القوة منها. وفق حطيط، كانت المقاومة أذكى الأذكياء. واجهت المخطط العدواني بحنكة فور اكتشافها الخطة العدائية لسوريا. دافعت عن نفسها عبر ملاقاة النار بعيداً عن الدار. صحيح، دفعت المقاومة في عملها الدفاعي هذا الثمن الباهظ، يستطرد حطيط، لكنه أقل بكثير من الثمن الذي كانت ستدفعه لو لم تدافع عن سوريا. مساهمتها بمنع سقوط سوريا ومنع سقوط محور المقاومة ساهم في تغيير المعادلات وقلب المشهد الدولي رأساً على عقب. وهو الكلام الذي يؤيده صعب، بالإشارة الى انه لو لم يبادر حزب الله الى المشاركة في الحرب السورية ومحاربة التكفيريين لكان الثمن الذي ستدفعه أكبر بكثير. الحرب التي شنت على الأرض السورية كان هدفها القضاء على محور المقاومة وعلى رأسه حزب الله" يختم صعب.
ليست أسطورة … سورية تقطع أذرع الشيطان
يونس أحمد الناصر
في بداية القرن الماضي , و بعد وعد بلفور المشؤوم , وفي فلسطين العربية , سعت دول الاستعمار القديم و تكاتفت لإنشاء كائن, شيطاني , مسخ , بأظافر معدنية , ينفث النار , و يعتدي على كل جواره , يفتك بالكبار و يمتص دماء الصغار , يطرد الآمنين من بيوتهم و يحتل أرضهم , هذا الكائن أسموه / إسرائيل / حاول العرب القضاء عليه و العيش بأمان , لكن آبائه الكثيرين , كانوا يمدونه بكل صنوف القوة و الدمار , مقابل الضعف الذي كان يعتري الدول العربية و التي خرجت حديثا من تحت ربقة الاستعمار الاستيطاني البغيض , فكانت نكبة 48 التي تم فيها تهجير الفلسطينيين و ارتكاب مجازر ما عرف لها التاريخ مثيلا .
و تمدد هذا الكيان المسخ , ليبتلع الحجر و البشر بتعاون من الرجعية العربية” عربائيل " , التي خافت هذا الكائن و خضعت لرغباته , اتقاء لشره و خوفاً من مواجهته . و لكن هذا الكيان المسخ , سعى لتحقيق الهدف الذي وضعه له منشِئوه وهو إضعاف العرب باستمرار و منع أي صيغة وحدوية يمكنها أن تشكل قوة للقضاء عليه , فكانت حرب 67 التي شكلت صدمة في الوعي العربي و الترويج لفكرة عدم إمكانية القضاء على هذا المسخ و بأنه كائن لا يقهر.
و لكن القائد العربي الأصيل حافظ الأسد , الذي لم ير في هذا الكائن إلا مسخاً يستطيع العرب القضاء عليه و الخلاص من شروره , فأعدَّ الكثير لمواجهته و القضاء عليه , و استطاع نسبياً لمَّ شمل العرب و توحيد جهودهم و القيام بحرب تشرين التحريرية التي أسقطت أسطورة الجيش الذي لا يقهر و إن إمكانية القضاء عليه ممكنة .
و استطاع الجيش العربي السوري بإمكاناته البسيطة و عقيدته الكبيرة , مقارنة بالدعم اللا محدود من آباء هذا الكائن المسخ , من دكِّ حصونه و إسقاط طائراته و التقدم جنوباً وصولاً إلى بحيرة طبرية و هزيمته شر هزيمة .
و لكن الخيانة العربية لهذا الجيش من قبل أطراف الرجعية العربية , التي غدرت بالجيش السوري , من خلال وقف الحرب على الجبهة المصرية , خلافاً للاتفاق الذي تم قبل البدء بهذه الحرب و الجسر الجوي الغربي , لكل صنوف الأسلحة التي أمدَّت هذا الكائن بأسباب القوة , اضطر الجيش العربي السوري لوقف هذه الحرب , مكتفياً بما حققه من انتصارات سجلها التاريخ و التي كان أبرزها إسقاط أسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر .
تلا هذه الحرب , انهيارات في الموقف العربي , الذي كان مقبولاً قبل الحرب , فقامت القيادة المصرية الخائنة بشق الصف العربي و عقد اتفاق الذل و الخيانة مع هذا الكائن المسخ و زيارة المقبور السادات إلى القدس وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد الخيانية التي مهَّدت لتدمير الجيش العربي المصري صاحب معجزة العبور في بداية الحرب و تدمير قوات الكيان الصهيوني على الجبهة المصرية , و عملت هذه القيادة الخائنة على تجويع الشعب المصري و تدمير مقدراته وصولاً إلى انضواء مصر تحت المظلة الأمريكية و خروج القيادة المصرية من الصف العربي .
تلاه اتفاقية وادي عربة الأردنية الإسرائيلية و اتفاقات التطبيع السرية و العلنية بين دول الخليج الفارسي و إسرائيل و الغزو الأمريكي للعراق , الذي يشكل العمق الاستراتيجي لسورية .
و لكن سورية التي بقيت منفردة في مواجهة هذا الكائن المسخ , حاولت التعويض عن خيانة العرب بالاعتماد على الذات و بناء التوازن الاستراتيجي مع هذا الكيان المسخ و إعداد أسباب القوة , ليوم منتظر , تستطيع فيه القضاء على هذا المسخ و أعني الكيان الصهيوني وقامت بمساعدة العراق الشقيق للتخلص من الاحتلال الأمريكي البغيض و نجحت بذلك و بنت علاقات دولية قوية مع أطراف إقليمية و دولية فاعلة , و دعمت حركة المقاومة الإسلامية في لبنان و تمكنت من دحر إسرائيل مجددا في العام 2006 , لتعزز فكرة إمكانية القضاء عليه .
و بسبب عجز هذا الكيان و آبائه الشرعيين و أعني – أمريكا و أوربا و أدواتهم من الرجعية العربية – عن استهداف سورية بحرب تقليدية , تم وضع الخطة القذرة لتفتيت سورية من الداخل , بتمويل الرجعية العربية " عربائيل " و تسهيل تدفق السلاح و المسلحين من الدول المجاورة العميلة لأمريكا و إسرائيل , و تم زج سورية , بفتنة حقيرة , جنَّدت لها أطراف المؤامرة كل الإمكانات و الدعم اللوجستي .
و لكن سورية القوية تمكنت , و خلال ما يزيد على الأربعة أعوام من دحر هذه المؤامرة عبر القضاء على الكائن المسخ الآخر الذي سموه / الجيش السوري الحر / الذي تمَّت صناعته و الترويج له و لقوته في حملة دعائية كاذبة و مضللة تدعمها كبريات محطات الإعلام العالمي التي ترعاها و تدعمها أطراف المؤامرة على سورية و انتصرت سورية عليهم و على مخططاتهم , فتم زج جنود الفوضى الخلاقة الأمريكية تحت مسمى جند الخلافة و تنظيم القاعدة في الحرب الظالمة على سورية و دعمها بكل صنوف الأسلحة و بقيت سورية صامدة تقاوم مخططاتهم و تنتصر على مرتزقتهم .
و كلما اقتربت لحظة تنظيف سورية من شرورهم , هبَّ الأصيل لدعم الوكيل و منحه أسباب القوة و الاستمرار , فكانت الهجمات الإسرائيلية على المواقع العسكرية السورية, بعد أن فشل وكيلهم و أعني / ثيران الفورة / في ذلك في محاولة لرفع معنويات مرتزقتهم و دفعهم للاستمرار بتدمير سورية .
و لكن الجيش العربي السوري القادر و القوي على سحق الوكيل و الأصيل , تدعمه كل جيوش الدول الصديقة و الحليفة , سيقتل مسوخهم و يدكُّ حصونهم , ويعيد تشكيل هذا العالم من جديد, و هذا هو الأكيد .
فقد أثبت هذا الجيش العقائدي , بأنه القادر على مواجهة حرب عالمية شنتها دول عديدة عليه و الانتصار عليهم مجتمعين, معتمداً بذلك على رصيده الكبير في قلوب كل السوريين و دعم أصدقائه و حلفائه المخلصين و إن غدٍ لناظره … قريب
و كما قال قائدنا الحبيب الدكتور بشار الأسد : في معركتنا اليوم … ليس أمامنا إلا النصر
هل يستفيد لبنان من ’الصدمة الإيجابية’؟
غسان جواد
هل يكون انتخابُ رئيس جديد للجمهورية خلال الاشهر الثلاثة المقبلة؟ المعطيات والاسماء التي يتمّ تداولها في بعض الاوساط السياسية تؤكد هذا الامر، وتنقل عن السفير الاميركي في بيروت ديفيد هيل أنّ إنتخاب رئيس للجمهورية قد يحصل أواخر السنة الحالية أو مطلع السنة المقبلة.
منذ دخول البلاد في الفراغ الرئاسي في 25 أيار 2014، لم يصدر عن الاميركيين أيّ كلام يوحي بإقتراب التفاهم على رئيس جديد. آثرت واشنطن الاجابة على السؤال عن الرئاسة بكلماتٍ مقتضبة جوهرها الحفاظ على الاستقرار ودعوة "اللبنانيين”للنزول الى مجلس النواب للإنتخاب.
اليوم وبعد توقيع "الاتفاق النووي”والدخول في مرحلة "إحتمالات التسوية”بين الاطراف الدولية والاقليمية، ينقل مَن يلتقون السفير الاميركي عنه أنه متفائل بحدوث خرق في هذا الشأن، وذلك إستناداً الى "المناخات السياسية الجديدة”التي أرخاها الاتفاق النووي وأدّت الى "حراك سياسي وديبلوماسي”بين طهران وعُمان والدوحة وموسكو.
هذا "الجوّ الأميركي”يتقاطع مع معلومات خرجت من طهران عقب زيارة وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، الذي حمل معه، بحسب مصادر سياسية "اربعة أسماء لبنانية، عسكريان ومدنيان هما وزيران سابقان”. وفي المعلومات أيضاً أنّ القيادة الايرانية لم تدخل في الاسماء واقترحت على فابيوس "مناقشة اللبنانيين في هذا الشأن وخصوصاً المسيحيين”.
المصادر السياسية تتحدّث عن "زخم دَولي متصل بلبنان من المتوقع أن يُتَرجم بعد أشهر قليلة حيث تتضح معالم المرحلة دَولياً وإقليمياً. والمراهنة على الوقت هنا من أجل إنضاج فكرة التسوية ليس في الملف اللبناني وحسب، بل في ملفات إقليمية أكثر تعقيداً وصعوبة من الملف اللبناني، ويمكن القول إنه مرتبط بها.
الطرح الفرنسي ليس جديداً، ولكنّ أهميته اليوم أنه يتزامن مع تكثيف الاتصالات السياسية الدَولية والاقليمية حول ملفات المنطقة ومنها الملف اللبناني”. وإذا جرى خرقٌ ما في مكان ما، سيكون لبنان قادراً على إحداث خرق سياسي يؤدّي بدوره الى إعادة تكوين السلطة.
وفي هذا السياق تقول المصادر نفسها، إنّ "الحريرية السياسية ترتكب مع المسيحيين الخطأ نفسه الذي إرتكبته المارونية السياسية”. خطأ التهميش ورفض الشراكة، وكما خسرت المارونية السياسية عند إنتهاء الحرب، وجاء "إتفاق الطائف”ليكرّس هذه الخسارة في النصّ الدستوري، كذلك سيكون الحال مع "الحريرية السياسية”التي ستكون الخاسر الأكبر في أيّ تسوية.
عدم الموافقة على إيصال الرئيس المسيحي القوي، يعني المغامرة بوصول الرئيس السنّي القوي الى رئاسة الحكومة. التسوية تعني الركون الى أسماء معتدلة ووسطية في كلّ السلطة التنفيذية. وإصرار فريق "المستقبل”على مرشَح "وسطي”سيدفع "التيار الوطني الحر”وحزب الله الى الاصرار على رئيس حكومة "وسطي”.
وهذا هو مقتضى أيّ تسوية. أما بالنسبة الى العماد ميشال عون والقوى المسيحية عموماً، فتقول المصادر السياسية إن أيّ إجتماع أو مؤتمر يُجرى لإعادة تكوين السلطة، لا بدّ من أن يرضي عون والمسيحيين، وذلك من خلال إعتماد قانون إنتخاب يطمئنهم ويحسّن نسبة مشاركتهم الى النصف وفق مبدأ المناصفة”.
أمام لبنان فرصة لا بدّ من اغتنامها، لأنّ الحراك السياسي والديبلوماسي القائم، لا زال يعمل وفق "الصدمة الايجابية”التي أحدثها الاتفاق النووي. لا شيءَ يؤكّد وصول هذا الحراك الى تفاهمات وتسويات تنهي معظم ملفات الاقليم، كلّ ما يجرى اليوم عبارة عن إتصالات ومشاورات لم تصل بعد الى مستوى المبادرات ولا توجد مبادرة محدَّدة للبنان.
وبالتالي لا خيارات كثيرة أمام القوى السياسية ولا بدّ من الاستفادة من هذه "الصدمة الايجابية”قبل أن "يبرد المناخ السياسي الدَولي”وتدخل واشنطن في التحضير لإنتخاباتها الرئاسية ويخسر اللبنانيون فرصة محتَمَلة.