kayhan.ir

رمز الخبر: 23929
تأريخ النشر : 2015August09 - 21:38

إيران وروسيا تحاصران “سوريا الجديدة ” ومسارات ديمستورا الأربع

حسن شقير

قبيل انطلاق فعاليات مؤتمر جنيف ٢ السوري في ٢٢يناير من العام ٢٠١٤ ، كانت العقد الكأداء التي سبقت ورافقت انطلاق أعماله ، تتمثل في عنصرين محورييين ، أحدهما الثقة بين المتحاورين السوريين والدوليين منهم ، والثاني تمثلت في أولويات جدول الأعمال الخاص به ، والتي تعنونت أيضاً بملفي الارهاب وهيئة الحكم الإنتقالي في سوريا ، وذلك بحسب بيان جنيف الأول … وقد كان هذان العاملان كفيلان بإفشال ذاك المؤتمر ، فضلا ً عن اللإرادة الدولية المعقودة على ذلك ، ولأسباب متعددة

بعد ذاك المؤتمر ، تطايرت الكثير من المبادرات التي لم تتخط ميدان الورق الذي كتبت عليه ، وصولا ً إلى مبادرة ديمستورا الشهيرة حول تجميد القتال في حلب ، والتي – وعلى الرغم من تبنيها من قبل الأمم المتحدة – سرعان ما لاقت مصير سابقاتها من الفشل ..

ولكن ما يميّز تلك المبادرة ، أنها وبعيد تشذيبها من قبل الدولة السورية ، ونزع الأفخاخ والألغام الكثيرة التي كانت بين جنباتها ، وخصوصاً لناحية شمول التجميد الريف الحلبي الشمالي ، وصولا ً حتى الحدود التركية ، والتي يسيطر عليه الجماعات الإرهابية المسلحة ، بحيث تلقى الدعم مباشرة من قبل تركيا ، ناهيك عن أن تلك المبادرة قد طرحت في خضم اقتراب الجيش العربي السوري وقوى المقاومة والمساندة له من اكمال الطوق حول المسلحين في الأحياء الشرقية لتلك المدينة ، الأمر الذي جعل من الإرهابيين وداعميهم ، يصرفون النظر عن تلك المبادرة ، كونها شُذبت أولا ً ، وانتفت إمكانية الإستثمار والبناء عليها ثانياً في مشروعهم الأكبر لمدينة حلب ، وما ذكرناه مراراً حول فكرتهم في استبدال الدولة السورية من الشمال ( فرض التقسيم المُقنّع للدولة السورية الواحدة )

في ظل تلك الأجواء تنبهت روسيا لما يُرسم لسوريا في تلك الفترة القاتلة من مبادرات مفخخة ، فسرعان ما رمت على الطاولة مشاريع الحلول السياسية في موسكو ١ وموسكو ٢ ، وذلك كنوعٍ من إلقاء حجر في بحر الركود السياسي لتلك الأزمة .

ولكن ، ومع توقيع الإتفاق النووي التاريخي مع إيران ، وبدء مسار رفع العقوبات الدولية المفروضة على طهران ، وعدم قبول هذه الأخيرة بأن تكون تلك العملية ” ناتجاً وليس جزءً ” ( السيد خامنئي ) ، وإصرارها على عدم قبولها تقييد دورها الإقليمي ، كشرط لإتمام الصفقة النووية ، وذلك كإستجابة لبعض حلفاء أمريكا من العرب ، ومعهم الكيان الصهيوني …فإنه ، وفي اليوم التالي لهذا الإعلان – الحدث في الرابع عشر من تموز الماضي ، سارعت إيران ، ومن على لسان كافة قادتها بأن دعمها لحلفائها سيتعزز ، وتحديداً في مواجهة الإرهاب الذي يضرب في جغرافياتهم ..

منذ البداية كانت رؤيتنا أن معنى انعكاس الإتفاق على أزمات المنطقة ، يتمثل بأن إيران ستسقط المدرسة التفاوضية النووية مع أعدائها وخصومها ، على الملفات التقليدية ، وفي مقدمتها ملف الإرهاب ، وذلك باعتماد الطريقة ذاتها في تضييق الخيارات أمام الأعداء والخصوم لجرّهم مُرغمين إلى مائدة التفاوض المجدي ، وخصوصاً في مكافحة الإرهاب ( مقالة ” من فن التفاوض النووي إلى التقليدي … والقطاف)

تأسيساً على ذلك ، كانت قنبلة بوتين الأخيرة في توحيد الجبهات لمحاربة الإرهاب ، ومن ثم جمع الأضداد – ولو لم يسفر عن نتائج – ، وبعدها جاءت مبادرة ديمستورا الجديدة بمساراتها الأربع ، بحيث تمثل أولها بحماية المدنيين وانهاء الحصار والأسرى ( الإجتماعي ) ، والثاني يتعلق بالقضايا المختصة بالعملية السياسية والإصلاح الدستوري ( السياسي) ، أما الثالث فيُركز على المسائل الأمنية والعسكرية ( مكافحة الإرهاب وإعلان الهدن وإنشاء قوات مسلحة موحدة ) ، وصولاً حتى الرابع ، والذي يُعنى بإعادة إعمار البلاد وتطوير وإنشاء المؤسسات العامة ( العمراني ).. ليعلن بعدها الأمين العام للأمم المتحدة بأن هذه المسارات ستكون متوازية ، ولتعرض بعدها على دول مجموعة الإتصال بشأن سوريا ، فضلا ً عن الدولة المعنية ، والتي عقّب ممثلها في الأمم المتحدة ، بأنها ” أفكار جديدة ، وجديرة بالدراسة من قبل سوريا ..” لم تكد تمضي أيامٌ معدودة ، حتى جاءت مبادرة جديدة من قبل وزير الخارجية الإيراني على هامش زيارته الأخيرة لبعض من الدول الخليجية ، والتي وردت ضمن مقالته المنشورة في صحيفة السفير ” الجار قبل الدار ” ، والتي تمحورت – أي هذه المبادرة – حول دعوة لإنشاء ” مجمع الأمن الإستراتيجي بين دول المنطقة ".

في اليوم التالي لتلك الزيارة الإيرانية للخليج الفارسي ، حط كل من وزيري الخارجية الأمريكية والروسية وكذا نظيرهم السعودي في الدوحة ، هذا فضلا ً عن وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ، وذلك في اجتماعات ثنائية وثلاثية وأكثر … بحيث خرج المجتمعون ( أمريكا ومجلس التعاون ) بنتيجتين أساسيتين ، تتمثلان باعتبار الإرهاب خطرٌ داهم ينبغي التكاتف لمحاربته ، والثانية بضرورة الحل السياسي لأزمات المنطقة ، وخصوصاً في سوريا ، إنما على قاعدة مشتركة بينهما بأن ” الأسد ونظامه فقدا شرعيتهما ” وبالتالي لا مكان لهما بالمرحلة الإنتقالية وفقاً لجنيف ١!!! ليخيل للناظر من بعيد ، بأن لافروف في الدوحة كان بواد والأخرين بوادٍ أخر !!!

ولكن ، ما كان لافتاً للأنظار ، بأن اجتماعات الدوحة ، تزامنت مع الإعلان الرسمي لأمريكا عن بدء الحماية العسكرية الفعلية للمعارضين السوريين الذين تدربهم واشنطن ، وذلك في جغرافيا انتشارهم على الأرض السورية ، مرفقةً – أي أمريكا – ذلك بتهديد أي طرف من التعرض لهم !! فهل تعمدت أمريكا بهذا التزامن نفث الغبار الكثيف حول موقف روسيا الثابت بإعلانه الرفض لذلك ؟

إنه – باعتقادي – نهج أمريكا – أوباما الضبابي ، والذي تتوخى القطاف الأحادي منه ، وقد فصلنا في ذلك أيضاً في مقالة ” نهج أمريكا الضبابي .. والقطاف ” والمنشورة في ١٩-٠١-٢٠١٥ ..

لقد أطلق هؤلاء المتدربين على أنفسهم ، بأنهم ” مقاتلي سوريا الجديدة ” ، فهل تتناغم هذه التسمية مع تلك التي كان أطلقها نائب الرئيس الأمريكي في تصريح صحفي لجريدة أوروبا – لوموند بتاريخ ٠٧-٠٢-٢٠١٥ ، وذلك في معرض تعقيبه على إمكانية إشراك النظام السوري في محاربة الإرهاب ، قائلا ً : ” أن الأسد فاقد للشرعية ويرزح تحت ركلة من العقوبات الدولية ، وبالتالي هو غير مؤهل لقيادة سوريا الموحدة والمسالمة!!!

لا يمكن لأي متابع ، أن يتجاهل الإعلان الأمريكي بالدخول المباشر في فرض مناطق أمنة داخل سوريا بحجة حماية متدربيها ، فهذا معناه الأولي بأن مفاعيل الإتفاق الأمريكي – التركي الأخير قد بدأت ترجمتها على الأرض ، وذلك يبرز بسلخ الجغرافيا من الدواعش ، وجماعات الإرهاب الأخرى ، وذلك لصالح أبناء ” سوريا الجديدة ” ، وذلك على الرغم من ضألة عددهم ، فهم يتمتعون بالحماية الأمريكية المباشرة !!!

أعتقد إنه بداية موسم الترغيب والترهيب الأمريكي للهجرة المعاكسة من الإرهاب نحو "الإعتدال”، وحتى من أبناء سوريا القديمة والمتجذرة نحو ” سوريا الجديدة!!!

وأعتقد أيضاً أن مبادرة بوتين التكاملية في محاربة الإرهاب ، و مبادرة إيران الأخيرة والمعدّلة لسوريا ، والتي ترمي فيما ترمي إليه إلى تعطيل مشروع أمريكا وتحالفها في فرض واقع تقسيمي على الأرض السورية ، تماماً كما حدث قبيل موسكو ١ … ، وتهدف أيضاً إلى إزالة الآفخاخ من مبادرة ديمستورا الثانية ، والتي يُحتمل تكاملها مع مشروع ” سوريا الجديدة ” …..

أسئلة وفرضيات أتركها للقادم القريب من الأيام : فهل ستتعلق التعديلات الإيرانية بملء الجغرافيا التي تنزاح منها التنظيمات الإرهابية عبر إدارات محلية تديرها الإمم المتحدة ، إلى حين وصول المسار السياسي إلى مبتغاه ؟ وهل أن مساري ديمستورا الإجتماعي والعمراني في تلك المناطق السورية ، سيتزامنان أم قد يتقدمان على المسار السياسي في سوريا بكليتها ؟ وهل ربما تكون المبادرة الإيرانية المعدلة ، مبادرة تجمع في ثناياها ، طرح بوتين والأمم المتحدة ، وتلبية رغبات خليجية وتركية بمنع استثمار الدولة السورية لإنزياح الدواعش عن الجغرافيا ؟ و هل هذه المبادرة ستلبي رغبة سوريا وإيران برفض الفهم الأخر للسلطة الإنتقالية ؟

وأخيراً هل من فرصةٍ جدية لتكامل هذه المبادرات جميعها ؟ أم أن الأمور قد تأخذ منحى تصادمي خطير في ظل نزول الفرقاء – لا الوكلاء – إلى ساحات النزال في سوريا واليمن على وجه التحديد ، وبشكل مكشوف ومعلن هذه المرة ؟