kayhan.ir

رمز الخبر: 232858
تأريخ النشر : 2026November07 - 20:34

الحرب فتحت الباب لكن الأزمات تتشابك

 

عادت موجة الهبوط الحاد إلى البورصة الأميركية بعدما منحها انتهاء الانتخابات دفعة مؤقتة. فقد أغلقت جلسة الخميس الخامس من تشرين الثاني على خسارة ناسداك نحو 5.5%، وستاندرد آند بورز 500 نحو 4.4%، وداو جونز أكثر من 1800 نقطة. وتقدمت أسهم الرقائق والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي مشهد البيع، لتكشف أن الارتياح السياسي لم يعالج الخلل الذي تراكم تحت ارتفاعات السوق في ظل إنفاق استثماري هائل، وتمويل متزايد الكلفة، وعائدات مستقبلية تحتاج إلى وقت وإلى شروط اقتصادية أكثر ملاءمة كي تتحقق.

بدأت الحرب تضغط على هذه المعادلة من بوابة الطاقة والتضخم. فارتفاع كلفة النفط ومشتقاته ينتقل إلى النقل والإنتاج والاستهلاك، ويضيّق قدرة المصرف المركزي على تخفيف الفائدة. وفي قطاع يحتاج إلى بناء مراكز بيانات وشراء رقائق وتأمين كهرباء على مدار الساعة، تصبح صدمة الطاقة مزدوجة، ترفع نفقات التشغيل مباشرة، وتساهم في إبقاء التمويل مكلفاً. وهكذا تتراجع قيمة الوعود بالأرباح حين يُعاد احتسابها على أساس فائدة أعلى وكلفة تشغيل أكبر ومدة أطول لاسترداد الاستثمار.

وتؤكد بيانات لجنة الاقتراض الاستشارية التابعة للخزانة الأميركية جانباً أساسياً من هذا المسار. فقد ربط تقريرها الأخير إعادة تسعير الفائدة باستمرار اضطرابات الطاقة ومخاطر التضخم، وأشار إلى بلوغ عوائد سندات السنوات العشر نحو 5.4%، والثلاثين سنة نحو 5.7% في مطلع تشرين الأول، قبل تراجع جزء من الارتفاع. كما أورد رفع الاحتياطي الفيدرالي نطاق فائدته في أيلول إلى 3.75–4%، بعدما بلغ التضخم السنويّ 3.7%، وأسهم البنزين بأكثر من نصف الزيادة الشهرية للأسعار.

ثم تتشابك صدمة الحرب مع عبء الاقتراض الحكومي الأميركي. فالعجز الكبير والحاجة المستمرة إلى إصدار السندات يبقيان شروط التمويل عرضة للضغط، مع دين عام يزيد على 40 تريليون دولار وفائدة دين مرشحة لتجاوز 2 تريليون نهاية العام، ما يستدعي المزيد من الاستدانة ويضغط على سعر الفائدة، بينما تقترض شركات التكنولوجيا لتمويل توسّعها الخاص. وتصبح السوق مطالبة باستيعاب احتياجات الدولة والشركات معاً، وتسعير مخاطرها وآجالها. وقد خلصت قراءات جمعتها «مورنينغستار» إلى أن استمرار الاقتراض الحكومي سيبقى عاملاً يدعم ارتفاع العوائد طويلة الأجل، حتى مع تعثر التشريعات الجديدة تحت حكم منقسم بين الرئيس والكونغرس.

هنا تقع العقدة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي؛ الأموال تُدفع اليوم، وخدمة الديون تبدأ وفق مواعيد محدّدة، بينما تبقى سرعة نمو الإيرادات وحجم الأرباح موضع اختبار. وكل زيادة في كلفة التمويل ترفع العائد المطلوب لتبرير المشروع، وكل تأخير في تشغيله أو بيع خدماته يوسّع الفجوة. ويكفي أن يشكّ المستثمرون في قدرة بعض المشاريع على تحقيق العائد المتوقع حتى يعيدوا تقييم القطاع كله، خصوصاً بعدما حملت أسهمه جانباً كبيراً من التفاؤل بنمو الاقتصاد الأميركي.

وجاءت الانتخابات لتضيف طبقة سياسية إلى الأزمة. فصعود الديمقراطيين يفتح نقاشاً أشد حول ضرائب الشركات والأثرياء، والإعفاءات، وكلفة مراكز البيانات على شبكات الكهرباء والمجتمعات المحلية. وتدخل احتمالات زيادة الأعباء الضريبية أو تقليص الامتيازات في حساب الربح الصافي المتوقع. أما الأثر المباشر الذي رصدته التغطيات، فتركز في الخشية من تشديد القواعد التنظيمية وتعطيل بعض مشاريع مراكز البيانات، خصوصاً على مستوى الولايات؛ أي زيادة كلفة التوسع وإبطاء وصول عائداته.

ولهذا كانت الخسائر في قلب القطاع أشد من خسائر السوق العامة. فقد تراجعت إنفيديا 9.3%، و«إيه إم دي» 17.3%، وشركة تجهيزات الطاقة «جي إي فيرنوفا» 7.5%. وأصبح ناسداك أدنى من قمته القياسية بنحو 11.9%. وتكشف هذه الأرقام أن الخوف يمتد عبر سلسلة الاستثمار، من تصنيع الرقائق إلى الكهرباء التي تحتاج إليها مراكز البيانات، بما يربط مصير شركات متعددة باستمرار الإنفاق نفسه.

تبقى الأزمة مفتوحة ما دامت شروط التمويل والعائد لم تتغير بصورة مستدامة. يمكن لتوقعات التسوية أن تخفض النفط وتمنح الأسهم هدنة، لكن استعادة العافية تحتاج إلى استقرار الطاقة، وتحسن التمويل، وإيرادات تثبت قدرة المشاريع على تغطية كلفتها، والأهم تراجع ضغط تمويل الدين العام وفائدته المرتفعة وضغطها على سعر الفائدة. وطالما استمرت الفجوة، ينتقل الضغط إلى الموردين والمقاولين والمموّلين، ثم تتسع المبيعات لتغطية الخسائر والالتزامات. بذلك تكشف الحرب هشاشة نموذج توسّع راهن على المال المتاح والطاقة المستقرة والأرباح المقبلة، وتحوّل الذكاء الاصطناعي من وعد يقود البورصة إلى اختبار لقدرتها على احتمال كلفة ذلك الوعد.

البناء

captcha