kayhan.ir

رمز الخبر: 23783
تأريخ النشر : 2015August07 - 21:52

أزمات المنطقة وإشكالية الأمن الإقليمي

أحمد الشرقاوي

عديدة هي التحليلات التي خرجت تبشر بقرب انفراج أزمات المنطقة، وتؤسس لهذه النظرة التفاؤلية على ضوء التحركات الأخيرة التي أعبقت التوقيع على الاتفاق النووي بين المجموعة الدولية وإيران.. من زيارة علي مملوك المفاجئة للرياض ولقائه بولي ولي العهد بوساطة روسية، إلى اجتماع الوزير جون كيري بمجلس التعاون الخليجي لطمأنة مشايخه على أمنهم المتداعي، واجتماعه أيضا مع الوزير لافروف والوزير الجبير لبحث سبل حل الأزمة السورية واليمنية..

ومهما يكن من أمر، فالذين يرون في هذا الحراك استدارة أمريكية جديدة لحلحلة أزمات المنطقة، يتجاهلون أن هذه الأزمات المستفحلة اليوم هي نتيجة وليست سببا، أفرزتها السياسات التخريبية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية من أجل تحقيق أهداف انتهازية واضحة، تتعلق بتأبيد الهيمنة الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط وضمان أمن "البقرة المقدسة”..

وبالتالي، فالسؤال الذي يجب أن يطرح كمقدمة للتحليل قبل القفز مباشرة نحو التنظير هو: – هل حققت أمريكا بالحد الأدنى، ايا من أهدافها الخبيثة التي أشعلت من أجلها نيران حروبها الناعمة؟..

الوقائع الميدانية تقول لا.. فلا هي حصلت على تنازل إيراني في أي ملف من ملفات المنطقة يضمن لواشنطن فرض هيمنتها على مقدرات الشعوب وخيراتها، ولا هي انتزعت منها تعهدا بضمان أمن "إسرائيل”، قياسا بالأهداف التفصيلية أو المرحلية التي وضعتها لحربها على محور المقاومة، والمتمثلة أساسا في إسقاط النظام السوري لعزل حزب الله في أفق نزع سلاحه وتحويله إلى حزب سياسي أو اجتثاثه من جنوب لبنان ، وإعادة صياغة المعادلة السياسية في العراق لتطويق إيران، وتحويل اليمن إلى أكبر معسكر للإرهاب انطلاقا من حضر موت، لمنع طهران من التمدد إلى الجوار "السعودي” كما فعلت مع الجوار "الإسرائيلي”، وتتحدث أنباء عن أن "السعودية” بصدد تجهيز جيش قوامه 50 ألف إرهابي أفغاني وباكستاني وشيشاني لنقلهم قريبا إلى اليمن ليشكلوا خزان الجيش السري الذي سيوكل له زعزعة الاستقرار الإيراني..

وفي إطار توسيع جغرافية الحرب الناعمة، بدأ عمليا نقل المقاتلين الأجانب في "داعش” من العراق وسورية عبر تركيا، وفق ما أعلنت القيادة العسكرية العراقية نهاية الأسبوع المنصرم مؤكدتا أن المقاتلين الأجانب هربوا من العراق وحملوا معهم الأموال، فيما تقارير استخباراتية تتحدث عن دور مركزي لتركيا بالتوافق مع أمريكا لنقل مقاتلي "داعش” إلى أفغانستان بموازاة جيش "داعش” الأفغاني الجديد المنشق عن حركة طالبان بعد الإعلان عن وفاة الملا عمر.. وتجري هذه الاستعدادات على قدم وساق بهدف زعزعة استقرار محور إيران وروسيا والصين..

بدليل، أن أوباما لا زال يعزف على وثر فقدان النظام السوري لشرعيته ويتحدث عن ما أصبح يعرف بـ”سورية الجديدة” من دون الأسد، والتي ستلعب "المعارضة المعتدلة الجديدة” التي تدربها المخابرات الأمريكية في تركيا رأس الحربة في الحرب "المزعومة” على "داعش” والسيطرة على الأراضي التي يتم تحريرها بحماية الطائرات الأمريكية التي سمح لها أوباما بقصف كل من يعترضها بما في ذلك الجيش العربي السوري، وهذا تطور جديد يؤشر لمحاولة فرض منطقة عازلة في الشمال السوري بالخديعة من دون حاجة لقرار من مجلس الأمن..

إلى ذلك، تشير تقارير إعلامية إلى أن تحالف "السعودية” و "إسرائيل”، يحضر لعاصفة جديدة على دمشق انطلاقا من الأردن الذي استدعي عاهله إلى الرياض لتدارس المرحلة المقبلة من التدخل في الجنوب السوري، وهو ما دفع بالقيادة الإيرانية لبعث رسالة إلى من يهمهم الأمر عبر وسيط دبلوماسي عماني، تحذر من أن الجنوب السوري يعتبر خطا أحمر لطهران وليس لدمشق فحسب، وأن أي سيناريو يستهدف دمشق سيواجه برد قاس سيتخلله دخول صواريخ إيرانية نوعية على خط المواجهة المقبلة، وسيرتد زلزالا على منفذيه في عقر دارهم.

لكن الأهم، هو أن أوباما بهذه الخطة الجديدة لإعادة انتشار جيشه "الداعشي” السري بمساعدة تركيا و”السعودية” وقطر، يسعى لنصر زائف يعلنه على "داعش” في العراق وسورية انسجاما مع ما أعلنه من أن الهدف الثاني بعد الاتفاق النووي هو محاربة "داعش”، وفي ذات الوقت الانتقال إلى مرحلة تنفيذ استراتيجيته الجديدة في آسيا، وهذا ما يقلق روسيا ويفسر في نفس الوقت تقاربها من "السعودية” الذي قدمت اليمن ثمنا له ضدا في مبادئها التي تقول باحترام شرعية الشعوب والقانون الدولي وعدم التدخل في شؤون الدول المستقلة.

المسألة الثانية المتعلقة بأمن "البقرة المقدسة” لم تسقط من حساب أوباما أيضا، فمباشرة بعد الاتفاق النووي، خرج ليعلن أن إدارته ستعمل على الحد من نشاط حزب الله الذي يزعزع استقرار المنطقة، في رسالة واضحة تقول، إن أمريكا لا تزال ملتزمة بأمن مدللتها، وأن الصراع مع إيران ومحورها لا يزال مستمرا، وأن الاتفاق النووي لا يعني التسليم لإيران بدور القوة الإقليمية المهيمنة، بل هو لمنعها من التوجه نحو صنع قنبلة نووية ليس إلا..

ومرد هذا الخيار الذي اعتبره أوباما "أفضل الممكن” يعود لقناعته على ضوء تقارير استخباراتية ودراسات استراتيجية تؤكد بأن الحصار الاقتصادي المفروض على إيران، أعطى نتائج عكسية وسرع من وثيرة تقدمها ليس في البرنامج النووي فحسب، بل وفي كل المجالات، وخصوصا الصناعة العسكرية، وأن أية حرب مقبلة مع إيران من شأنها إحراق المنطقة وستكون "إسرائيل” والمصالح الأمريكية هي المستهدفة بالأساس.

وبالرغم من اتفاق الجميع على أن الحل في سورية كما في اليمن هو سياسي لا عسكري، إلا أن أساس هذا الحل لا يأخذ بالاعتبار مبدأ السيادة الشعبية المقدسة، ضدا في القانون الدولي وكل المبادئ الدستورية الكونية التي تتحدث عن سيادة الشعوب وحقها الحصري في اختيار نظام حكمها وانتخاب من ينوب عنها في تدبير شؤونها..

وهو ما عكسه تصريح الوزير جون كيري في الدوحة بحضور الوزير لافروف والوزير الجبير من خلال القول.. إن موقف أمريكا واضح مما يجري في سورية، فالرئيس الأسد فقد شرعيته وهو من استجلب الإرهاب لبلاده بسبب قمعه لشعبه، وفق رأيه..

وجاء اجتماع علي مملوك في الرياض مع ولي ولي العهد السعودي بوساطة روسية، لنقل رسالة تحذيرية إلى الرئيس الأسد مفادها، أن السعودية لا تعارض النظام السوري ولا مشكلة لديها مع الأسد، وأنه في حال غير الرئيس الأسد من سياساته وقطع علاقاته مع طهران وأنهى دعمه لحزب الله وعاد للحضن العربي تحت رعاية الأخ الأكبر، فإن الأزمة السورية ستنتهي، وستقوم "السعودية” بواجبها الأخوي في إعادة إعمار ما دمرته الحرب في سورية، لكن شريطة أن تشكل حكومة محاصصة سياسية في دمشق، على شاكلة "ديمقراطية” لبنان، يكون للسعودية حصة وازنة فيها.

كما نقلت صحف تركية الإثنين عن أردوغان قوله، إن الرئيس بوتين يتجه للتخلي عن الرئيس الأسد، وهو ذات المنحى الذي تقول به الصحافة الخليجية بعد التقارب السعودي – الروسي الأخير وموقف موسكو المفاجئ في مجلس الأمن من العدوان السعودي على اليمن..

ومرد القلق الروسي وسعي موسكو للتقارب مع "السعودية” وقبلها تركيا، والرهان على حلف (سعودي – سوري – أردني – تركي) لمحاربة الإرهاب الذي قال عنه السيد وليد المعلم أنه يحتاج إلى معجزة، هو الخوف من تمدد الإرهاب إلى العمق الروسي، خصوصا بعد أن اكتشفت روسيا أن الدبلوماسية التركية في آسيا تقوم بجهود سرية لاستقطاب المقاتلين وحثهم على الانضمام إلى "داعش” في القوقاز.

وهذا يؤكد أن القضية من وجهة نظر أمريكا، لا تتعلق بالحق والشرعية ولا بتحديد من هو المسؤول فعلا عن القتل والخراب وتصدير الإرهاب إلى سورية، بل تتعلق بالحقيقة التي تقول، أن الغاية تبرر الوسيلة، وأن من يملك القوة هو من يتحكم في خيوط اللعبة وفق ما يخدم مصالحه حتى لو تعارضت مع مصالح الشعوب وتطلعاتها، وأدت إلى انتهاك حريتها واستقلالها ومصادرة قرارها السيادي، وضربت عرض الحائط كل المواثيق الدولية التي تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وعن مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه ومساءلة المسؤولين عن توظيفه من أجل تحقيق أهداف سياسية.

ودون الخوض في تفاصيل هذه اللقاءات وما صدر عنها من إعلان سياسي يبدي خلاف ما يضمر، علينا التذكير على في هذا السياق على المستوى الإقليمي، أن جوهر المعضلة و مفتاح حل كل أزمات المنطقة تكمن في الاختلاف حول مفهوم "الأمن القومي” بين الأفرقاء..

لأن حديث "السعودية” عن "الأمن القومي العربي”، إذا لم يكن ينم عن جهل فظيع بالسياسة والإستراتيجيا معا، فهو خديعة، المقصود بها دون شك، صد الأبواب أمام أية مقاربة جدية لحلول ممكنة مع طهران، وترحيل الأزمات إلى مرحلة ما بعد دبلوماسية ‘أوباما’ لمعالجتها بالقوة العسكرية في حال لم ترضخ الجهات المعنية للشروط الآنية..

لأنه لا يمكن الحديث عن "الأمن القومي العربي” في غياب "النظام العربي” نفسه، والذي انتهى ولم يعد له من وجود يذكر منذ نكسة 67 وخديعة73 التي مهدت لـ”كامب ديفيد” و "وادي عربة” و "أوسلو”، وما نتج عن الارتهان الخليجي للسياسات الصهيو – أمريكية من كوارث، بدءا باحتلال العراق، والعدوان الإسرائيلي على لبنان وقطاع غزة، فتدمير ليبيا، وتخريب سورية، وزعزعة استقرار المنطقة من خلال الاستثمار في الإرهاب وما أدى إليه من تمدد وانتشار على امتداد جغرافية العالم..

وبذلك، تحول "الأمن القومي العربي” اليوم إلى مجرد ذريعة اتخذتها السعودية للهروب من استحقاقات السلام الملحة، إلى أن تتحقق الشروط الأمريكية كاملة غير منقوصة وعلى رأسها أمن البقرة المقدسة المسماة "إسرائيل”.. وهذا هو بيت القصيد، لأن كل ما وقع ويقع هو بسببها وخدمة للمشروع الصهيوني الكبير في المنطقة وليس في فلسطين فحسب.

المنطقة اليوم في حالة غليان، والصراع على أشده بين محورين، المحور الأمريكي ومن معه من حلفاء وأدوات، ومحور المقاومة بقيادة إيران، والحروب لم تحسم لا في سورية ولا في العراق ولا في اليمن، والأزمات إن لم تدخل قاعات العناية المركزة فهي مرشحة لمزيد من التصعيد الذي قد يحرق المنطقة، بسبب الرهان على ما يمكن أن ينجم على الاتفاق النووي من تغيرات دراماتيكية في الداخل الإيراني، فتنتهي بالتالي "ولاية الفقيه” و”مجلس تشخيص مصلحة النظام” و”الحرس الثوري” وما إلى ذلك… أي أن الرهان هو على استبدال "الإديولوجية الثورية” بثقافة "الهمبرجر و الكوكا كولا”..

والملاحظ أن الدول التي تدفع الثمن حتى الآن في المنطقة، هي الدول والشعوب الداعمة لمحور المقاومة، ولعل المستجد الطارئ اليوم هو قرب انفجار حرب أهلية في تركيا بسبب تداعيات الأزمة السورية تحديدا ورهان أردوغان على النعرة القومية لذبح الأكراد على مذبح السلطة بوهم استعادة الإجماع الداخلي، لأن الفشل في إسقاط النظام السوري يعني حتما نهاية أردوغان وأحلامه الإمبراطورية، كما أن فشل "السعودية” في اليمن يعني حكما نهاية نظام آل سعود وأوهامه بالزعامة على العرب والمسلمين، لهذا السبب تعتبر السعودية الثورة الإيرانية خطرا داهما عليها، لأنها الوحيدة القادرة على ملئ الفراغ..

ولدى ‘آل سعود’ قناعة راسخة مفادها، أن إيران لم تتمدد في المنطقة بسبب قوتها، بل بسبب ضعف العرب وغيابهم عن الفعل وانشغالهم في تنفيذ سياسات الولايات المتحدة على حساب إهمال أمنهم الذاتي والجمعي الخليجي والعربي، وهو ما جعلها تركز على استعادة مصر لحاضرتها بما تمثله من ثقل بشري يصلح لأن يكون حطب جهنم في حربها ضد إيران..

وهذا تقييم صحيح نسبيا، لكنه لا يعني أن مصر المرتهنة للتنسيق والتعاون مع "إسرائيل” تستطيع أن تستعيد دورها القومي القديم، هذا رهان على الوهم لأن الشعوب العربية ليست غبية لتنطلي عليها الخديعة، كما أنه لا يعني أن "السعودية” استفادت من دروس الماضي وقررت تصحيح أخطائها وتغيير ارتباطاتها وتعديل توجهاتها وإعادة النظر في سياساتها الإقليمية والدولية بما بضمن مصلحة شعبها والشعوب العربية كافة تحت عنوان "الأمن القومي العربي” الذي تروج له اليوم، لأن مثل هذا الانقلاب قد يكلف حكامها أعناقهم..

وإذا كان السلطان أردوغان يرى أن عدوه الكبير هو الرئيس الأسد لأنه يشكل عائقا لتمدد تركيا نحو العالم العربي، فإن السعودية من جهتها ترى أن العدو الكبير والخطير الذي يهدد وجودها ويحول دون تحقيق وهمها بالزعامة العربية والإسلامية هو نظام الثورة الإسلامية في إيران..

وبالتالي، فحديث السيد محمد جواد ظريف عن "الجار قبل الدار” بما تعنيه "الدار” من بنماء لـ”الأمن الإقليمي” الذي يشمل جميع دول المنطقة وليس دول الخليج الفارسي فحسب، هو محاولة لإبداء حسن نية طهران تجاه جيرانها، واستعدادها للتفاهم معهم وخصوصا مع "السعودية” على مقتضيات وموجبات هذا "الأمن الإقليمي”، ما يفتح المجال لآفاق واسعة من التعاون في كل المجالات التنموية الأخرى..

غير أنه وبخلاف قناعة إيران، لا تؤمن أمريكا بحسن النية، بل تحكم تصرفاتها المصالح، و”السعودية” دولة تابعة لا تقدر أن تقرر في هذا الشأن، واستجدائها المظلة الأمنية من أمريكا يعني بالعربي الفصيح، أنها مستمرة في مخططات أمريكا الجهنمية لزعزعة استقرار دول المنطقة حتى تحقيق كامل أهداف أسيادها، لكن شريطة أن تتعهد الإدارة الأمريكية بحماية أمنها وأمن شركائها الخليجيين من الانعكاسات الكارثية لهذا الخيار الانتحاري الخطير.