أصل القصة , العدوان على اليمن منذ البداية
بلال الحكيم
في عادة الحروب تسعى الاطراف لجعل الاهداف الحقيقية والاصلية لحروبها لان تكون على غير وضوحها الكامل , يستخدم هذه القاعدة التضليلية الطرف المعتدي او المتجاوز او المستحوذ على نطاقات الاخر – المدافع او المتلقي – كمحاولة للتغطية عن الاختراق القيمي الذي قد يقرأه المتابع العادي او الغير مهتم بتتبع الحقيقة بدقتها , او لمن يريد مبرر شكلي لكي يعزز من خلاله لموقفه المسبق المؤيد لهذا التجاوز .
حصل هذا في العدوان الاخير للتحالف العربي بقيادة السعودية على اليمن , حيث بقي الاعلام المحسوب على التحالف يقدم عنوان واحد رئيسي ووحيد لهذا العدوان هو ( استعادة شرعية الرئيس هادي ) , ثم ساهم تسارع الاحداث وتشعبها على فرض هذا العنوان الخادع على نطاق اوسع , بفعل مكينة اعلامية متنوعة ومملوكة , وباسكات الاخريات من الوسائل او المنظمات او الجمعيات الدولية باثمان متفاوته حسب حجم ونطاق تأثير الجهة المراد اخماد تفعيل مهامها .
ولكن تطورات المعارك وصلابة الخصم – المتمثل بالجيش اليمني واللجان الشعبية المتصدية للعدوان – تسببت بضغوط غير محسوبة دفعت بزعماء العدوان للافصاح علنا بدوافعهم الحقيقية و فيما اذا كانت مطامع ام مخاوف , ام في تراتبيتها كمراحل انتكاسية او انحدارية .
هذا بالضبط ما حدث مع ولي ولي العهد السعودي وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان اثناء زيارته لجمهورية مصر ولقائه برئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي يوم الخميس الفائت الموافق 30 يوليو 2015 , حيث اضطر لقولها صراحة بان ( وصول انصار الله الى سدة الحكم يشكل خطرا حقيقيا على المملكة العربية السعودية.
لم يكن من الممكن ان يكون هذا من البداية هو الهدف المعلن للعدوان:
اولا : لان انصار الله كانوا يصرحون باستمرار بعدم رغبتهم في التفرد بالحكم , وعززوا من هذا الموقف بتوقيعهم على اتفاق السلم والشراكة بتاريخ 21 سبتمبر 2014 , الذي اشتمل على عدة بنود والتي لم تتطرق لاي اشارة بنزع السلطة من عبد ربه منصورهادي كرئيس للجمهورية على ان يتم اصلاح بعض الامور الخلافية مثل تغيير حكومة – محمد سالم باسندوه – واصلاحات اقتصادية اخرى كتحديد سعر 20 ليتر من الوقود والديزل الى قيمة 3000 ريال ( 13.9 دولار.
ثانيا : لان هذا شأن يمني داخلي خاض الشعب اليمني مراحل طويلة وتضحيات جسيمة حتى وصل الى هذه المرحلة من التوازنات في المشهد السياسي اليمني الذي بقي طويلا خاضعا لاحتكار طرفين فقط هما حزب المؤتمر الشعبي العام وحزب الاصلاح مع كل توابعهما من شخصيات وأسر نافذة مستحوذة على الثروة والقرار , والتي كانت كلها ضمن العباءة السعودية ووفق شروطها وحدود مشاريعها واستراتيجياتها .
اذن لماذا كل هذا الخوف من ان تصبح السلطة تحت سيطرة انصار الله ؟
القصة منذ بدايتها :
حدثت في اليمن الكثير من التحركات الشعبية الرافضة لطريقة ادارة الحكم التي كانت تدار من قبل منظومة واسعة من الأسر والاسماء والاعيان التي تم التأسيس والتثبيت لها بشكل منظم مباشرة بعد اغتيال ابراهيم الحمدي رئيس اليمن السابق – 1974 , 11 اكتوبر 1977 – والذي تورطت في هذا الاغتيال اسماء ومشائخ مرتبطة بشكل مباشر بالمملكة العربية السعودية , وقد اتضح لاحقا بان عملية الاغتيال كانت باشراف الملحق العسكري في السفارة السعودية حينها ( صالح الهديان ) , شكل اغتيال الرئيس الحمدي تحولا تاريخيا جذريا في الحياة السياسية اليمنية حيث اصبحت تقريبا بشكل كامل خاضعة للنفوذ السعودي والتي استخدمت لاجل ذلك الكثير من الادوات المتنوعة من اهمها التخويف من المصير الشبيه لمصير الرئيس ابراهيم الحمدي الذي سننتظر من يفكر في الخروج عن هذه العباءة , ثم من خلال شراء الذمم لاغلب وجاهات اليمن واصحاب النفوذ فيه وذلك باعتماد رواتب شهرية مغرية لكل شخصية على حدى وصل بعضها بحسب وثائق مسربة الى 6.000.000 ملايين ريال سعودي , كما هو الحال مع صادق عبد الله حسين الاحمر زعيم قبيلة حاشد ومع اخوه حسين والذي كان يستلم شهريا 5.200.000 ريال سعودي , مرورا بالكثير من الشخصيات الاخرى والتي كانت تتفاوت المبالغ المعطاه لهم بحسب حجم الشخصية ومكانتها الاجتماعية والسياسية .
بعد اشهر بسيطة من اغتيال الحمدي اغتيل الرئيس الغشمي بفعل قنبلة تفجرت فيه ارسلت من الجنوب يقال ان رئيس الجنوب حينها , سالم ربيع علي , ارسلها انتقاما لصديقه الحمدي , ثم جاءت فترة حكم علي عبد الله صالح والذي تمكن من التثبيت لنفسه في الحكم من خلال استمالة السعودية وتطمينها الدائم واعطاءها فضاء واسعا للتحرك في اليمن كيفما تشاء , فبقي يحكم اليمن ل 33 سنة – 1978 حتى ثورة 11 فبراير 2011 – ولكن السعودية تمكنت ايضا من تقويض الثورة التي اقيمت ضد حكم علي عبد الله صالح والالتفاف عليها وسلب القرار من الشعب واعادته مرة اخرى الى طرفها من خلال نفس تلك الشخصيات والادوات التابعة لها , والذي تمكنوا من التوغل داخل صفوف الثوار ثم وبشكل تدريجي اصبحوا يحتكرون الثورة لهم من خلال المسانده والتسويق الخارجي المتمثل بالسعودية وقطر وتركيا ودول اخرى , استطاعت السعودية ان تحرف مسار ثورة 11 فبراير بل وان تفرغها من مضمونها الكامل بحيث بدأت بشكل تدريجي لان تجعل منها ازمة سياسية وليس ثورة , لان الازمة السياسية ستعني ان ايجاد حل لها لا يتم الا من خلال تنازل الاطراف عن مبادئهم وان يكون هناك تشارك بين الاطراف المتنازعة وان لا يكون هناك اقتلاع نظومة الحكم السابقة بشكل كامل ,
وهذا ما حدث من خلال التوقيع على ( المبادرة الخليجية ) في تاريخ 23 فبراير 2011 , في العاصمة السعودية الرياض , والتي نصت تلك المبادرة على تسليم السلطة الى نائب رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي و يمنح رئيس الجمهورية المعتزل على حصانة من مجلس النواب تمنع ملاحقته قضائيا لاي سبب كان .