الحرب الأمريكو- تركية على داعش والعين على النصرة. لماذا؟
حسن شقير
في أواخر أيلول من العام ٢٠١٤ ، عقد وزير الدفاع الأمريكي السابق تشاك هاغل ، مؤتمراً صحفياً مشتركاً مع رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي ، صرّح فيه هذا الأخير معلّقاً على تطورات الحرب على سوريا ، وتحديداً في معرض الحديث حول تدريب من سماهم بالمعارضة العسكرية المعتدلة فيها ، بغية إمساكهم للأرض التي تنزاح منها الدواعش . قأئلا ً بأنه ” لابد من وجود قيادة سياسية وعسكرية مشتركة لهؤلاء في سوريا >
لقد أستفضت في مقالة ” ديمبسي يكشف مستور التحالف في المنطقة ” والتي نشرتها في ٢٨-٠٩-٢٠١٤ ، حول ما أسميته يومها بأنها زلة لسان ديمبسي ، حول ما تخفيه أمريكا في جعبتها لسوريا والمنطقة ضمن مشروع التفتيت المقنّع الذي تارة يُعبّر عنه أمريكياً ” بإصلاح النظام السياسي ” لهذه الدولة ، و” إصلاح بنيوي ” في تلك . فضلا ً عن مشاريع الأقلمة والإستبدال لغيرها من الدول . والهدف الإستراتيجي المزدوج على الدوام : خدمة المصالح الأمريكية العليا من جهة . وخدمة الأمن الصهيوني بأقل تكلفة ممكنة .
منذ ذلك الحين ، بدأت تتكشف خيوط المشروع الأمريكي ضمن ما يُسمى بالتحالف ضد الإرهاب ، المرسوم لسوريا ، والتي كنا أيضاً قد أزحنا الستار عنها في عدة مقالات نشرتها بعد تلك المقالة ، وذلك في مقالة "العزم التام . ومشروع استبدال الدولة في سوريا من الشمال . فحذار حذار ” ( 20-10-2014 ) ، وبعد أن تعثر هذا المشروع عند الصمود البطولي للجيش السوري والمقاومة في حلب ، والطوق الذي كاد أن يكتمل على الإرهابيين في بعض أحيائها . هذا فضلا ً عن إفراغ سوريا مبادرة ديمستورا من الأفخاخ حينها .
الأمر الذي جعل أمريكا ودول التحالف معها يشيحون بأنظارهم نحو إدلب ، وذلك بعد سيطرة إرهابيي جيش الفتح ( النصرة ) عليها ، والتي كنت قد تناولت مشروع التعويم هذا بمقالة أخرى ، والتي عنونتها ب ” تعويم الإستبدال . ومشروع الحلف الجديد والمرمم في سوريا ” والمنشورة بتاريخ 11-03-2015 ، والذي - أي هذا التعويم - تعثر أيضاً بسبب رفض النصرة خلع ثوبها الإرهابي عنها ، وذلك على الرغم من تجميلها وتزينها من قبل العديد من دول تحالف الإرهاب على سوريا . وقد تجلى هذا الفشل بعدم موافقة هذه الجماعة الإرهابية بتسليم إدارات الدولة في إدلب إلى ممثلين عن من تُسمى بالحكومة السورية المؤقتة في الخارج .
ما الذي يحدث اليوم ؟ وماذا يعني بدء الحرب التركية على داعش ؟
وما سر هذين التصريحين المتزامنين التركي والأمريكي اليوم حول ” إتفاق أمريكا وتركيا على توفير غطاء جوي للمعارضة السورية التي تحارب داعش هناك ” ؟
وماذا يعني قول مسؤولي تركيا ” أن كرد سوريا ليسوا أهدافاً لتركيا . ووحدات حماية الشعب يمكن أن يكون لها دور في سوريا الجديدة ” ؟
قد يُجادل البعض أن مشاريع التأمر لتحالف الإرهاب على سوريا والمنطقة ليست هي اليوم كما كانت بالأمس ، وحجتهم في ذلك بأن هناك اتفاق تاريخي قد حدث في المنطقة ، وهو الإتفاق النووي مع إيران . لذلك فإن هذا الأخير - بحسب رأيهم - سيرخي بظلاله على باقي الملفات الشائكة في المنطقة ، وسيضعها على سكة الحلول .
لسنا بالمطلق ضد هذه النظرة التفاؤلية ، ولا نقلل من تاريخية الحدث ، إلا ّ أننا اعتقدنا ومنذ الإتفاق الجزئي مع إيران في العام ٢٠١٣ بأن هناك ” استحقاقات كبرى فيما وراء النووي ” والتي حصرتها في ثلاثٍ رئيسية ( إقليمية تتعلق بدور إيران في المنطقة ، إقتصادية تتمحور حول مصادر الطاقة في المنطقة من نفط وغاز ، وصهيونية ، تتمثل ببوصلة الصراع المنزاحة عن الكيان ، وأمن هذا الأخير المنشود على الدوام . ) وقد خلصت بأن هذه الإستحقاقات الثلاث لم يتم الإتفاق حولها ما بين الطبقات السياسية العليا في العالم لغاية اليوم ، وذلك على الرغم من الإنجاز النووي الأخير .
ما سيجادل به البعض أيضاً بأن أمريكا ، وفي خضم حربها المزعومة على الإرهاب ، كانت قد أعلنت ما يُشبه النعي لمشروع تدريب ” المعتدلين ” الخمسة عشر ألف مقاتل في دول الإلتحاق الأمريكي . وذلك عند إعلانها بضألة أعداد المرشحين للتدريب تارة ، أو المتسربين تارة أخرى نحو التنظيمات التي تعتبرها واشنطن إرهابية في سوريا . وذلك على الرغم من التأكيد اللاحق بأن المشروع ما زال قائماً وشروط القبول ستكون مرنة لإستيعاب المزيد من هؤلاء .
سؤال جوهري نطرحه : لماذا اليوم - وبعد ذاك الإتفاق النووي التاريخي ، وعدم جهوزية المعتدلين لإستلام الجغرافيا من الدواعش - تُعلن أمريكا وتركيا الإتفاق على محاربة إرهاب داعش في شمال سوريا ، وإرسال تطمينات على شكل إغراءات ملموسة عملياً لكرد سوريا بالنسبة لموقعهم في مشروعهما المشترك في ” سوريا الجديدة ” ( على حد تعبير أوغلو ) ؟؟؟؟؟
هناك فرضيتان تساعدان في الإجابة على هذا التساؤل :
- الأولى : هي أن أمريكا وتركيا ومعهم دول تحالف العدوان على سوريا قد وضعوا أقدامهم على سلم بوتين الأخير ، وبدأت جبهة متكاملة ، لكنها غير معلنة لمحاربة الإرهاب في المنطقة ، وذلك يتمثل بطرد الإرهابيين من الجغرافيا التي يستولون عليها . وذلك سيكون لصالح الدولة الوطنية السورية ، كون ” المعتدلين ” لم يجهزوا لغاية الأن لإستلامها .
- الثانية : هي أن أمريكا ومعها تركيا ودول الإلتحاق العربي بها ، ومن خلفهم الكيان الصهيوني ، قد قرأوا وسمعوا جيداً كلام القيادة الإيرانية في العزم الحاسم بتفعيل وتسريع الحرب على الإرهاب في المنطقة ، وذلك كنتيجة طبيعية لرفع العقوبات المرتقبة عن طهران . وسواء سار أولئك في الركب الإيراني أم لا . فإن المسألة محسومة لدى محور الممانعة حول ذلك.
في الفرضية الأولى ، ومن خلال الكم الهائل من التصريحات المتبادلة لدى مقلبي الممانعة وتحالف الإرهاب ، يُدلل على أن أطراف هذا الأخير لن يمتطوا بسهولة سلم بوتين المنصوب لهم للنزول عن الشجرة لغاية الأن . فذلك سيظهر أن نصر الممانعة سيكون جلياً وواضحاً على كل من سار بركب دول تحالف الإرهاب على المنطقة . الأمر الذي سيفرض تداعيات استراتيجية عليهم ، ليس المجال متسعاً للحديث عنها .
في الفرضية الثانية ، والتي شددنا عليها منذ سنوات خلت ، ومن خلال اقتناعنا بأن نصر إيران في فصل السلة النووية عن السلة المتكاملة للحل في المنطقة ، لا يقل نصراً عن الإنجاز النووي بحد ذاته . وبالتالي، فإن أطراف ودول تحالف الإرهاب على المنطقة يخشون فعلا ً من ذاك القرار المبرم لدى أطراف الممانعة في الخلاص من الإرهاب المستنزف في المنطقة ، وإعادة بوصلة الصراع للأمة بأكملها نحو فلسطين . لذلك - فإن هؤلاء - ، وخوفاً من النتائج المترتبة على هكذا قرار ، والتي ستكون تداعياته مشابهة لتداعيات السير بالفرضية الأولى . مما فرض عليهم تسريع الحملة على داعش ، وإغراء الأكراد بحصة سياسية وعسكرية وازنة في الشمال السوري ، معطوفة على رسالة جدية وحاسمة للنصرة هذه المرّة ، بضرورة تبني وجهة نظر التيار المنادي فيها بفصلها عن القاعدة ، علها تُشكل مع غيرها من الفصائل الأخرى ( كأحرار الشام ) نواة ً لما يُسمى بالجيش السوري الحر في إدلب وغيرها من المناطق السورية ، معطوفة على السعي الأوروبي لتشكيل خارطة طريق سورية معارضة مشتركة قبيل انطلاق مؤتمر جنيف ٣ المرتقب .
أعتقد أن الحرب الأمريكو- تركية ومعها الكردية على داعش ، العين فيها ستكون تالياً على النصرة في سوريا . وذلك بإلزامها هذه المرة - بكليتها أو ببعضها - بخلع ثوب الإرهاب عنها .فهم يريدون منها ” نواة الجيش السوري المعتدل ” ، وذلك قبيل تضييق الخيارات أمامهم . إن للمرحلة التي تسبق الحوار السوري - السوري المرتقب في جنيف الثالث ، أو حتى لمرحلة ما قبل إطباق محور الممانعة على الإرهاب في سوريا وتحديداً في الجغرافيا الإستراتيجية منها .