kayhan.ir

رمز الخبر: 232727
تأريخ النشر : 2026November04 - 21:09

الحرب التي يتهيّب منها الجميع… هل أصبح التلويح بها بديلاً عن خوضها؟

 

خضر رسلان

 لم يعد الحديث عن الحرب واحتمالات استئناف العمليات العسكرية ضدّ إيران حدثاً استثنائياً في المشهد السياسي والإعلامي الأميركي، بل بات أشبه بمسلسل تتوالى حلقاته، وتتغيّر فيه التصريحات والتسريبات، فيما يبقى عنوانه الثابت: الحرب آتية، والخطط العسكرية جاهزة، والقرار قد يصدر في أيّ لحظة.

وما يستوقف المتابع ليس تكرار التهديدات فحسب، بل الطريقة التي يجري فيها تداولها، وكأننا أمام فيلم هوليودي تُعرَض مشاهده تباعاً: تسريب الخطط العسكرية، والكشف عن طبيعة الأهداف، وتصريحات المسؤولين، والتحذيرات من تداعيات المواجهة، وصولاً إلى تحديد مواعيد محتملة لاستئناف العمليات. وفي كلّ مرة يُترك الباب مفتوحاً أمام التصعيد، من دون أن يتضح ما إذا كانت هذه التهديدات تمهيداً لقرار عسكري أم جزءاً من إدارة سياسية ونفسية للمواجهة.

ويقدّم تصريح السيناتور الأميركي كريس مورفي نموذجاً لهذه المفارقة. فقد تحدّث عن مشاركته في اجتماع إحاطة نوقشت خلاله خطة عسكرية محتملة في حال استئناف العمليات، واصفاً إياها بأنها «جنونية»، ومحذراً من أنها قد تؤدي إلى تصعيد مدمّر وإطالة أمد الحرب، بدلاً من تحقيق الأهداف المعلنة. كما أشار إلى أنّ الرئيس الأميركي طلب إعدادها، من دون أن يعني ذلك أنّ قرار تنفيذها قد اتُّخذ.

وهنا يبرز السؤال: لماذا يتكرّر الحديث عن الخطط العسكرية بهذه الكثافة، وتتحوّل الاجتماعات المغلقة والتقديرات العسكرية إلى مادة متداولة في الإعلام، فيما تقتضي طبيعة العمليات وأهدافها عادة قدراً كبيراً من السرية؟

لا يعني ذلك أنّ التهديدات مجرد استعراض إعلامي، أو أنّ احتمال الحرب سقط من الحسابات الأميركية؛ فإعداد الخطط العسكرية أمر طبيعي في حسابات الدول، ولا سيما في ظلّ مواجهة لم تُحسم نتائجها. لكن ثمة فرقاً بين إعداد خطة واتخاذ قرار بتنفيذها، وبين إبقاء الخيار العسكري قائماً وتحويله إلى تهديد دائم يُستخدم في إدارة الصراع.

من هنا، تبدو المسألة أقرب إلى مفاوضات تجري تحت ظلال الحرب، أو إلى التفاوض بالنار من دون إشعالها بالضرورة. فعندما تتكرّر التهديدات وتُسرّب الخطط وترتفع سقوف التصعيد، لا تكون الرسالة موجهة إلى الخصم وحده، بل إلى الحلفاء وأسواق الطاقة ودول المنطقة والرأي العام الأميركي أيضاً. وقد يكون الهدف إبقاء إيران تحت ضغط دائم لدفعها إلى إعادة حساباتها وتقديم تنازلات في الملفات موضع الخلاف، سواء تعلق الأمر بالبرنامج النووي أو مضيق هرمز أو الترتيبات الأمنية في المنطقة. هكذا يصبح التلويح بالحرب أداة تفاوضية، يُراد منها انتزاع ما عجزت الضغوط السابقة عن تحقيقه، أو تحسين شروط أي اتفاق مقبل.

لكن هذه المعادلة لا تعمل في اتجاه واحد. فإيران ليست طرفاً ينتظر قرار واشنطن، بل تملك حساباتها وأوراقها، وتدرك أنّ التهديد العسكري يستهدف التأثير في موقفها التفاوضي ودفعها إلى التنازل تحت ضغط الخوف من مواجهة جديدة. غير أنّ استمرار التهديد لا يضمن النتيجة التي تريدها واشنطن؛ فقد يدفع الطرف المقابل إلى التشدّد والتمسك بأوراق القوة، واعتبار أيّ تنازل يُفرض تحت التهديد مدخلاً لمزيد من الضغوط لاحقاً.

وثمة جانب آخر يتعلق بما يمكن تسميته صناعة القلق على الشاشات. فالحرب، بما تحمله من احتمالات ومخاطر، تتحوّل إلى مادة دسمة لبعض المحللين السياسيين والعسكريين، الذين يجدون في التهديدات والتسريبات فرصة لإطلاق توقعاتهم وتصريحاتهم الرنانة، واستعراض سيناريوات الضربات والردود واتساع رقعة المواجهة، في سباق يستهدف أحياناً استقطاب أكبر عدد من المشاهدين، لا تقديم قراءة مسؤولة لقضية تمس أمن الناس وحياتهم.

وفي هذا السباق، تضيع الحدود بين التحليل المسؤول والاستعراض الإعلامي، وبين قراءة المعطيات وترويج الاحتمالات الأكثر إثارة. فالتصريحات لا تبقى داخل الاستديوات، بل تنتقل إلى بيوت الناس وتتحوّل إلى مصدر قلق يومي؛ تدفع عائلات إلى التفكير بالنزوح، وأخرى إلى الاستعداد للمغادرة، فيما يعيش كثيرون تحت ضغط نفسي متواصل قد ينعكس على صحتهم، ولا سيما لدى من يعانون أمراض القلب والضغط. وكأنّ الخوف نفسه أصبح مادة قابلة للتسويق، من دون اكتراث كافٍ بتداعياته الاجتماعية والنفسية.

ليس المطلوب من المحلل أن يطمئن الناس على حساب الحقيقة، أو أن يستبعد احتمال الحرب تجنّباً لإثارة القلق، بل أن يميّز بين المعلومة والاحتمال، وبين السيناريو العسكري والقرار السياسي. فالتهويل ليس تحليلاً، ورفع سقف التوقعات لا يعني امتلاك قراءة أعمق للمشهد، كما أنّ مخاوف الناس ليست وقوداً مشروعاً لسباق المشاهدات.

إنّ تكرار الحديث عن الحرب لا يشكل دليلاً حاسماً على قرب وقوعها، كما لا يعني استبعادها. فقد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف الأعصاب والحسابات، ووسيلة لتحسين شروط التفاوض، وقد يكون تمهيداً لخيار عسكري لا يزال مطروحاً. لكن التلويح المستمر بالحرب لا يجعلها أقلّ خطورة، بل قد يرفع احتمالات سوء التقدير ويدفع الأطراف إلى مواجهة لم يكن أيّ منها يريدها في ذلك التوقيت.

في النهاية، لم يعد السؤال محصوراً في ما إذا كانت واشنطن ستستأنف الحرب أم لا، بل في ما إذا كانت تريد خوضها فعلاً، أم تراهن على أن يحقق التهديد بها ما عجزت عن تحقيقه في المواجهة السابقة. فالحرب التي يتهيّب الجميع كلفتها قد تتحوّل إلى ورقة تفاوض، لكن الرهان على إبقائها مجرد ورقة ليس مضمون النتائج؛ لأنّ النار التي تُستخدم للضغط قد تخرج، في لحظة ما، عن حدود الحسابات التي أشعلتها. وبين من يوظف التهديد لتحقيق مكاسب سياسية، ومن يوظفه لاستقطاب المشاهدين، يبقى الناس من يدفعون ثمن القلق، حتى قبل أن تبدأ الحرب.

captcha