kayhan.ir

رمز الخبر: 232725
تأريخ النشر : 2026November04 - 21:08

بين فاتورة الحروب ونهاية النفوذ: الشارع الفرنسي يرفض دفع الثمن

 

حسن حردان

 لم يعد ما تشهده شوارع باريس والمدن الفرنسية الكبرى مجرد احتجاجات تقليدية على غلاء المعيشة أو قوانين تقشفية عابرة؛ بل تحوّل إلى مرآة عاكسة لتصدّع عميق في بنية النموذج الاجتماعي والسياسي الفرنسي برمّته. فعندما يخرج الشباب والطبقات الوسطى والعمال إلى الشارع، فإنهم لا يحاربون أزمة محلية ناتجة عن سياسات الحكومة فحسب، بل يواجهون فاتورة باهظة لتحوّلات جيو ـ اقتصادية وعالمية عصفة بالامتيازات التاريخية لفرنسا، وكشفت عن عجز بنيوي للنظام الرأسمالي عن تقديم أيّ حلول حقيقية من دون إحداث تغييرات جذرية في صلب بنيته الاقتصادية والسياسية.

أولاً: فتيل الداخل واحتراق القدرة الشرائية

تنفجر الأزمات دائماً من حلقاتها الأضعف. فقد وجد المواطن الفرنسي نفسه في عين عاصفة تضخمية غير مسبوقة؛ إذ أدى الارتفاع الحادّ في أسعار الطاقة والمواد الأساسية إلى تآكل متسارع في القدرة الشرائية. ولم يعد الراتب الشهري يكفي لتغطية أبسط الاحتياجات المعيشية، بالتزامن مع تراجع جودة الخدمات العامة الأساسية كالتعليم والصحة.

وعندما انضمّت الاتحادات الطلابية وشباب الضواحي إلى حركة الاحتجاج، تحوّلت الشوارع إلى ساحة غضب عارم ضدّ انسداد الأفق المستقبلي وغياب تكافؤ الفرص، مقابل حكومة تبدو عاجزة عن الاستجابة لمطالب الشارع، لتعكس هذه الحالة أزمة ثقة حادة بين المواطن وقصر الإليزيه في ظلّ غياب أغلبية برلمانية متماسكة قادرة على إنتاج تسويات سياسية توافقية.

ثانياً: حروب الخارج…استنزاف الموازنات وطاقة القارة

لا يمكن فصل الشارع الفرنسي المحتجّ عن الأزمات الجيوسياسية الكبرى التي تورّطت فيها القارة الأوروبية:

ـ فاتورة الحرب في أوكرانيا: أدّى الدعم المالي والعسكري المفتوح لكييف وجهود إعادة التسلح إلى استنزاف هائل للموازنات الحكومية الفرنسية. وفي الوقت ذاته، أسفر قطع إمدادات الطاقة الرخيصة عن صدمة في أسعار الطاقة، لتتحوّل المصانع والأسر الفرنسية إلى رهينة لارتفاع الفواتير.

ـ حروب الشرق الأوسط والتصعيد مع إيران: أضافت التوترات المستمرة في ممرات الطاقة العالمية ضغوطاً إضافية على أسواق المحروقات وسلاسل الإمداد، مما أضعف الاستهلاك ونمّى حالة الركود التي تقوّض عوائد الشركات الكبرى وترتدّ سلباً على التوظيف والاستقرار الاجتماعي.

ثالثاً: أفول “الريع الخارجي”ونهاية الوهم الاستعماري

تكمن الأزمة الهيكلية الأعمق التي تتجنّب النخب السياسية مقاربتها في نهاية عصر النفوذ الاستعماري الفرنسي في أفريقيا (ولا سيما في منطقة الساحل وغرب أفريقيا).

فعلى مدار عقود طويلة، اعتمدت الخزينة الفرنسية ودولة الرفاه الاجتماعي على استنزاف الموارد الأفريقية بأسعار تفضيلية (كاليوورانيوم ومصادر الطاقة) والسيطرة التجارية والنقدية. ومع تصاعد التمرد الشعبي والسياسي الأفريقي وطرد الوجود العسكري الفرنسي، انقطعت تلك الموارد الخفية التي كانت تموّل جزءاً كبيراً من استقرار الدولة الفرنسية. وفجأة، وجدت الخزينة الفرنسية نفسها مكشوفة أمام ديون فلكية وعجز هيكلي، دفعت نحو فرض سياسات تقشفية وقوانين مثيرة للجدل لتغطية هذا العجز على حساب المواطن البسيط.

رابعاً: اشتداد المنافسة العالمية  بين الدعم الأميركي والصين

على الصعيد الاقتصادي الدولي، يجد الرأسمالي الفرنسي نفسه محشوراً بين طاحونتين لا توفران الرحمة:

ـ السياسات الحمائية الأميركية: المتمثلة في الدعم الهائل والحزم المالية الضخمة التي تضخها واشنطن لدعم صناعاتها المحلية وتقنياتها الخضراء على حساب الشركاء الأوروبيين.

ـ الهيمنة الصناعية والتكنولوجية الصينية: التي تغزو الأسواق العالمية وتتفوّق تنافسياً على القطاعات الصناعية الأوروبية العتيقة.

هذه المنافسة الشرسة أدّت إلى تراجع الحصص السوقية للشركات الفرنسية وعجز الاقتصاد المحلي عن توليد فائض كافٍ لتمويل الإنفاق العام والخدمات، ليدرك المواطن أنّ “العولمة الرأسمالية” باتت تلتهم مكتسباته لصالح حفنة من رأس المال المالي العابر للحدود.

الخلاصة: أزمة نموذج  لا تحتمل المسكّنات

تؤكد التطورات الراهنة أنّ محاولات احتواء الشارع بالقبضة الأمنية أو بالحلول الترقيعية لم تعد تكفي. إنّ الأزمة الفرنسية اليوم هي إعلان وفاة لنموذج متكامل عجز النظام الرأسمالي فيه عن التكيّف مع عالم متعدد الأقطاب تراجع فيه نفوذه الإمبراطوري وزادت فيه أعباء الصراعات الدولية والحروب، والمنافسة العاتية.

إنّ الخروج الحقيقي من نفق الأزمة لن يتمّ عبر تسكين آلام الشارع بمسكنات مالية مؤقتة، بل يتطلب إعادة نظر جذرية في طبيعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والخارجية لفرنسا، بما يعيد توزيع الثروة بعدالة، ويستبدل التبعية والمغامرات الخارجية ببناء اقتصاد محلي مرن ومتضامن. ما لم تحدث هذه التغيّرات الجوهرية، فإنّ شوارع المدن الفرنسية ستظلّ مرشحة لمزيد من الاشتعال، معلنةً أنّ عصر الرفاهية السهلة قد طوى صفحته إلى الأبد…

captcha