kayhan.ir

رمز الخبر: 232851
تأريخ النشر : 2026November07 - 20:32

نهاية أميركا التي نعرفها!

 

رسمت مجلة «ذي أتلانتيك» الأمريكية، في مقال ساخر حمل عنوان «نهاية أمريكا التي نعرفها!»، صورة نقدية للوضع السياسي في الولايات المتحدة خلال عهد دونالد ترامب، مسلطة الضوء على الفجوة بين وعوده باستعادة عظمة أمريكا والواقع الذي باتت تواجهه البلاد من أزمات داخلية وانقسامات سياسية وإخفاقات خارجية.

ان المقال أشار إلى أن هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي لا تمثل مجرد تحول في موازين القوى الحزبية، بل تعكس تغيراً في الصورة التي رسمتها الولايات المتحدة عن نفسها ومكانتها في العالم.

وتزداد دلالة السخرية التي تناولها المقال عند النظر إلى الفجوة بين وعود ترامب وواقع أداء إدارته. فقد عاد ترامب إلى السلطة متعهداً بإعادة الولايات المتحدة إلى موقع القوة المهيمنة والمؤثرة، وإنهاء التكاليف الباهظة للتدخلات الخارجية، وضبط الحدود، وتعزيز الاقتصاد في مواجهة المنافسين، وإجبار الحلفاء والخصوم على قبول مطالب واشنطن. لكن حصيلة هذا النهج، على الأقل في المجال السياسي، تمثلت في تصاعد التوترات واتساع الخلافات، بدءاً من الجدل حول الهجرة وسياسات الأمن الداخلي، مروراً بالرسوم الجمركية التجارية والخلافات مع الحلفاء، وصولاً إلى القرارات العسكرية المكلفة.

وتكمن المفارقة الأساسية في سياسة ترامب في أنه وصل إلى السلطة متعهداً بإنهاء أعباء السياسة الخارجية الأمريكية السابقة، لكنه تحول بنفسه إلى أحد رموز السياسة الخارجية المكلفة القائمة على استعراض القوة. فقد اعتقد أن التهديد والضغط الاقتصادي واستخدام التفوق العسكري يمكن أن تغير إرادة الدول الأخرى سريعاً وتعزز موقع الولايات المتحدة. غير أن تجارب الأشهر الماضية أظهرت أن القوة العسكرية والاقتصادية وحدهما لا تضمنان تحقيق الأهداف السياسية؛ إذ قد يؤدي قرار يُتخذ لاستعراض القوة إلى تآكل المصداقية وارتفاع التكاليف وتشكيل جبهة من المعارضين.

ويُعدّ الصراع الذي استمر ثمانية أشهر مع إيران أحد أبرز الأمثلة على هذا التناقض. فقد بدأت إدارة ترامب هذه المواجهة وفق حسابات استندت، على ما يبدو، إلى التفوق العسكري الأمريكي وإمكانية فرض مطالب واشنطن سريعاً. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن الدخول في مواجهة عسكرية لا يعني التحكم في نتائجها وتداعياتها. وتمكنت إيران، عبر توظيف قدراتها الاستراتيجية وموقعها الجيوسياسي، من رفع كلفة هذه المواجهة، مؤكدة أن التفوق العسكري، حتى وإن كان كبيراً، لا يتيح السيطرة على جميع متغيرات الأزمات الإقليمية.

ولم تقتصر تداعيات هذا الوضع على الميدان العسكري، بل كشفت زيادة تكاليف العمليات والضغوط على أسواق الطاقة والمخاوف بشأن أمن الممرات الحيوية لنقل النفط، فضلاً عن تعقيد إدارة الولايات المتحدة علاقاتها مع حلفائها الإقليميين، عن أبعاد أوسع لهذه المواجهة.

وبحسب تقديرات المقال، بلغت كلفة العمليات ضد إيران نحو 47.1 مليار دولار حتى 16 أكتوبر 2026، ذهب جزء كبير منها إلى تعويض الذخائر المستهلكة وإصلاح الأضرار التي لحقت بالمعدات العسكرية. وقد تكبدت الحكومة الأمريكية هذه النفقات في وقت يواجه فيه المواطنون مخاوف اقتصادية وارتفاعاً في تكاليف المعيشة وضغوطاً ناجمة عن السياسات الداخلية للإدارة.

وتتضح أهمية هزيمة الجمهوريين في الانتخابات الأخيرة عند هذه النقطة تحديداً؛ إذ لم تعد السياسة الخارجية قضية بعيدة عن الحياة اليومية للأمريكيين. فالقرارات التي يتخذها البيت الأبيض خارج الحدود باتت تنعكس على أسعار الطاقة والنفقات العامة وميزانية الدفاع، وصولاً إلى خيارات الناخبين. وقد يواصل ترامب الدفاع عن عملياته العسكرية، لكنه لا يستطيع إخراج تداعياتها الاقتصادية والسياسية من الحسابات الداخلية الأمريكية.

ويكتسب اعتراف ترامب بدور المواجهة مع إيران في الهزيمة الانتخابية للجمهوريين أهمية من هذا المنظور. كما تكشف مواقف جي دي فانس، نائب الرئيس، أن المخاوف بشأن كلفة هذه السياسة وصلت إلى الدائرة المقربة من ترامب. ويشير تمايز فانس عن قرارات الرئيس وتشديده على ضرورة مراعاة رغبات الناخبين إلى اتساع الخلافات داخل المعسكر الجمهوري. فالحزب الذي خاض المنافسة بشعار استعادة قوة أمريكا، بات مطالباً اليوم بتقديم إجابات بشأن كلفة سياسات لم تؤدِّ إلى تعزيز موقع الإدارة، بل عرّضت أغلبيتها السياسية للخطر.

ومن جهة أخرى، قد يفرض فوز الديمقراطيين في الكونغرس قيوداً جديدة على ترامب. فالسيطرة على الموارد المالية للحكومة، والرقابة على أداء الجهاز التنفيذي، وإمكانية التحقيق في القرارات العسكرية والأمنية، كلها أدوات يمكن للديمقراطيين استخدامها لزيادة كلفة السياسات الأحادية التي ينتهجها البيت الأبيض. وبذلك، سيواجه ترامب في المرحلة المقبلة تحدياً مزدوجاً: تداعيات سياسته الخارجية على المستوى الدولي، والمقاومة المؤسسية والسياسية داخل الولايات المتحدة.

ومع ذلك، لا ينبغي الاعتقاد بأن هزيمة الجمهوريين تعني نهاية القوة الأمريكية أو التوقف الفوري لسياسات ترامب التصعيدية. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية واسعة، كما يتمتع رئيسها بصلاحيات مهمة في مجال السياسة الخارجية. لكن ما تغير هو هامش حرية ترامب في التحرك والكلفة السياسية لقراراته؛ إذ لم يعد بإمكانه الاستناد إلى شعار عظمة أمريكا لإخفاء جميع الإخفاقات أو تحميل الخارج وحده تبعات قراراته.

وتشير سخرية مجلة «ذي أتلانتيك» في جوهرها إلى هذه المفارقة؛ فأمريكا التي كان من المفترض أن تستعيد عظمتها، باتت تواجه تساؤلات بشأن مصداقيتها وتماسكها وقدرتها على إدارة أزماتها الداخلية والخارجية. وقد شكّلت المواجهة مع إيران أحد أبرز تجليات هذا الوضع، إذ أظهرت أن المسافة بين القوة العسكرية والانتصار السياسي قد تكون شاسعة.

وربما لا يعني تعبير «نهاية أمريكا التي نعرفها» نهاية القوة الأمريكية، لكنه قد يشير إلى نهاية تصور راسخ مفاده أن واشنطن تستطيع، متى شاءت، الاستناد إلى قوتها العسكرية والاقتصادية لتغيير مسار الأحداث العالمية وفق إرادتها. فقد أظهرت الانتخابات الأخيرة أن كلفة هذا التصور عادت في نهاية المطاف إلى الداخل الأمريكي، حيث لم يعد بإمكان الناخبين والحلفاء السياسيين لترامب، وحتى أقرب الشخصيات في إدارته، تجاهل تداعياته.

مهر

captcha