kayhan.ir

رمز الخبر: 232721
تأريخ النشر : 2026November04 - 21:05

السعودية بين الارتهان للتحالفات الخارجية والتخبط في اليمن

 

- تكشف التطورات السياسية والعسكرية المرتبطة باليمن عن أزمة عميقة في النهج الذي تتبعه القيادة السعودية في التعامل مع محيطها الإقليمي، ولا سيما في مواجهة الشعب اليمني الذي يرفض الخضوع للإملاءات الخارجية أو التنازل عن قراره السيادي. فبدلاً من مراجعة السياسات التي أدت إلى إطالة أمد الصراع، والبحث عن حلول سياسية تضمن استقرار المنطقة، تبدو المواجهة وكأنها تحولت إلى اختبار لإرادة اليمنيين وقدرتهم على الصمود. والأكثر إثارة للجدل هو الحديث عن الاستعانة بالكيان الصهيوني  في مواجهة اليمن، في وقت تتطلب فيه التحديات الإقليمية موقفاً عربياً مستقلاً يحفظ المصالح المشتركة، ولا يجعل أمن المنطقة رهينة للتحالفات المتناقضة. إن المشكلة الأساسية لا تكمن في اختلاف المواقف السياسية بين الدول، بل في تحويل هذا الاختلاف إلى صراع مفتوح، وإقحام أطراف خارجية معروفة بمواقفها العدائية تجاه المنطقة. ومن هنا، يصبح من الضروري طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة السياسة السعودية، وأولوياتها الحقيقية، ومدى انسجام تحركاتها مع المصالح العربية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باليمن وفلسطين .

اليمن ليس ساحة مفتوحة لفرض الإرادات السعودية

إن أحد أبرز أوجه الخلل في السياسة السعودية تجاه اليمن يتمثل في التعامل مع هذا البلد باعتباره ساحة يمكن إخضاعها بالقوة أو تطويعها وفق الحسابات السياسية والأمنية للرياض. فاليمن ليس مجرد مساحة جغرافية على حدود المملكة، وليس شعبه مجموعة من الأفراد الذين يمكن إرغامهم على قبول خيارات لا يشاركون في صنعها. إنه بلد يمتلك تاريخاً طويلاً من الاستقلال والهوية السياسية والاجتماعية، وشعباً أثبت خلال سنوات الصراع أنه قادر على تحمل الأعباء الكبيرة دفاعاً عن قراره وموقفه الوطني.

لقد كان من المفترض أن تدرك القيادة السعودية أن الحلول العسكرية لا تصنع استقراراً دائماً، وأن الضغط المستمر لا يؤدي بالضرورة إلى الاستسلام، بل قد يضاعف حالة العداء ويجعل فرص التسوية أكثر صعوبة. فالأمن الحقيقي لا يتحقق بإضعاف الجيران أو إخضاعهم، وإنما ببناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

إن استمرار المقاربة التصادمية يضع الرياض أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية كبيرة، لأن الشعوب لا تنسى سنوات المعاناة، ولا تتعامل مع مستقبلها باعتباره ملفاً يمكن حسمه بقرار خارجي. وإذا كانت السعودية تريد استقرار حدودها، فعليها أن تدرك أن استقرار اليمن جزء لا يتجزأ من استقرارها، وأن احترام إرادة اليمنيين هو الطريق الأكثر عقلانية لتحقيق ذلك.

الاستعانة بالكيان الصهيوني تكشف مأزق الحسابات الإقليمية

تزداد خطورة المشهد عندما يصبح الحديث عن الاستعانة بالكيان الصهيوني في مواجهة اليمن جزءاً من الجدل السياسي والإعلامي. فالكيان الصهيوني قوة احتلال ترتبط سياساتها بتاريخ طويل من الاعتداءات على الفلسطينيين، وانتهاك حقوقهم، وتهديد أمن شعوب المنطقة. ولذلك فإن أي تقارب أمني أو عسكري معها ينبغي أن يخضع لمساءلة سياسية وأخلاقية جدية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمواجهة دولة عربية وشعب عربي.

إن التناقض هنا واضح: كيف يمكن رفع شعارات التضامن العربي والإسلامي، بينما يصبح الكيان الصهيوني طرفاً مقبولاً في ترتيبات تستهدف مواجهة طرف عربي آخر؟ وكيف يمكن إقناع الشعوب بأن الأولوية هي حماية الأمن العربي، إذا كانت بعض الخيارات السياسية تفتح الباب أمام توسيع الدور الصهيوني في المنطقة؟

لا يتعلق الأمر برفض أي نقاش دبلوماسي من حيث المبدأ، بل برفض تحويل الكيان الصهيوني إلى شريك أمني على حساب المصالح العربية وحقوق الشعب الفلسطيني. فالأمن لا يُبنى على ازدواجية المعايير، ولا يمكن تبرير التحالفات المتناقضة بمجرد اختلاف الخصوم.

الاتهامات الإعلامية لا تعوّض غياب الأدلة

إن أخطر ما يمكن أن تلجأ إليه أي دولة في أوقات التوتر هو استخدام الاتهامات الخطيرة دون تقديم أدلة واضحة ومستقلة للرأي العام. فعندما يتعلق الأمر بمكة المكرمة، فإن المسألة لا تحتمل التلاعب الإعلامي أو توظيف المشاعر الدينية في الصراعات السياسية والعسكرية. فمكة مكان مقدس لدى المسلمين جميعاً، وأمنها مسؤولية لا ينبغي تحويلها إلى مادة للمزايدات أو تبادل الاتهامات.

إن توجيه اتهامات تتعلق باستهداف الأماكن المقدسة هي محاولة سعودية فاشلة ، إن استخدام الرمزية الدينية في النزاعات السياسية يضر بمكانة المقدسات نفسها، ويهدد بتحويل المشاعر الدينية إلى أدوات تعبئة. وعلى السعودية، بحكم مسؤوليتها تجاه الحرمين الشريفين، أن تكون بعيدة عن أي توظيف سياسي أو إعلامي.

مراجعة السياسة السعودية ضرورة لحماية مستقبل المنطقة

إن استمرار النهج التصادمي في التعامل مع اليمن لن يحقق للسعودية الأمن الذي تبحث عنه، بل قد يفتح الباب أمام أزمات جديدة يصعب احتواؤها.لقد آن الأوان لأن تعيد الرياض تقييم أولوياتها الإقليمية، وأن تدرك أن بناء علاقات مستقرة مع جيرانها أكثر فائدة من توسيع دوائر الخصومة. فاليمن ليس التهديد الوحيد الذي تواجهه المنطقة، وهناك قضايا أكثر إلحاحاً تتطلب تنسيقاً عربياً حقيقياً، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ومواجهة الاحتلال، وحماية أمن الشعوب واستقلال قراراتها.

كما أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق عبر توسيع التحالفات العسكرية أو البحث عن دعم قوى خارجية كلما ظهرت خلافات إقليمية. فهذه المقاربة قد تمنح بعض الأطراف مكاسب ظرفية، لكنها تخلق تبعيات سياسية وأمنية طويلة الأمد، وتضعف استقلال القرار العربي.

إن المسؤولية السياسية تقتضي الاعتراف بأخطاء الماضي، وفتح مسارات حوار جادة، ووقف كل ما من شأنه تأجيج الصراع. وعلى القيادة السعودية أن تختار بين استمرار سياسة المواجهة، بكل ما تحمله من مخاطر، وبين تبني سياسة الجوار المسؤول التي تحترم اليمن وتضمن مصالح جميع الأطراف. فالقوة الحقيقية ليست في فرض الإرادة، وإنما في امتلاك الحكمة الكافية لتجنب الحروب وصناعة السلام.

في نهاية المطاف، لا يمكن للمنطقة أن تتجه نحو الاستقرار ما دامت الحسابات السياسية الضيقة تتقدم على مصالح الشعوب، وما دامت الخلافات بين الدول تُدار بمنطق الضغط والتهديد والتحالفات المتناقضة. إن السياسة السعودية تجاه اليمن تحتاج إلى مراجعة جادة، لا إلى مزيد من التصعيد أو الخطابات التي تعمق حالة الاستقطاب. فالشعب اليمني ليس خصماً يمكن إلغاؤه من المعادلة، ولا يمكن بناء مستقبل المنطقة على افتراض أن إرادة الشعوب قابلة للكسر مهما طال الصراع.

أما الحديث عن الاستعانة بالكيان الصهيوني في مواجهة طرف عربي، فهو يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول أولويات السياسة الإقليمية، وحول مدى احترام المصالح العربية والقضية الفلسطينية في حسابات التحالفات الأمنية. ولا يمكن تبرير مثل هذه الخيارات بمجرد وجود خلافات سياسية أو أمنية مع اليمن.

إن المطلوب من الرياض اليوم ليس البحث عن خصوم جدد، بل مراجعة خياراتها، وتقديم المصلحة على الحسابات الضيقة، والالتزام بمبادئ حسن الجوار واحترام السيادة الوطنية. كما أن احترام المقدسات يتطلب الابتعاد عن توظيفها في النزاعات.إن مستقبل المنطقة لن تصنعه الضغوط الخارجية، ولن تحسمه التحالفات المؤقتة، وإنما تصنعه إرادة الشعوب وقدرة الدول على التعايش والاحترام المتبادل. وستظل الحكمة السياسية هي الطريق الوحيد لتجنب المزيد من الدماء، أما الإصرار على المواجهة فلن يورث المنطقة سوى مزيد من الانقسام وعدم الاستقرا

الوقت

captcha