المنطقة.. بين حمّـى المبادرات و وهم التفاهمات
أحمد الشرقاوي
المبادرة المعدلة التي تقدمت بها طهران بالتشاور مع روسيا والصين وبعض دول الإقليم، لحلحلة الأزمة السورية كمقدمة يبنى عليها لفك الاشتباك في بقية ساحات المنطقة، ليست الأولى ولا الوحيدة التي يجري الحديث عنها، لأن إيران سبق وأن قدمت نفس المبادرة قبل ثلاث سنوات، كما وأن ألمانيا تتأهب لتقديم مبادرة هي أيضا، بالإضافة لمبادرة المبعوث الأممي التي تنتظر الضوء الأخضر الأمريكي بعد تطبيق مقتضيات الاتفاق النووي في تشرين الأول من الجاري..
لكن ما يجب قوله بالمناسبة، هو أن هدف إيران من مبادرتها المعدلة هو إحلال الأمن والسلام وإفساح المجال لمرحلة الإعمار والاستثمار والرفاهية في ظل الاستقرار شريطة أن لا يتم تجاوز إرادة الشعب السوري ومصارة سيادته في تقرير مصيره واختيار من ينوب عنه لإدارة شؤونه، وهو عكس ما تسعى إليه أمريكا وحلفائها وأدواتها كما هو معروف للجميع..
كما أنه من الأهمية بمكان، توضيح أن لا علاقة لمبادرة إيران بما يقال عن ملحقات سياسية سرية تم التفاهم بشأنها بين واشنطن وطهران على هامش الاتفاق النووي، وفق ما أوردته بعض الصحف العربية والمواقع الدولية.. هذا استنتاج فيه الكثير من التجني على إيران، وهو محاولة خبيثة للإيحاء بأن الجمهورية الإسلامية أصبحت تتحرك تحت المظلة الأمريكية للعب دور شرطي المنطقة الذي كانت تلعبه زمن الشاه..
نقول هذا ذلك لسببين رئيسين: الأول، أن الاتفاق النووي بين إيران والمجموعة الدولية هو اتفاق تقني ولا علاقة له بالشأن السياسي الإقليمي أو الدولي، وما كان للاتفاق أن ينجز لو أن أمريكا أصرت على فرض أي بند سياسي في المفاوضات كجائزة ترضية للاعتراف بحق إيران في الدورة النووية السلمية أو بدورها كقوة إقليمية كبرى، وهذا باعتراف أوباما الذي قال في خطابه للأمة من جامعة واشنطن الأربعاء، أن "إيران قوة إقليمية، وأن الاتفاق لا يعني أننا أصبحنا حلفاء معها، وأننا سنراقب عن كثب تصرفاتها في المنطقة”، وبالتالي، فإيران بالنسبة للعقيدة الأمريكية لا زالت دولة تدعم "الإرهاب” وتزعزع أمن المنطقة، و”الإرهاب” بالمفهوم الأمريكي يعني "المقاومة”.
الثاني، أن الإمام الخامنئي شخصيا، أكد في خطاب عيد الفطر المبارك الأخير، أنه وكنتيجة للاتفاق فإن "السياسة الإيرانية لن تتغير مقابل دولة الغطرسة الأمريكية مطلقاً”، مؤكدا أن "طهران لا تفاوض الأمريكيين بشأن تطورات المنطقة”، مضيفا "تختلف سياستنا مع الأمريكيين في المنطقة مائة وثمانين درجة، فهي تعتبر فدائيي حزب الله المدافعين عن حقوقهم الوطنية إرهابيين، وتدعم الكيان الإرهابي الصهيوني قاتل الأطفال في فلسطين”، معلنا لمن يهمه الأمر بوضوح الأنبياء، أن "الاتفاق النووي لن يجعلنا نتخلى عن دعم أصدقائنا في المنطقة، وسنحافظ على قدراتنا الدفاعية و الأمنية، وليروا استسلام إيران في أحلامهم”، ثم تساءل باستغراب: "كيف لنا أن نتفاوض مع هكذا سياسة و نتفق؟”.. كما أنه اعتبر التفاوض في الملف النووي أستثناءا لن يتكرر في أي ملف آخر من الملفات السياسية.
سماحة السيد حسن نصر الله من جهته في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة حفل تخريج أبناء الشهداء "جيل الشهيد علي احمد يحيي” لعام 2015، قطع الشك باليقين حين أعلن بنبرة عالية مزلزلة: "أميركا كانت، ولا زالت، وستبقى الشيطان الأكبر قبل الإنفاق وبعده، وأننا دخلنا زمن الانتصارات وغادرنا زمن الهزائم، والدول التي أمنت الغطاء لـ’داعش’ بدأت تدفع الأثمان”، وأوضح أن هدف "الشيطان الأكبر” بعد الاتفاق النووي سيكون حزب الله..
وبالتالي، على الذين صدقوا الإشاعات التي تتحدث عن وجود ملحقات سياسية سرية موقعة بين واشنطن وطهران، وانساقوا وراء التحليلات التي تقول بدخول المنطقة مرحلة السلام بمباركة أمريكية - روسية تبدأ بالحل في سورية، ومنها من ذهب بعيدا في التفاؤل حد التبشير بقرب زيارة المراهق محمد بن سلمان لدمشق، وغيرها من الترهات.. على هؤلاء أن يختاروا بين تصديق الشائعات أو تصديق ما قاله الإمام الخامنئي وسماحة السيد حسن نصر الله..
وكون الحكومة الإيرانية قررت أن تشن هجوما على دول الإقليم رافعة راية الحوار من أجل السلام، فهذا لا يعني أنها ستنجح في مسعاها، وإن كان السلام مرغوبا، والحوار مطلوبا لأنه السبيل الوحيد لتقريب وجهات النظر والتوافق على الثوابت والمسلمات بدل لغة الحرب والخراب، لكن إيران أرادت بمعية حلفائها وخصوصا روسيا والصين، ألقاء الحجة في وجه أمريكا التي تعرقل مساعي السلام وتوظف الإرهاب كسلاح من أجل تحقيق أهداف سياسية غير مشروعة ..
أما على مستوى الإقليم، فالمعضلة كما نستشعرها من منطلق معرفتنا جميعا بمرجعية وخلفية الأطراف المتصارعة في المنطقة، أننا أمام عقليتين مختلفتين حد التناقض.. عقلية إيرانية مبادرة، محبة للسلام، منفتحة على الجميع باستثناء "إسرائيل”، تسعى للتوافق والتقارب والتعاون من أجل خير شعوب المنطقة من جهة، وعقلية "سعودية” منغلقة، متحجرة ومتخلفة إلى أقصى الحدود، لا يهمها خراب البصرة بقدر ما يهمها خدمة أجندات أسيادها في المنطقة من جهة أخرى.. وبالتالي، فهي لا تملك قرارها ولا تستطيع الجنوح إلى السلام من دون ضوء أخطر من مشغليها في واشنطن وتل أبيب..
وهذا يقودنا حكما لسر الأسرار واللغز الخفي وراء كل ما جرى في سورية من قتل وخراب ودمار ولا يزال، ولا يمكن أن يكون له حل إلا بالاستسلام أو الحسم والانتصار مهما تطلب الأمر من تضحيات جسام، ونقصد بذلك "البقرة المقدسة” المسماة "إسرائيل”، حيث من غير الوارد أن تسلم أمريكا وأدواتها "السعودية، تركيا، قطر” بحل سياسي في سورية لا يراعى الهاجس الأمني الصهيوني، لأن سورية ‘الأسد’ هي مركز الكون اليوم، والحلقة الذهبية التي تشكل، ليس قوة وترابط محور المقاومة فحسب، بل على صمودها وانتصارها يتوقف وجود ومصير العالم العربي من الماء إلى الماء، لأن انكسارها لا سمح الله، يعتبر ضرورة لإعادة رسم خرائط المنطقة وفق مشروع التقسيم المعروف للجميع.
ودعك أيها القارئ الكريم من كل ما يروج من أكاذيب وأضاليل حول الديكتاتورية والديمقراطية، وما تردده أمريكا وأدواتها بوقاحة من أن الرئيس ‘الأسد’ فقد شرعيته ولا مستقبل له في سورية "الجديدة”.. لأن أقل ما يمكن أن تقبل به أمريكا كحل سياسي في سورية هو مرحلة انتقالية بحكومة ائتلافية بصلاحيات كاملة، على أساس أن يرحل الأسد بعد الانتخابات البرلمانية، وشريطة أن يعدل الدستور ليتضمن تطمينات للأقليات السورية، وهذا يعني، تحويل سورية من دولة المواطنين الذين يعيشون في تجانس إلى دولة الطوائف والمذاهب على شاكلة لبنان والعراق ليكتمل مشهد التفجير المقبل ويتم التقسيم بحكم الأمر الواقع، فتفرض أمريكا هيمنتها على المنطقة وتنعم "إسرائيل” بالأمن والاستقرار والازدهار..
وحيث أن الرئيس أوباما سبق وأعلن أن هدفه الأساس بعد الاتفاق النووي هو محاربة "داعش”، فهذا لا يعني أن مقاربته للحرب على الإرهاب تلتقي مع الرؤية الإيرانية والروسية، وهذا ما أكدته موسكو بصريح العبارة حين قال وزير خارجيتها أمس أنه لا توجد رؤية مشتركة لمحاربة الإرهاب في إطار حلف دولي تحت مظلة الأمم المتحدة تنفيذا للقرارات المعتمدة في هذا الشأن..
إيران بدرورها لا تثق في نوايا أمريكا حيال الإرهاب، وتطالب كما روسيا، بضرورة تجفيف منابع الإرهاب والتوقف عن توظيفه كسلاح في المنطقة، والضغط على الدول الداعمة له لوقف تمويله وغلق الحدود في وجه تدفق الإرهابيين إلى سورية والعراق..
ومن هنا نفهم أيضا الموقف السوري الذي يصر على أن الأولوية، وقبل الحديث عن أي حل سياسي هي لدحر الإرهاب وهزيمته، في حين أن أمريكا وحلفائها وأدواتها يرفضون هذا الطرح، ويعتبرون الإرهاب سببا يحملون مسؤوليته للرئيس السوري، ويشترطون تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات واسعة لمحاربته بفعالية، وهذا هو عين التوظيف السياسي للإرهاب كورقة ضغط لإحداث التغيير المطلوب في سورية..
وبالتالي، كيف يمكن والحال هذه، الحديث عن دخول المنطقة مرحلة الحلول السياسية؟.. وها هي أمريكا تصر على الاستمرار في برنامجها لتدريب المعارضة "المعتدلة” في تركيا والأٍردن، وتعطي الأوامر للعسكرية الصريحة لقواتها الجوية في تركيا باستهداف كل من يتعرض لهذه المعارضة "الجديدة” بما في ذلك الجيش العربي السوري، ويتبين أن الاتصال الأمريكي السوري الذي تحدث عنه السيد وليد المعلم واعتبرته أوساط إعلامية بداية تقارب بين البلدين، لا علاقة له بما أشيع من أوهام، بل كان الاتصال بهدف واحد، تمثل في تحذير الحكومة السورية من مغبة تعرض قواتها للمعارضة المذكورة..
وهو ما يعني، أن أمريكا أقامت منطقة عازلة بحكم الواقع ومنطق القوة في الشمال السوري، وتعمل على تدريب 5 ألف مقاتل قبل نهاية العام الجاري ليحتلوا المناطق المحررة من "داعش”..
وها هو وزير خارجية تركيا يعلن من ماليزيا، أن حلب هي المحافظة 82 من الخارطة الإدارية السيادية لتركيا، وأن بلاده ستبدأ قريبا حربا بلا هوادة ضد "داعش” في الشمال السوري بتنسيق مع القوات الأمريكية..
وهو الأمر الذي دفع الرئيس بوتين شخصيا لاستدعاء السفير التركي في موسكو، متجاهلا البروتوكول الدبلوماسي، ليحذره بشدة من عبث بلاده بأمن سورية، معلنا بصريح العبارة، أن روسيا "ستحول سورية إلى استالينغراد أخرى لأردوغان”، واصفا السلطان بـ”الديكتاتور”، طالبا من السفير إبلاغ أردوغان بالرسالة التالية: "قل لرئيس جمهوريتك الديكتاتور، فليذهب إلى جهنم مع إرهابيي داعش الذين يحبهم”..
ولم يفت الرئيس بوتين أن يوضح للسفير التركي في موسكو، أن "درجة خبث أردوغان وحلفاءه السعوديين لا تقل عن الديكتاتور الألماني النازي أدلوف هيتلر، متهما أردوغان باعتماد الرياء ، فهو من جهة يدعم الديمقراطية و ينتقد الانقلاب العسكري في مصر، وفي الوقت ذاته يغض الطرف عن الممارسات الإرهابية التي تهدف إلى اسقاط الرئيس السوري”، مؤكدا في الختام، وقوف روسيا وإيران والصين مع سورية وحكومتها الشرعية المنتخبة وسنتعاون معها في اليدان لوضع نهاية للحرب.
وهذا إن دل على شيئ فإنما يدل بما لا يدع مجالا للشك، أن أمريكا وأدواتها "تركا والسعودية” ليسوا في وارد القبول بالحلول السياسية التي تحفظ لسورية سيادتها واستقلالها وتحترم خيارات شعبها، وأنهم ماضون في التخريب حتى النهاية.. فإما تستسلم سورية أو تستنزف وتقسم بالإرهاب، وما دخول أمريكا وتركيا الحرب في الشمال، والسعودية والأردن و”إسرائيل” الحرب في الجنوب إلا عنوان لطبيعة المرحلة المقبلة..
ولا بأس من أن تلاعب "السعودية” إيران وتبدي استعدادها للسلام وتشترط المقايضة في سوق النخاسة السياسية بين اليمن وسورية، وتقبل بالحل السياسي في سورية شريطة أن يقوم على المحاصصة بتعديل دستوري، لتحويل سورية إلى نموذج من لبنان والعراق.
هذه هي الحكاية من البداية إلى النهاية، ومن يعتقد غير ذلك وينساق وراء الشائعات وأوهام التوافقات فلينتظر قليلا ليسمع ما سيقوله سماحة السيد غدا الجمعة، لعلي أكون مخطئا..