زلزال الطاقة العالمي ولبنان على حافة الاختناق الاقتصادي!
عباس المعلم
لم تعد الحرب الأميركية على إيران مجرّد مواجهة عسكرية تتنازع فيها الصواريخ موازين القوة، بل تحوّلت إلى اختبار قاسٍ لمناعة الاقتصاد العالمي، بعدما امتدّت ارتداداتها إلى شرايين الطاقة والتجارة والصناعة والأسواق المالية. فالنفط لم يعد سلعة تتحكم بسعرها معادلات العرض والطلب وحدها، بل بات رهينة للمخاطر الجيوسياسية وأمن الممرات البحرية وكلفة التأمين والشحن. وكلّ اضطراب يطال الخليج ومضيق هرمز لا يتوقف عند برميل النفط، بل ينتقل إلى الغاز والكهرباء والصناعات البتروكيميائية والأسمدة والنقل والإنتاج الزراعي، وصولاً إلى أسعار الغذاء والسلع الأساسية. أما الذهب والمعادن الاستراتيجية، فتدخل بدورها دائرة التقلبات الحادة بين اندفاع الرساميل نحو الملاذات الآمنة ومخاوف الركود وتراجع النشاط الصناعي.
هنا تتجلى المفارقة الاقتصادية الأشدّ خطورة: حرب تُشعل التضخم من جهة، وتخنق النمو من جهة أخرى، فتضع الاقتصادات أمام معضلة لا تعالجها الفوائد المرتفعة وحدها، ولا تنقذها سياسات التحفيز التقليدية.
أما المشهد الأكثر إثارة للقلق، فيكمن في أنّ الاقتصاد العالمي بدأ يستهلك هوامش الأمان التي راكمها لمواجهة الصدمات. فقد حذّرت معطيات حديثة من استنزاف ما يقارب مليار برميل من المخزونات النفطية العالمية منذ اضطراب الملاحة في هرمز، فيما تجاوز خام برنت عتبة المئة دولار، وارتفعت تكاليف الشحن والإمداد بصورة استثنائية.
وقدّر صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد العالمي بنحو 3% خلال عام 2026، مع ارتفاع التضخم إلى 4.7%، في انعكاس واضح لتداعيات الحرب على النشاط الاقتصادي والأسعار.
الأخطر أنّ استمرار هذه المعادلة يهدّد بإعادة إنتاج الركود التضخمي، حيث تتآكل القدرة الشرائية وتتراجع الاستثمارات وتتضخم تكاليف الإنتاج في وقت واحد. وهكذا، فإنّ الخطر لا يقتصر على ارتفاع أسعار النفط والذهب والمواد الأولية، بل يتعداه إلى إعادة توزيع الخسائر بين الدول، بحيث تدفع الاقتصادات المستوردة للطاقة والأكثر مديونية الثمن الأكبر، بينما تتحوّل الأسواق إلى رهينة دائمة لأيّ ضربة عسكرية أو تعثّر تفاوضي.
لبنانياً، نحن أمام اقتصاد يستقبل الصدمة الخارجية بعدما استنفد معظم قدرته الداخلية على امتصاصها. فبلد يستورد القسم الأكبر من احتياجاته الطاقوية والاستهلاكية، ويعاني انهياراً نقدياً ومصرفياً مزمناً، لا يستطيع التعامل مع ارتفاع أسعار النفط والشحن والغذاء بوصفه موجة غلاء عابرة. وقد توقّع البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% خلال عام 2026 وارتفاع التضخم إلى 17.5%، رغم الاستقرار النسبي لسعر الصرف، فيما تظلّ المديونية العامة غير مستدامة وتتعاظم الضغوط على المالية العامة.
لكن المعضلة اللبنانية أعمق من الحرب وتداعياتها؛ إنها تكمن في بنية دولة تتعايش مع الهدر والفساد وضعف الرقابة وتعثّر الإصلاح، وتفتقر إلى سياسة إنتاجية ومالية قادرة على حماية المجتمع. فكلّ ارتفاع في فاتورة المحروقات يتحوّل إلى زيادة في كلفة الكهرباء والنقل والغذاء والخدمات، وكلّ تراجع في الاستهلاك والسياحة والاستثمار يضيّق قاعدة الإيرادات ويزيد هشاشة الموازنة. والخلاصة أنّ الحرب قد تكون مصدر الصدمة، لكنها ليست أصل المرض اللبناني؛ فالاقتصادات السليمة تتضرّر من الأزمات ثم تتعافى، أما الاقتصاد الذي تنخره مزاريب الهدر والفساد، فإنه يحوّل كلّ أزمة خارجية إلى انهيار داخلي جديد، ويدفع المواطن وحده فاتورة الحرب، والسياسات التي لم ينتفع منها…