الحروب والانتخابات: سحب التفويض من «الملكين»
ناصر قنديل
تختبر الانتخابات الإسرائيلية والأميركية زعامتين بنتا صورتهما على القدرة على تغيير التاريخ، واستندتا إلى تفويض واسع وبنية سياسية واجتماعية متماسكة، وحملتا مشروعين يتصلان بدور أميركا العالمي ودور “إسرائيل” الإقليمي. لذلك تتجاوز دلالة الاقتراع تبدّل المقاعد إلى مساءلة الوعد الذي قدّمه «الملكان» والنتائج التي تحققت باسمه. فالحروب تؤثر في الانتخابات عبر حصيلتها وكلفتها، ثم تعود الانتخابات لتغيّر البيئة التي تُتخذ فيها قرارات الحرب. وبين الاتجاهين يقع السؤال: هل تستطيع القيادة مواصلة إطلاق يدها بعدما يبدأ المجتمع بسحب التفويض الذي منحها إياه؟
دخل نتنياهو مرحلة الحروب مستنداً إلى أكثرية يمينية جمعت التيارات الدينية والقومية والاستيطانية حول مشروع للحسم بـ68 مقعداً من أصل 120. وقدمت هذه القوى الحرب أداة لتحقيق حلم تاريخي، من إخضاع الفلسطينيين وفرض وقائع الأرض، إلى إعادة تشكيل المنطقة وإزالة القوى التي تعترض التفوق الإسرائيلي. ومع امتداد المواجهات ثلاثة أعوام، استمرّ طلب الثقة والصبر من المجتمع، على أساس أن جولة إضافيّة ستنجز ما تعثّر سابقاً. لكن تكرار الجولات أبقى السؤال عن حدود القوة مفتوحاً، وحوّل المسافة بين الوعود والنتائج إلى عبء على القيادة.
وفي أميركا، عاد ترامب إلى الرئاسة متوّجاً بفوز في التصويت الشعبي وأغلبية جمهورية في المجلسين، ضمن بيئة مؤسسيّة تعزّزها أكثرية محافظة في المحكمة العليا. واستند إلى كتلة صلبة، يتقدّمها المحافظون البيض والإنجيليون، رأت فيه زعيماً يستعيد مكانتها ويحقق تصورها عن أميركا. وبالمقابل، منحت التيارات اليهودية المتشدّدة في اليمين الديني والقومي نتنياهو قاعدة تتعامل مع مشروعه باعتباره مهمة تتجاوز إدارة الحكم، حتى تمكّن أثناء الحرب من محاصرة معارضيه وجلب أبرزهم، ومنهم غادي آيزنكوت، إلى حكومته. وفي الحالتين، ارتبط الحلم التاريخي بشخص الزعيم، وأصبح الاعتراض عليه داخل قاعدته أقرب إلى التشكيك بالمشروع كله، وسحب التفويض الممنوح سابقاً.
جاء ذلك في ما تواجه أميركا أزمة تحويل تفوّقها إلى قدرة مضمونة على فرض إرادتها، وتواجه “إسرائيل” حدود قدرتها على إخضاع محيطها بالقوة. ووعدت الزعامتان بتجاوز المأزق عبر الحسم والضغط. لذلك يحمل تعثر الحروب دلالة تتجاوز إخفاق عملية عسكرية؛ إنه يمتحن أهلية القيادة ووعدها المركزي ومشروعها التاريخي. وعندما تبقى قدرة الخصم على الرد قائمة، وترتفع التكلفة، يصبح المجتمع أمام حصيلة تختلف عما طُلب منه التصويت والثقة من أجله.
من هنا يكتسب تراجع معسكر نتنياهو إلى 53 مقعداً معنى سحب التفويض السابق. لا تتطابق دوافع المصوّتين ضده، ولا تجمعهم رؤية واحدة لمستقبل الصراع، لكن النتيجة المشتركة جاءت تنهي الأكثريّة التي حمت المسار. وفي أميركا، يُختبر شعار «لا حروب جديدة» وشعار استعادة العظمة أمام الغلاء والاستنزاف والعجز عن إنهاء المواجهة. وإذا ترجمت الانتخابات الاستياء إلى خسارة جمهورية بائنة، فإنّها تقيد التفويض الذي أحاط بعودة ترامب، وتضع حصيلة حكمه تحت مساءلة سياسية أوسع.
ويتقدّم مجلس النواب في قياس هذا التحول الشعبي، لأن الانتخابات تشمل مقاعده الـ435 كاملة، وتوزع المقاعد بين الولايات بحسب السكان. أما “الشيوخ”، فتتمثل فيه كل ولاية بعضوين، ويُجدَّد نحو ثلث مقاعده، فتتأثر حصيلته بهوية الولايات التي يحين استحقاقها. ولذلك تحمل أكثرية ديمقراطية مريحة في النواب دلالة وطنية مهمة، حتى إذا بقي “الشيوخ” جمهورياً.
لا تقابل «الملكين» جبهة متجانسة تحمل مشروعاً بديلاً مكتملاً. فالحزب الديمقراطي عباءة واسعة تخفي تناقضات اقتصادية وسياسية، ويجمع أطرافها السعي إلى إضعاف ترامب. وفي “إسرائيل”، تتجاور تشكيلات وتحالفات معقدة تلتقي على إقصاء نتنياهو، وتختلف على الحكومة والعلاقة بالقوائم العربية. تستطيع هذه القوى سحب التفويض من القيادة القائمة قبل الاتفاق على اتجاه المرحلة المقبلة؛ وهذا يمنح قدرتها على الاعتراض وزناً أسرع من قدرتها على إنتاج بديل.
بعد الانتخابات، يصبح هذا التحول المجتمعي أساس تقدير فرص الحرب. فالنقاش لا يبدأ من حدود صلاحيات الرئيس الأميركي أو قدرة حكومة تصريف الأعمال الإسرائيلية، بل من تراجع استعداد المجتمع لمنح القيادة حرية تكرار الخيارات التي عاقبها. وتدخل قيادات الجيش والأمن المناخ الجديد بحافز أكبر للتدقيق في الأهداف والكلفة وفرص النجاح، والحذر من تسخير القوة لإنقاذ مستقبل شخصي. وقد تزداد رغبة الزعيم المأزوم في المغامرة، بينما تتراجع قدرة حججه على إقناع المؤسسات.
وتفتح النتائج أيضاً أزمات داخلية يصعب معها إبقاء التركيز على الخارج كما كان: موازنات وتشريعات وتحقيقات وتعيينات، يتوقف قسم منها على العلاقة بين أكثرية نيابية معارضة وصاحب القرار التنفيذي. وفي “إسرائيل”، تتداخل هذه المواجهات مع تشكيل الحكومة وإدارة الكنيست؛ وفي أميركا، يمكن أن تستنزف العامين المتبقيين من ولاية ترامب. هكذا تغيّر الانتخابات شروط الحكم، وتلزم القيادة بتوزيع اهتمامها وقوتها على جبهات داخلية متعددة. وما سحب التفويض أو تقييده إلا إعلان بأن الفشل السابق لم يعد يبرر منح فرصة مفتوحة لمزيد من الفشل، خصوصاً أن صعود كل ملك جاء في بيئة حدثت عن أزمة وجودية.